قد يُفهم من هذا الطرح – للوهلة الأولى – أنه محاولة للالتفاف على حجية الأحكام القضائية، أو تقليل من آثارها، وهو فهم لا يستقيم مع طبيعة المعالجة التي تتناولها هذه المقالة.
فالأصل الذي لا خلاف عليه أن الأحكام القضائية، ولا سيما الدستورية منها، تتمتع بحجية ملزمة للكافة، ولا يجوز تعطيلها أو إنكار آثارها، باعتبارها عنوانًا للحقيقة القانونية في النظام القضائي. غير أن الإشكال الذي تطرحه هذه المقالة لا يتعلق بمشروعية الحكم أو وجوب احترامه، وإنما بكيفية إدارة آثاره حين تمتد إلى بنية مؤسسات الدولة، وهو مجال يختلف—من حيث طبيعته—عن التنفيذ التقليدي للأحكام في غيره من فروع القانون.
فالقضاء الدستوري لا يقف أثره عند حدود خصومة معينة، بل يمتد إلى النظام القانوني بأكمله، وهو ما يقتضي مقاربة مؤسسية دقيقة توازن بين حجية الحكم، واستمرارية المرفق العام، ووحدة المؤسسات. ومن ثم، فإن ما يُطرح هنا لا يمثل خروجًا عن مقتضيات الشرعية، بل سعيًا للالتزام بها على نحو يمنع أن تتحول آثار الأحكام إلى سبب في إحداث فراغ مؤسسي أو انقسام داخل السلطة القضائية ذاتها.
كما أن هذا الطرح ينطلق من خصوصية قواعد القانون الدستوري، التي تختلف في طبيعتها وآثارها عن غيرها من فروع القانون، بما يستوجب فهمًا تخصصيًا لطبيعة هذه الأحكام وكيفية إنفاذها، دون أن يعني ذلك التقليل من شأن أي تخصص قانوني أو معرفي آخر، وإنما هو اختلاف في طبيعة القواعد محل التطبيق.
انطلاقًا من ذلك، لم يعد النقاش حول أزمة القضاء في ليبيا بحاجة إلى مزيد من توصيف أسبابها أو تحليل تجلياتها، بقدر ما أصبح يتطلب الانتقال إلى سؤال أكثر إلحاحًا: ما هو المسار الإجرائي الممكن لإعادة توحيد السلطة القضائية دون خلق أزمات موازية؟
إن الإجابة عن هذا السؤال تقتضي تجاوز الطرح النظري، والانتقال إلى بناء تصور عملي يستند إلى القواعد القانونية القائمة، ويهدف إلى استعادة الحد الأدنى من التماسك المؤسسي، تمهيدًا لإعادة البناء الكامل.
غير أن أي مسار من هذا القبيل لا يمكن أن يقوم على مجرد التقدير أو الحلول الظرفية، بل يجب أن يستند إلى الإطار التشريعي المنظم للسلطة القضائية، والمتمثل في القانون رقم (6) لسنة 2006 بشأن نظام القضاء، الذي قرر فلسفة واضحة قوامها استقلال القضاء في إدارة شؤونه، وإسناد هذا الاختصاص إلى المجلس الأعلى للقضاء.
يقوم نظام القضاء الليبي على قاعدة جوهرية مفادها أن تنظيم شؤون السلطة القضائية، بما في ذلك تعديل القوانين المنظمة لها، لا يتم ابتداءً من السلطة التشريعية بمعزل عن القضاء، بل من داخل المؤسسة القضائية ذاتها، عبر المجلس الأعلى للقضاء، بوصفه الجهة المختصة بإدارة شؤون القضاء وضبط مساره الوظيفي وإعداد مشروعات القوانين المتعلقة به وإحالتها إلى السلطة التشريعية لإصدارها.
وهذا الترتيب لا يمثل مجرد تنظيم إجرائي، بل يعكس تطبيقًا دقيقًا لمبدأ الفصل بين السلطات، حيث يحتفظ القضاء بحق المبادرة في تنظيم ذاته، بينما يقتصر دور السلطة التشريعية، في هذا النطاق، على الإقرار والإصدار وفق ما يقتضيه المسار الدستوري والتشريعي. ومن ثم، فإن أي تدخل في تنظيم القضاء خارج هذا الإطار يُعد تجاوزًا لفلسفة الاختصاص، ويفقد الإجراءات الناتجة عنه أساسها المؤسسي السليم.
في ضوء ذلك، فإن نقطة الانطلاق القانونية لأي معالجة تكمن في إعادة تفعيل دور المجلس الأعلى للقضاء، لا تجاوزه ولا استبداله. غير أن حالة الانقسام الحالية تطرح إشكالية عملية تتعلق بآلية انعقاد المجلس ذاته، وهو ما يستدعي البحث عن مدخل إجرائي يسمح باستعادة الحد الأدنى من شرعيته ووظيفته.
وهنا يبرز دور النائب العام، لا بوصفه سلطة بديلة عن رئاسة المجلس، بل باعتباره نائبًا لرئيس المجلس الأعلى للقضاء وموقعًا مؤسسيًا غير محل نزاع جوهري، يمكن البناء عليه للدعوة إلى اجتماع يهدف إلى إعادة تشغيل المؤسسة في حدود القانون، خاصة في حالة تعذر انعقاد المجلس بسبب الجدل القائم حول الرئاسة أو بعض عضوياته.
ولا يمكن معالجة حالة الفراغ أو الجدل داخل السلطة القضائية دون الاستناد إلى مبدأ منضبط ومحايد، وهنا يبرز مبدأ الأقدمية. فالأقدمية في النظام القضائي الليبي ليست مجرد فكرة تنظيمية أو حل إداري ظرفي، بل قاعدة مستخلصة من بنية قانون نظام القضاء ذاته، الذي يقوم على التدرج الوظيفي، والترقيات، وتولي الوظائف العليا من داخل هذا التدرج.
وقد استقر العمل القضائي على اعتماد الأقدمية في تشكيل الهيئات القضائية، وترتيب الجلسات والمداولة، وتوزيع الاختصاصات، وتولي الوظائف القيادية. وفي هذا السياق، يشير المستشار بالمحكمة العليا د. المبروك الفاخري إلى أن الأقدمية تمثل نظامًا متكاملًا يحكم العمل القضائي، ويجمع بين الخبرة والكفاءة، ويعد ضمانة من ضمانات استقلال القضاء ومنع التدخل الخارجي.
وبذلك، فإن اعتماد الأقدمية في هذه المرحلة لا يُعد مجرد خيار إداري، بل أقرب الحلول اتساقًا مع بنية قانون نظام القضاء، والأقل عرضة للطعن من حيث المشروعية، لأنه يستند إلى معيار موضوعي سابق على النزاع، لا إلى إرادة سياسية أو اصطفاف مؤسسي لاحق عليه.
ومن الناحية العملية، يمكن تفعيل مبدأ الأقدمية من خلال مسار واضح يبدأ بحصر المواقع القضائية محل النزاع أو الشغور، ثم الرجوع إلى السجلات الرسمية المعتمدة داخل الجهات القضائية المختصة لتحديد الأقدم، سواء داخل المحاكم أو النيابات أو الهيئات القضائية ذات الصلة، على أن يتم توثيق ذلك بمحاضر رسمية صادرة عن الجمعيات العمومية أو الجهات الإدارية القضائية المختصة، بما يمنع أي تأويل فردي أو قرار منفرد.
وفي ظل تعذر الحسم في بعض المواقع القيادية محل الجدل، لا يكون الحل في تجاهل الإشكال، ولا في فرض تعيينات جديدة، بل في اللجوء إلى هذه الآلية المحايدة القادرة على تقليص النزاع. فيُسند الاختصاص مؤقتًا إلى الأقدم في المواقع محل الخلاف، وتُملأ الفراغات وفق التدرج القضائي، ويُعاد تشكيل المجلس الأعلى للقضاء بصورة مؤقتة هدفها إدارة المرحلة لا تثبيت وضع دائم.
وقبل الحديث عن إصلاح شامل، يجب أولًا استعادة الحد الأدنى من وظائف المجلس الأعلى للقضاء، وعلى رأسها إدارة شؤون القضاة، وضبط التشكيلات القضائية، وتوحيد القرار الإداري داخل السلطة القضائية. فالمؤسسة لا تُصلح وهي متوقفة، بل تُصلح وهي تعمل، واستعادة الوظيفة تمثل المدخل الطبيعي لاستعادة الشكل لاحقًا.
ويبقى التحدي الأهم هو التعامل مع آثار الأحكام القضائية، خاصة الدستورية، بما يحقق التوازن بين حجية الأحكام باعتبارها ملزمة، واستمرارية المرفق القضائي باعتبارها ضرورة عملية. ومن ثم، فإن المعالجة لا تكون بتعطيل الأحكام، ولا بتطبيقها بصورة تؤدي إلى تعميق الانقسام، بل بترتيب آثارها في إطار مؤسسي تدريجي يضمن الاستقرار دون المساس بالشرعية.
وفي هذا الإطار، لا تُطرح المبادرة العلمية التي أطلقتها مدرسة العلوم القانونية كبديل عن المؤسسات، بل كخطة عمل مساعدة تستند إلى القواعد التي قررها القانون ذاته. فهي تقوم على تحديد نقطة انطلاق قانونية واضحة، وتفعيل مبدأ الأقدمية كآلية مؤقتة، وإعادة تشغيل المجلس الأعلى للقضاء، ثم الانتقال إلى إعداد مشروع قانون موحد.
وهذه المبادرة تمثل جسرًا بين الواقع القائم والوضع المنشود، لأنها لا تنطلق من منطق فرض حل خارجي على القضاء، بل من محاولة إعادة تفعيل أدوات القضاء نفسه، بما يحفظ وحدة المرجعية القضائية ويمنع تحول الخلاف إلى انقسام دائم.
بعد استعادة الحد الأدنى من الاستقرار، يمكن الانتقال إلى المرحلة التالية، وهي إعداد مشروع قانون موحد لنظام القضاء، يعالج الثغرات التي كشفتها الأزمة، ويعيد ضبط العلاقة بين مكونات السلطة القضائية، ويعزز استقلال المحكمة العليا والنيابة العامة وسائر الهيئات القضائية.
وهنا يعود المجلس الأعلى للقضاء للقيام بدوره الأصيل في إعداد هذا المشروع وإحالته للسلطة التشريعية لإصداره، في إطار يحفظ مبدأ الفصل بين السلطات، ويمنع تكرار التدخلات التي أنتجت الأزمة من الأساس.
إن استعادة وحدة القضاء في ليبيا لا تحتاج إلى حلول استثنائية بقدر ما تتطلب العودة إلى القواعد التي وضعها قانون نظام القضاء، وتفعيلها في مواجهة الأزمة. فالمشكلة لم تكن في غياب النص، بل في تجاوزه؛ والحل، بطبيعته، يبدأ من إعادة الاعتبار لهذا النص.
وعند هذه النقطة، لا يعود السؤال: ما هو الحل المثالي؟
بل يصبح السؤال الأهم:
هل نلتزم بالقانون كما هو… أم نستمر في تجاوزه ثم نبحث عن مخرج؟
The post كيف تُستعاد وحدة القضاء في ليبيا؟ قراءة في المسار الممكن appeared first on عين ليبيا آخر أخبار ليبيا.

