قراءة في مقال هندسة الدولة في ليبيا

0
7

قرأت باهتمام المقال الذي كتبه الأستاذ عماد الدائمي الكاتب والسياسي التونسي الذي تناول فيه “هندسة الدولة في ليبيا”، والحقيقة أنني وجدت فيه الكثير مما يستحق الوقوف عنده والنقاش حوله، خاصة أن الكاتب انطلق من تجربته في دراسة الدولة التونسية وحاول من خلالها النظر إلى الحالة الليبية من الخارج، مع تأكيده احترام خصوصية التجربة الليبية واختيارات الليبيين.

وأنا أقرأ المقال، وجدت أن السؤال الذي طرحه في نهايته ربما يكون هو أهم ما فيه: ما الذي يجب أن يبقى وطنيًا ومشتركًا في الدولة الليبية مهما اشتد الخلاف على السلطة، وكيف نجعل هذا المشترك أقوى من دوافع الانقسام؟.

هذا السؤال بالنسبة لي لا يحتاج فقط إلى إجابة سياسية، بل إلى إجابة قانونية واقتصادية واجتماعية أيضًا، لأن المشكلة في ليبيا لم تعد في معرفة أهمية وجود الدولة أو مؤسساتها، وإنما في كيفية حماية ما هو وطني ومشترك من أن يصبح في كل مرة جزءًا من الخلاف السياسي.

وأعتقد أن أول ما يجب أن نتفق عليه هو أن الدولة ليست هي السلطة.

السلطات والحكومات والوجوه السياسية تتغير، وهذا أمر طبيعي في أي دولة، لكن الدولة يجب أن تبقى. لا يمكن أن نعيد ترتيب مؤسساتها وقواعدها من البداية مع كل تغير سياسي، ولا أن تصبح المؤسسات السيادية جزءًا من ميزان القوة بين الأطراف.

وهنا أتفق كثيرًا مع فكرة الكاتب عندما تحدث عن «البناء فوق البناء»، لأنها مشكلة نراها فعلًا عندما نعالج خلل مؤسسة بإنشاء مؤسسة أخرى، ثم نعالج تداخل المؤسستين بلجنة، ثم نحتاج بعد سنوات إلى إعادة تنظيم الجميع.

لكن من واقعنا الليبي، أرى أن لدينا مشكلة أخرى لا تقل أهمية: نحن في أحيان كثيرة لا نفتقر إلى القانون بقدر ما نفتقر إلى تطبيقه وتمكين المؤسسات من ممارسة ما أعطاها القانون أصلًا من اختصاصات.

ولنأخذ الإدارة المحلية مثالًا.

لدينا القانون رقم 59 لسنة 2012 بشأن نظام الإدارة المحلية، ثم عُدّل بالقانون رقم 9 لسنة 2013، وتبعت ذلك قرارات ولوائح لتنظيم عمل البلديات ومواردها ونقل بعض الاختصاصات إليها. وفي سنة 2022 صدر أيضًا قرار مجلس الوزراء رقم 326 بشأن تمكين البلديات من اختصاصاتها المحلية.

إذن نحن لسنا دائمًا أمام فراغ تشريعي يحتاج إلى قانون جديد.

السؤال الذي أراه أهم هو: إلى أي مدى نُفذت هذه النصوص فعلًا؟ وهل عندما نقلنا الاختصاص نقلنا معه الإمكانيات والموارد والكوادر والقدرة على اتخاذ القرار؟

لأنك لا تستطيع أن تطلب من البلدية أن تتحمل المسؤولية، ثم تترك الأدوات الحقيقية لأداء هذه المسؤولية في مكان آخر.

وهنا تحديدًا وجدت المقارنة مع تونس مهمة.

فتونس دولة حافظت على وحدة مؤسساتها، ولم تمر بنفس شكل الانقسام المؤسسي الذي مرت به ليبيا، ومع ذلك لم تتوقف فيها إعادة النظر في شكل الإدارة المحلية والجهوية. وحتى في السنوات الأخيرة أعيد تنظيم المجالس المحلية والجهوية ومجالس الأقاليم بموجب ترتيبات تشريعية جديدة، من بينها المرسوم عدد 10 لسنة 2023.

وهذا في رأيي يؤكد نقطة مهمة: المشكلة ليست ليبية فقط، وليست دائمًا نتيجة الانقسام.

حتى الدولة الموحدة يمكن أن تعاني تداخل الاختصاصات وبطء الإدارة وعدم وصول أثر القرار إلى المواطن، ويمكن أن تعيد بناء هياكلها أكثر من مرة بحثًا عن صيغة أكثر فاعلية.

ولهذا لا أعتقد أن السؤال يجب أن يكون: ليبيا أم تونس، أو أي التجربتين أفضل؟

الأفيد أن نسأل: ماذا يمكن أن نتعلم من التجربتين؟

تونس تقول لنا إن وحدة الدولة والمؤسسات، على أهميتها، لا تعني تلقائيًا نجاح الاقتصاد أو جودة الخدمات أو انتهاء الفوارق بين المناطق.

وليبيا تقول لنا إن امتلاك الموارد، حتى الموارد الكبيرة، لا يعني بالضرورة أن المواطن سيشعر بحجم هذه الثروة في حياته اليومية.

وهنا أتفق تمامًا مع الكاتب في وضع المواطن في قلب النقاش.

فالمواطن العادي لا تعنيه كل هذه المصطلحات بقدر ما تعنيه النتيجة.

عندما نقول إن الاقتصاد الليبي حقق نموًا قويًا مع ارتفاع الإنتاج النفطي، فالسؤال الطبيعي للمواطن سيكون: وماذا وصل إليّ من هذا النمو؟

هل تحسن المستشفى؟

هل تحسنت المدرسة؟

هل أصبحت الكهرباء والخدمات أفضل؟

هل أصبحت معاملتي في الإدارة أسرع؟

هل توفرت فرص العمل؟

وهنا تظهر مشكلة الاقتصاد الريعي بوضوح. النفط يوفر للدولة موردًا ضخمًا، لكن النفط في حد ذاته لا يبني مدرسة ولا يشغل مستشفى ولا يصلح طريقًا. بين إيراد النفط وبين المواطن توجد موازنة وإدارة وعقود ورقابة وتنفيذ ومساءلة.

وأي خلل في هذه السلسلة يعني أن الرقم الاقتصادي الكبير قد يبقى رقمًا لا يشعر به المواطن.

وفي تونس الصورة مختلفة اقتصاديًا، لأنها لا تمتلك المورد النفطي الذي تمتلكه ليبيا، وبالتالي تواجه ضغوطًا أخرى مرتبطة بالنمو والاستثمار والمالية العامة والتشغيل. لكن النتيجة في النهاية تعيدنا إلى السؤال نفسه:هل استطاعت الدولة أن تحول ما لديها من موارد ومؤسسات إلى نتيجة يلمسها الإنسان؟

ومن هنا أعجبتني فكرة الكاتب عن «الأرضية الليبية المشتركة لعمل الدولة»، لكنني أفهمها بطريقة بسيطة جدًا: لا أريد لها أن تصبح مؤسسة جديدة أو جسمًا جديدًا يضاف إلى عشرات الأجسام الموجودة.

بالنسبة لي، الأرضية المشتركة هي قواعد نتفق على أنها لا تتغير بتغير الحكومات.

أن تكون للدولة أرقام واحدة نستطيع الوثوق بها.

أن يكون لدينا سجل واضح للموظفين.

أن تكون قواعد الإنفاق والرقابة معروفة.

أن تعرف كل مؤسسة أين تبدأ مسؤوليتها وأين تنتهي.

أن تعرف البلدية اختصاصها ومواردها.

وأن يعرف المواطن، عندما تتعطل خدمة، من المسؤول عنها.

وهذه النقطة الأخيرة مهمة جدًا بالنسبة لي.

لأن تعدد المؤسسات يصبح خطرًا عندما تضيع معه المسؤولية. إذا تعطلت خدمة وذهبنا إلى جهة فقالت إنها مسؤولية جهة أخرى، وذهبت الجهة الأخرى إلى ثالثة، فالمشكلة هنا ليست أننا نحتاج إلى مؤسسة رابعة؛ المشكلة أننا لم نحدد المسؤولية بشكل واضح.

ولهذا ربما علينا، قبل التفكير في أي إعادة هيكلة جديدة، أن نسأل عن كل وظيفة من وظائف الدولة: من المسؤول عنها قانونًا؟ ما الإمكانيات الموجودة لديه؟ ومن يحاسبه إذا لم يؤدها؟

وهنا أصل مرة أخرى إلى سؤال الكاتب الأخير، وأحاول أن أجيب عنه من وجهة نظري كمواطنة ليبية قبل أي شيء آخر:

ما الذي يجب أن يبقى وطنيًا ومشتركًا مهما اشتد الخلاف؟

أعتقد أن هناك أشياء يجب ألا تدخل أصلًا في دائرة الخلاف على السلطة.

وحدة الدولة وسيادتها.

ثروتها ومالها العام.

مؤسساتها السيادية.

سياستها النقدية.

الرقابة والمحاسبة.

البيانات الأساسية للدولة.

الأمن القومي والسياسة الخارجية.

وفوق كل ذلك، حقوق المواطن الأساسية.

فالطفل الليبي يجب أن يحصل على حقه في التعليم سواء كان في طرابلس أو بنغازي أو سبها أو أي مدينة وقرية ليبية.

والمريض لا ينبغي أن يدفع ثمن خلاف سياسي لا علاقة له به.

والموظف يجب أن يحكمه القانون، لا تغير موازين القوى.

والثروة الليبية يجب أن تبقى ثروة لكل الليبيين.

أما البلديات، فأنا مع أن تكون أقوى وأكثر قدرة على خدمة المواطن، لأن البلدية هي الأقرب إلى تفاصيل حياته. لكن تقوية الإدارة المحلية لا تعني تقسيم الدولة. اللامركزية في مفهومها الصحيح توزيع للاختصاص والمسؤولية، وليست توزيعًا للسيادة.

ويبقى الجزء الأصعب من سؤال الكاتب: كيف نجعل هذا المشترك أقوى من دوافع الانقسام؟

في رأيي، لا يكون ذلك بمجرد أن نطلب من الجميع الاتفاق.

السياسة بطبيعتها فيها اختلاف، وقد يكون الاختلاف شديدًا.

لكن قوة الدولة تظهر عندما توجد قواعد تستمر حتى في وقت الاختلاف.

بمعنى آخر: يجب ألا نعتمد فقط على الثقة في الأشخاص، بل على الثقة في القانون والمؤسسة.

لا يهم من يدير المؤسسة بقدر ما يهم أن تكون هناك قواعد تمنعه من تحويلها إلى ملكية خاصة أو أداة سياسية.

ولا يهم فقط أن نتفق اليوم، بل أن نبني شيئًا يستطيع الاستمرار غدًا حتى عندما يأتي أشخاص آخرون لا يتفقون معنا.

ومن هنا أرى أن ليبيا فعلًا لا تبدأ من الصفر، وهذه من النقاط التي أتفق فيها كثيرًا مع الكاتب.

لدينا مؤسسات بقيت تعمل رغم كل الظروف. لدينا خبرات وطنية وكفاءات وموظفون حافظوا على استمرار الدولة في سنوات صعبة جدًا. ولدينا قوانين وتجارب نجح بعضها وتعثر بعضها الآخر.

فلماذا نبدأ من الصفر؟

الأجدى في رأيي أن نعرف أولًا ما لدينا، ونحافظ على ما نجح، ونصلح ما تعطل، ونوحد ما يجب توحيده، وننقل إلى البلديات ما تستطيع إدارته بصورة أفضل، ونترك للمؤسسات الوطنية والسيادية ما لا يجوز أن يخضع للتجزئة.

وفي النهاية أعود إلى المواطن، كما عاد إليه الكاتب.

بالنسبة لي، الدولة الناجحة ليست التي تملك أجمل هيكل تنظيمي، ولا التي تنشئ أكبر عدد من المؤسسات، ولا حتى التي تمتلك أكبر الموارد.

الدولة الناجحة هي التي يشعر بها المواطن عندما يحتاج إليها.

وعليه، فإن إجابتي عن السؤال الذي طرحه الكاتب هي أن ما يجب أن يبقى وطنيًا ومشتركًا هو كل ما يجعل ليبيا دولة واحدة حتى عندما نختلف على من يدير السلطة فيها.

وكيف نجعله أقوى من الانقسام؟

بأن نجعله محميًا بالقانون، واضح الاختصاص، شفافًا في موارده، خاضعًا للمحاسبة، وأصعب على أي طرف أن يحتكره أو يعطله.

وربما هنا تلتقي التجربتان الليبية والتونسية في درس مهم: وحدة المؤسسات وحدها لا تكفي، ووفرة الموارد وحدها لا تكفي أيضًا.

ما يصنع الفرق هو قدرة الدولة على تحويل القانون والمؤسسة والمال إلى حياة أفضل للناس.

فنحن لا نحتاج في كل مرة إلى دولة جديدة، بقدر ما نحتاج إلى دولة تستفيد من ذاكرتها، وتحمي مؤسساتها، وتتعلم من أخطائها، وتعرف بوضوح ما الذي يمكن أن نختلف عليه، وما الذي يجب أن يبقى فوق الخلاف.

ولعل هذا هو المشترك الوطني الذي نحتاج إلى حمايته قبل أن نتحدث عن أي هندسة جديدة للدولة

The post قراءة في مقال هندسة الدولة في ليبيا appeared first on عين ليبيا | آخر أخبار ليبيا.