فلسفة الحكم بين النظرية والواقع.. مسار ليبيا من التأسيس إلى الانسداد السياسي

0
7

تظل قضية الحكم وإدارة الشعوب من أعقد المسائل الفلسفية والسياسية التي شغل بها الفكر الإنساني عبر تاريخه الطويل ففي الوقت الذي حاول فيه الفلاسفة صياغة أطر نظرية ترتكز على العقل والأخلاق والعدالة كما يتجلى في أفكار أبو بكر الرازي الذي جعل من الحكمة والعقل أساساً لقيادة الإنسان والمجتمع وما طرحه أفلاطون في جمهوريته حول الحاكم الفيلسوف والمدينة الفاضلة القائمة على توزيع الأدوار وتحقيق العدل وما ذهب إليه جان جاك روسو في نظرية العقد الاجتماعي التي تعيد أصل السلطة والسيادة إلى الإرادة العامة للشعب وصولاً إلى الرؤية النقدية الراديكالية التي قدمها ميخائيل باكونين للتشكيك في هياكل السلطة ومؤسسات الإكراه نجد أن الواقع السياسي والتطبيقي في كثير من المجتمعات يسير وفق آليات وأدوات تبتعد كثيراً عن هذه الأطروحات المثالية لتتحول إدارة الحكم إلى مجرد صراع على المكتسبات أو أداة للهيمنة وبسط النفوذ.

وتتجلى هذه الفجوة العميقة بين النظرية والتطبيق بشكل واضح عند استقراء التطور التاريخي لنظام الحكم في ليبيا منذ مرحلة التأسيس حتى الوقت الراهن فقد بدأت المسيرة السياسية الحديثة عقب الحرب العالمية الثانية بإعلان استقلال إقليم برقة عام 1949 كخطوة تمهيدية نحو بناء الدولة الوطنية والتي توجت بتأسيس المملكة الليبية المتحدة عام 1951 عبر التوافق بين الأقاليم الثلاثة برقة وطرابلس وفزان تحت مظلة نظام فدرالي يرأسه الملك إدريس السنوسي حيث استند هذا النظام إلى دستور ملكي نصوصه متقدمة كفلت الحقوق والحريات وأرست قواعد الفصل بين السلطات في مرحلة اتسمت بشح الموارد وشديد الفقر وبقاء البلاد تحت رعاية وتأثير القوى الدولية غير أن اكتشاف النفط وتصديره في أوائل الستينيات أديا إلى تحول اقتصادي واجتماعي جذري فرض إعادة النظر في هيكل الدولة الإداري والسياسي للتعامل مع التدفقات المالية وتطوير التنمية لتشهد البلاد عام 1963 تعديلاً دستورياً جوهرياً تم بموجبه إلغاء النظام الفدرالي وتوحيد الأقاليم الثلاثة في دولة بسيطة وموحدة انطلقت فيها مشاريع البناء والحديث وبناء المؤسسات التعليمية والصحية والبنية التحتية ومع زيادة الثروة النفطية وتصاعد التيارات القومية والأيدولوجية في المنطقة وتزايد التطلعات الشعبية نحو التغيير حدث التداول القسري للسلطة عبر انقلاب سبتمبر 1969 الذي أطاح بالنظام الملكي وقدم القائمون عليه مبررات ترتكز على محاربة الفساد والتبعية للأجنبي وتحقيق العدالة الاجتماعية.

ومع استلام السلطة الجديدة تم تعطيل الدستور وإلغاء المؤسسات النيابية واستبدال النظام السياسي بنظام المؤتمرات الشعبية واللجان الشعبية القائم على طرح نظريات أيدولوجية واشتراكية شملت تأميم الشركات والمؤسسات الاقتصادية الحيوية وإلغاء الملكيات الخاصة عبر شعارات مقولة البيت لساكنه والأرض ليس ملكاً لأحد والزحف على المؤسسات وإطلاق ما عُرف بالنقاط السبع وتغيير وجه الاقتصاد والإدارة بالكامل مما أدى إلى تغليب السلطة الاستثنائية على حساب سيادة القانون وبناء دولة المؤسسات المستقرة واستمرار هذا الوضع لعدة عقود مترافقة مع تقلبات سياسية واقتصادية وضغوط خارجية حتى اندلعت الأحداث والمطالبات الشعبية عام 2011 والتي أسقطت النظام السابق ودخلت البلاد في مرحلة انتقالية جديدة سادتها آمال عريضة ببناء دولة الديمقراطية والتداول السلمي للسلطة عبر الاستحقاقات الانتخابية غير أن غياب المؤسسات القوية وانتشار السلاح وتضارب المصالح الإقليمية والدولية سرعان ما حوّلت التغيير إلى حالة من الانقسام المؤسسي والسياسي والعسكري وصراع محدم على السلطة والموارد نتج عنه وجود حكومات أفقية متوازية ومجالس تشريعية وتنفيذية متعددة أدت في النهاية إلى حالة من الانسداد السياسي المعقد الذي أدخل البلاد في دائرة من الأزمات الاقتصادية والأمنية لتنعدم معها أدوات الحكم الفلسفية والإدارية الرشيدة وتصبح الدولة رهينة للمحاصصة وصراع النفوذ وتضييع الفرص في بناء مجتمع مستقر يقوم على المواطنة وسيادة القانون كما نادت بها أدبيات الفلسفة السياسية عبر التاريخ.

The post فلسفة الحكم بين النظرية والواقع.. مسار ليبيا من التأسيس إلى الانسداد السياسي appeared first on عين ليبيا | آخر أخبار ليبيا.