Site icon bnlibya

كم «بيضة» يمكن تناولها يومياً؟

بعد سنوات من الجدل حول البيض، خصوصًا صفاره الغني بالكوليسترول، تشير مجموعة متزايدة من الدراسات إلى أن تناوله باعتدال لا يرتبط بزيادة خطر الإصابة بأمراض القلب لدى معظم الأشخاص الأصحاء، فيما أصبح التركيز العلمي أكبر على النمط الغذائي الكامل ومصادر الدهون المشبعة التي ترافق البيض في الوجبة.

ويحتوي البيض على بروتين عالي الجودة إلى جانب الكولين وحمض الفوليك وفيتامين D واليود وعدد من فيتامينات مجموعة B، وهي عناصر غذائية جعلته جزءًا مهمًا من الأنظمة الغذائية المختلفة. وتشير مراجعة علمية للأدلة المنشورة إلى أن البيض لم يعد يُنظر إليه من جانب الهيئات الصحية باعتباره عاملًا مباشرًا لارتفاع الكوليسترول أو الإصابة بأمراض القلب لدى عموم الناس.

وكان الكوليسترول الموجود في صفار البيض السبب الرئيسي وراء التحذيرات القديمة من الإفراط في تناوله، إذ تحتوي البيضة الكبيرة على نحو 186 مليغرامًا من الكوليسترول. لكن التوصيات الغذائية الأمريكية تخلت منذ عام 2015 عن وضع حد رقمي محدد للكوليسترول الغذائي، بعدما رأت أن الأدلة لم تكن كافية لتحديد سقف يومي عام ينطبق على الجميع.

وفي دراسة واسعة نُشرت في مجلة BMJ وشملت ثلاث مجموعات كبيرة من المشاركين في الولايات المتحدة، إلى جانب مراجعة منهجية وتحليل تلوي للدراسات السابقة، وجد الباحثون أن تناول ما يصل إلى بيضة واحدة يوميًا لم يرتبط بزيادة خطر الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية بصورة عامة. كما أظهرت النتائج احتمال وجود ارتباط بانخفاض الخطر لدى السكان الآسيويين، مع التأكيد على أن النتائج لا تعني أن زيادة استهلاك البيض بلا حدود تمنح فوائد إضافية.

وتوصلت مراجعة علمية أخرى إلى نتيجة متقاربة، إذ خلصت إلى أن تناول ما يصل إلى 7 بيضات أسبوعيًا يمكن أن يكون آمنًا لدى الأشخاص الأصحاء، مع ضرورة إيلاء اهتمام أكبر بالنظام الغذائي ونمط الحياة لدى الأشخاص المصابين بأمراض القلب والأوعية الدموية أو السكري من النوع الثاني.

وفي المقابل، لا تزال الأبحاث الحديثة تواصل اختبار تأثير كميات أكبر من البيض، بدل الاكتفاء بالسؤال التقليدي حول ما إذا كان البيض «جيدًا» أو «سيئًا». ففي تجربة نُشرت عام 2025، درس الباحثون تأثير تناول بيضتين يوميًا ضمن نظام غذائي منخفض الدهون المشبعة، ووجدوا أن هذا النمط خفّض مستويات كوليسترول LDL مقارنة بنظام غذائي مرتفع الدهون المشبعة يتضمن بيضة واحدة أسبوعيًا. إلا أن الباحثين أشاروا أيضًا إلى تغيرات في أحجام جزيئات LDL، ما يعني أن الصورة أكثر تعقيدًا من مجرد قياس مستوى الكوليسترول الكلي.

وتشير هذه النتائج إلى نقطة أساسية في الجدل حول البيض: المشكلة ليست بالضرورة في البيضة وحدها، وإنما في الطعام الذي يأتي معها وطبيعة النظام الغذائي بأكمله. فالبيض الذي يُتناول ضمن وجبة تحتوي على الخضروات والحبوب الكاملة والدهون غير المشبعة يختلف غذائيًا عن البيض الذي يأتي بصورة متكررة مع الزبدة واللحوم المصنعة والأطعمة الغنية بالدهون المشبعة.

وتؤكد جمعية القلب الأمريكية أن الدهون المشبعة ترفع مستويات كوليسترول LDL، المعروف بالكوليسترول «الضار»، وترتبط بزيادة خطر الإصابة بأمراض القلب، ولذلك توصي بالحد من الدهون المشبعة إلى أقل من 6% من إجمالي السعرات الحرارية اليومية.

وفي إرشاداتها المتعلقة بالبروتين، تشير جمعية القلب الأمريكية إلى أن الأشخاص الأصحاء يمكنهم تناول بيضة كاملة أو ما يعادلها يوميًا، بينما يحتاج الأشخاص الذين يعانون من اضطراب مستويات الدهون في الدم إلى مزيد من الحذر عند تحديد كمية البيض ضمن نظامهم الغذائي.

كما تتعامل أنماط غذائية صحية مع البيض باعتدال ضمن نظام غذائي متنوع، إذ تضع جمعية القلب الأمريكية البيض ضمن الأغذية التي يمكن أن تدخل في النظام الغذائي المتوسطي بكميات منخفضة إلى معتدلة، إلى جانب الخضروات والفواكه والحبوب والمكسرات والبذور وزيت الزيتون والأسماك.

وتشير الأدلة الأحدث إلى أن السؤال لم يعد ببساطة: «كم بيضة تضر القلب؟»، بل أصبح أكثر ارتباطًا بصورة الوجبة كاملة، ومستوى الدهون المشبعة في النظام الغذائي، والحالة الصحية للشخص، ومستويات الكوليسترول لديه.

وبناءً على الدراسات والمراجعات المتاحة، فإن تناول بيضة واحدة يوميًا يقع ضمن نطاق الاستهلاك المعتدل الذي لم يرتبط بارتفاع خطر أمراض القلب لدى الأشخاص الأصحاء، بينما لا يمكن تحويل هذه النتيجة إلى قاعدة واحدة تناسب كل شخص، خصوصًا من يعانون من ارتفاع الكوليسترول أو أمراض القلب أو اضطرابات الدهون في الدم.

وهكذا، يبدو أن البيض الذي ارتبط لسنوات بصورة «الغذاء الممنوع» يعود تدريجيًا إلى المائدة، لكن ليس باعتباره غذاءً يمكن الإفراط فيه بلا قيود، وإنما كجزء من نظام غذائي متوازن تكون فيه جودة الدهون ومصادر البروتين والخضروات والحبوب الكاملة ونمط الحياة عوامل أساسية في تحديد الأثر الصحي للوجبة.

The post كم «بيضة» يمكن تناولها يومياً؟ appeared first on عين ليبيا | آخر أخبار ليبيا.

Exit mobile version