منذ الإعلان عن مخرجات الحوار المهيكل انصبت غالبية النقاشات على المقترحات المتعلقة بالسلطة التنفيذية والقاعدة الدستورية والمسار الانتخابي، باعتبارها أكثر الملفات التصاقاً بالأزمة السياسية الراهنة. غير أن القراءة المتأنية للوثائق الملحقة بالتقرير الختامي تكشف أن إحدى أكثر الوثائق أهمية وتأثيراً قد لا تكون تلك المتعلقة بشكل السلطة أو مدة المرحلة الانتقالية، وإنما ما ورد في الملحق الأول المعنون بـ«ميثاق الضمانات الوطني الملزم لضمان تنفيذ القاعدة الدستورية المؤقتة والمسار الانتخابي».
فالوثيقة لا تنطلق من فرضية وجود أزمة دستورية أو سياسية فحسب، وإنما من تشخيص مختلف مفاده أن المشكلة الحقيقية في ليبيا لم تعد تتمثل في غياب المبادرات أو نقص الحلول، بل في غياب الضمانات القادرة على تحويل ما يتم الاتفاق عليه إلى التزامات نافذة. ومن هذا المنطلق يؤكد الميثاق أن مهمته ليست مجرد تقديم مبادئ توجيهية أو إعلان نوايا، وإنما إنشاء منظومة تضمن التنفيذ وتمنع التعطيل، بل ويصف نفسه بأنه ليس «إعلان نوايا»، وإنما «عقد التزام دستوري ملزم» ترتبط به آليات متابعة ومساءلة.
ولا يقف الأمر عند منح الميثاق صفة الإلزام، بل يتجاوز ذلك إلى تحديد موقعه داخل العملية السياسية ذاتها. فالوثيقة لا تقدم نفسها باعتبارها ملحقاً مكملاً للمسار السياسي أو أداة مساعدة له، وإنما تنص على أنها «جزء أصيل وغير قابل للتجزئة من الإطار السياسي» و«شرط لازم لاعتماد وتنفيذ القاعدة الدستورية المؤقتة». وهنا يثور تساؤل آخر لا يقل أهمية عن سابقيه: هل ما زال الميثاق مجرد وثيقة لضمان تنفيذ المسار السياسي، أم أنه أصبح جزءاً من الأساس الذي يقوم عليه هذا المسار ذاته؟ فالفارق بين الأمرين جوهري، لأن الضمانات تكون عادة تابعة للمسار، بينما يبدو من بعض نصوص الميثاق أن المسار نفسه أصبح مشروطاً بالميثاق وبالالتزام بأحكامه.
وحتى هذه النقطة قد يبدو الأمر منطقياً ومبرراً في ضوء التجارب الليبية السابقة التي تعثرت فيها العديد من الاتفاقات السياسية. غير أن التساؤل الذي يفرض نفسه عند التقدم في قراءة نصوص الميثاق هو ما إذا كانت الوثيقة قد اكتفت بوضع ضمانات لتنفيذ المسار السياسي، أم أنها تجاوزت ذلك إلى اقتراح بنية مؤسسية جديدة تتولى إدارة جزء مهم من المرحلة الانتقالية.
فاللافت أن الميثاق لا يقتصر على تقرير مبادئ عامة أو التزامات سياسية، بل يتضمن إنشاء آليات جديدة للمتابعة والرقابة والتقييم والحسم. وهنا تحديداً تبدأ الإشكالية التي تستحق النقاش.
ففي الوقت الذي تمتلك فيه الدولة الليبية منظومة رقابية قائمة تشمل ديوان المحاسبة وهيئة الرقابة الإدارية والنيابة العامة وغيرها من المؤسسات المختصة بحماية المال العام، يقترح الميثاق إنشاء «آلية رقابة مالية مستقلة» تتولى متابعة الإنفاق العام وتوزيع الموارد والامتثال لمعايير الإفصاح، وترفع تقارير دورية إلى «آلية المتابعة الوطنية – الدولية».
وهنا لا يثور التساؤل حول أهمية الرقابة على المال العام، فذلك أمر لا خلاف عليه، وإنما حول طبيعة هذه الآلية الجديدة وموقعها من المؤسسات الوطنية القائمة. فهل المقصود دعم الأجهزة الرقابية الليبية وتعزيز قدراتها؟ أم إنشاء إطار موازٍ يتولى بعض الاختصاصات التي تمارسها تلك المؤسسات أصلاً؟ وأين تبدأ حدود هذا الدور وأين تنتهي؟ فالنص يتحدث عن متابعة الإنفاق العام وتوزيع الموارد ورفع التقارير الدورية، وهي اختصاصات تتصل مباشرة بإدارة المال العام وبوظائف تمارسها مؤسسات قائمة في الدولة منذ سنوات.
غير أن الإشكال لا يتعلق بمجرد إنشاء آلية جديدة للرقابة المالية، بل بالمنطق الذي يحكم الوثيقة بأكملها. فالقاعدة العامة في بناء الدول الحديثة تقوم على إصلاح المؤسسات القائمة وتعزيز فاعليتها وتمكينها من أداء وظائفها، لا على إنشاء هياكل موازية تتولى ممارسة الوظائف ذاتها. وعندما تكون الدولة الليبية تمتلك بالفعل ديوان محاسبة وهيئة رقابة إدارية وسلطة قضائية وأجهزة تحقيق ومتابعة، فإن السؤال لا يعود متعلقاً بمدى الحاجة إلى الرقابة، بل بمدى الحاجة إلى إنشاء جسم جديد يتولى جزءاً من هذه الوظائف.
وتزداد أهمية هذا التساؤل إذا افترضنا وجود تعارض بين ما تنتهي إليه الآلية المقترحة وما تنتهي إليه المؤسسات الوطنية القائمة. فإذا اعتبرت الآلية المستحدثة أن إنفاقاً معيناً يمثل خرقاً للميثاق بينما لم تر الأجهزة الوطنية المختصة ذلك، فأي الرأيين تكون له الغلبة؟ وإذا اختلفت التقارير الوطنية مع التقارير المرفوعة إلى آلية المتابعة الوطنية – الدولية، فمن الجهة التي تملك الحسم؟ إن النص لا يقدم إجابة واضحة عن هذه الفرضيات، رغم أنها ليست فرضيات نظرية، بل احتمالات عملية يمكن أن تفرض نفسها بمجرد بدء التطبيق.
ومن هنا فإن الإشكال لا يكمن في الرقابة ذاتها، وإنما في احتمال نشوء مرجعية رقابية جديدة موازية للمرجعيات الوطنية القائمة، بما قد يؤدي إلى ازدواجية في الاختصاصات وتضارب في التقديرات والقرارات.
وتزداد أهمية هذا السؤال عندما نلاحظ أن الميثاق لا يكتفي بالرقابة المالية، بل يقترح كذلك إنشاء غرفة دستورية وانتخابية مؤقتة تتولى الفصل العاجل في المنازعات المتعلقة بالقاعدة الدستورية والقوانين الانتخابية والطعون المرتبطة بها. فإذا كانت الدولة تمتلك سلطة قضائية قائمة وهيكلاً قضائياً معروفاً، فإن إنشاء جسم جديد للفصل في المنازعات الدستورية والانتخابية يثير بدوره تساؤلات حول طبيعة العلاقة بين هذه الآلية المقترحة والمؤسسات القضائية القائمة، وما إذا كانت تمثل امتداداً لها أم إطاراً استثنائياً موازياً لها.
غير أن أكثر ما يلفت الانتباه في الميثاق لا يتعلق بآليات الرقابة أو الغرف القضائية المقترحة، وإنما باللغة التي استُخدمت في تعريف وظيفة الميثاق ومكانته داخل العملية السياسية. فالوثيقة لا تصف نفسها بوصفها مجرد إطار مساعد أو وثيقة استرشادية، بل تنص صراحة على أنها «عقد التزام دستوري ملزم»، كما أنها «تربط استمرار الشرعية السياسية والمؤسسية بالامتثال العملي لأحكامه».
ولعل أكثر النصوص إثارة للتأمل في هذا السياق ما ورد فيه حرفياً من أنه «يربط استمرار الشرعية السياسية والمؤسسية بالامتثال العملي لأحكامه». وهذه العبارة، رغم قصرها، تمثل أحد أكثر نصوص الوثيقة حساسية من الناحية الدستورية، لأنها تنقل النقاش من مجرد ضمان تنفيذ الاتفاقات إلى التساؤل حول العلاقة بين الشرعية السياسية والالتزام بميثاق مستحدث، وحول الجهة التي تملك سلطة تقدير هذا الالتزام وآثاره.
ففي النظم الدستورية التقليدية تُستمد الشرعية من الدستور والقانون والإرادة الشعبية والمؤسسات المختصة، بينما يبدو أن الميثاق يضيف عنصراً جديداً يتمثل في الامتثال لأحكامه باعتباره شرطاً لاستمرار الشرعية السياسية والمؤسسية. والسؤال هنا ليس حول أهمية الالتزام أو ضرورته، وإنما حول الجهة التي تملك سلطة تقدير هذا الالتزام أو الحكم بوجود مخالفة له.
وهنا تبرز مفارقة قانونية تستحق التأمل. ففي التجارب الدستورية المعروفة تستمد المؤسسات شرعيتها من الدستور والقانون والانتخابات والاختصاصات المقررة لها. أما في هذا الميثاق فيبدو أن الشرعية لا تستمد فقط من هذه المصادر، بل تصبح مرتبطة أيضاً بمدى الامتثال لوثيقة سياسية مستحدثة. وهذا تطور بالغ الأهمية، لأنه ينقل النقاش من مسألة تنفيذ الاتفاقات إلى مسألة تحديد من يملك حق الحكم على استمرار الشرعية أو انتفائها.
وإذا كانت الوثيقة قد أجابت عن سؤال «ما الذي يجب الالتزام به؟»، فإنها لم تجب بالوضوح ذاته عن سؤال أكثر أهمية: من الذي يملك تقرير وقوع المخالفة؟ ومن الذي يملك توقيع آثارها؟ ومن الذي يراجع هذا التقدير إذا كان محل نزاع؟
وتزداد أهمية هذا التساؤل عندما ينص الميثاق على أن أي استخدام للصفة المؤسسية أو الشرعية السياسية بهدف تعطيل المسار المتفق عليه يعد سبباً لإعادة تقييم موقع الطرف المخالف داخل العملية الانتقالية. وهنا يثور عدد من الأسئلة التي لا يقدم النص إجابات واضحة عنها: ما المقصود بإعادة التقييم؟ ومن يملك سلطة القيام بها؟ وما طبيعتها القانونية؟ وهل يترتب عليها استبعاد سياسي أو فقدان للاعتراف أو اتخاذ تدابير أخرى؟ فالنص يقرر أثراً سياسياً مهماً، لكنه لا يحدد بصورة دقيقة الجهة المختصة بإنزاله أو الحدود القانونية التي تحكمه.
وإذا كان النقاش السابق يتعلق بحدود العلاقة بين الميثاق والمؤسسات الوطنية، فإن القراءة المتأنية لبعض نصوصه تفتح باباً آخر للنقاش يتعلق بطبيعة الدور الدولي المقترح خلال المرحلة الانتقالية.
فالميثاق لا يكتفي بإنشاء آلية رقابة مالية مستقلة، وإنما ينص أيضاً على أن هذه الآلية تعمل «بدعم فني دولي»، وأنها ترفع تقاريرها بصورة دورية إلى «آلية المتابعة الوطنية – الدولية». ومن حيث المبدأ لا يمكن إنكار أن المجتمع الدولي كان حاضراً في مختلف المسارات السياسية الليبية خلال السنوات الماضية، كما أن الاستعانة بالخبرات الفنية الدولية ليست أمراً غير مألوف في تجارب الانتقال السياسي. غير أن المسألة التي تستحق التوقف عندها هنا ليست وجود دعم دولي أو خبرة دولية، وإنما طبيعة الدور الذي تتولاه الآليات المستحدثة وحدود اختصاصها.
فالرقابة على الإنفاق العام وإدارة الموارد ليست مسألة فنية بحتة، بل هي من صميم الاختصاصات التي تمارسها مؤسسات الدولة السيادية والرقابية. وعندما ينص الميثاق على إنشاء آلية جديدة تتولى متابعة هذه الملفات وترفع تقاريرها ضمن إطار وطني – دولي، فإن السؤال لا يعود متعلقاً بالدعم الفني وحده، بل بطبيعة السلطة التي ستنتج عن هذه المتابعة وآثارها السياسية والقانونية.
ويزداد هذا التساؤل أهمية إذا ما قرأنا هذه الأحكام إلى جانب نصوص أخرى وردت في الميثاق تتحدث عن المتابعة والتقييم والإحالة والتدابير التصاعدية في مواجهة حالات التعطيل. فكلما اتسعت دائرة المتابعة والتقييم، وكلما ارتبطت هذه العملية بتحديد مدى الالتزام بالمسار السياسي أو بالميثاق نفسه، برز التساؤل حول الجهة التي تملك في النهاية سلطة التقدير والحكم على الوقائع.
وعند جمع هذه العناصر مجتمعة تتضح الصورة بصورة أكثر اكتمالاً. فالميثاق لا يقتصر على إنشاء آلية رقابة مالية مستقلة، ولا على اقتراح غرفة دستورية وانتخابية خاصة، ولا على إنشاء آلية متابعة وطنية – دولية، ولا على ربط الشرعية السياسية والمؤسسية بالامتثال لأحكامه فحسب، وإنما يجمع كل ذلك داخل منظومة واحدة تتولى الرقابة والمتابعة والتقييم والحسم خلال المرحلة الانتقالية. ومن هنا تحديداً يبرز السؤال الذي يفرض نفسه على القارئ: هل نحن أمام مجموعة ضمانات متفرقة لحماية العملية السياسية، أم أمام بنية مؤسسية متكاملة تتولى إدارة جزء مهم من المرحلة الانتقالية والإشراف عليها؟
وربما يقودنا ذلك إلى السؤال الأكثر حساسية في الميثاق كله: من يراقب المراقب؟
فالوثيقة تنشئ آليات للمتابعة، وآليات للرقابة، وآليات للتقييم، وآليات للإحالة، وتربط الشرعية السياسية بالامتثال لنتائج هذه العملية. غير أن القارئ لا يجد في المقابل تنظيماً واضحاً للرقابة على هذه الآليات نفسها، أو حدود سلطاتها، أو الجهة التي تراجع قراراتها عند الاختلاف بشأنها.
وهنا تكمن إحدى الإشكاليات الجوهرية في أي نظام للضمانات. فكلما اتسعت صلاحيات أجهزة المتابعة والرقابة، ازدادت الحاجة إلى قواعد واضحة تحدد مسؤوليتها وحدود اختصاصها وآليات الطعن في قراراتها. وإلا فإن الضمانات التي أُنشئت لمنع التعطيل قد تتحول هي نفسها إلى مصدر جديد للنزاع حول الاختصاص والشرعية.
إن الإشكال الحقيقي الذي يثيره ميثاق الضمانات الوطني الملزم لا يكمن في أهدافه، فمعظم أهدافه تحظى بقدر واسع من التأييد، وإنما في طبيعة البناء المؤسسي الذي يقترحه لتحقيق تلك الأهداف. فكلما تقدم القارئ في نصوص الوثيقة يلاحظ أنها لا تكتفي بوضع ضمانات لتنفيذ المسار السياسي، بل تتجه تدريجياً إلى إنشاء منظومة متكاملة للرقابة والمتابعة والتقييم والحسم.
ومن هنا فإن السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه لا يتعلق بجدوى الضمانات، بل بحدودها. فالدول لا تُبنى عادة عبر إنشاء منظومات موازية لمؤسساتها، وإنما عبر تمكين تلك المؤسسات وإصلاحها وتعزيز قدرتها على أداء وظائفها. ولذلك فإن النقاش الحقيقي الذي ينبغي أن يثار حول الميثاق ليس ما إذا كانت ليبيا تحتاج إلى ضمانات، بل ما إذا كانت هذه الضمانات ستبقى أدوات مساندة للمؤسسات الوطنية أم أنها قد تتحول إلى إطار فوق مؤسسي يتولى إدارة المرحلة الانتقالية والإشراف عليها وتقييم الفاعلين فيها.
فالإشكال الحقيقي لا يكمن في وجود الضمانات، بل في اللحظة التي تتحول فيها الضمانات من أدوات لحماية المؤسسات إلى بنية تتولى أداء بعض وظائفها.
وإذا كانت الوثيقة قد كُتبت لضمان تنفيذ المسار السياسي، فإن السؤال الذي سيبقى مطروحاً هو: من يدير المسار، المؤسسات القائمة أم منظومة الضمانات نفسها؟
The post قراءة في ميثاق الضمانات الوطني الملزم بالحوار المهيكل: ضمان لتنفيذ المسار السياسي أم إطار فوق مؤسسي لإدارة المرحلة الانتقالية؟ appeared first on عين ليبيا آخر أخبار ليبيا.

