تواجه ليبيا اليوم تحديًا مزدوجًا لا يقل أحدهما خطورة عن الآخر: انهيار الدولة وانقسام مؤسساتها من جهة، وأزمة وجود حقيقية يعيشها الإنسان الليبي من جهة أخرى. مواطن فقد الأمان، وتآكلت ثقته في الدولة، وتراجعت فرصه في العيش الكريم. لذلك، فإن أي حديث عن بناء دولة لا يمكن أن يكون جادًا ما لم يبدأ بالاعتراف بأن جوهر الأزمة ليس خارجيًا فقط، بل داخلي بامتياز، وأن الليبيين أنفسهم ساهموا، عبر عقود من الإهمال والانقسام والتبرير الذاتي، في صناعة الفراغات التي نعيشها اليوم.
في كل مرة تتعثر فيها الحلول السياسية، أو ينسد الأفق، أو يشتد الحنين إلى “الدولة”، يطفو على السطح الحديث عن أشخاص وأسماء، وكأن الأزمة تختزل في غياب فرد لا في غياب مشروع. غير أن التعويل على الرموز، دون عقل وحكمة وقيادة وطنية جامعة، لم يكن يومًا مدخلًا لبناء الدول.
في هذا السياق، أعادت جريمة اغتيال سيف الإسلام إلى الواجهة كثيرًا من الأسئلة، وأثارت استغراب واستهجان شريحة واسعة من الليبيين، ليس من باب الشخصنة، بل لما حمله الرجل في مرحلة ما من مشروع “ليبيا الغد”، الذي حاول تقديم إصلاحات سياسية واقتصادية داخل النظام القائم آنذاك، وحظي بترحيب داخلي وخارجي، وانخرط فيه معارضون عادوا وتصالحوا مع الدولة. تلك المرحلة تعكس، بوضوح، حجم الفرص الوطنية التي أُهدرت، لا بسبب غياب الأفكار، بل بسبب غياب الإرادة والعقل والحكمة في إدارتها.
المفارقة أن المشهد الليبي اليوم لا يعاني فراغًا في الفاعلين، بل العكس تمامًا؛ حكومات متنازعة، مجالس منقسمة، قوى محلية متصارعة، وتدخلات دولية تبحث عن شركاء فاعلين على الأرض، لا عن رموز صامتة. التركيز على الأسماء وحدها لا يبني دولة، ولا يداوي الجرح الاجتماعي والإنساني العميق الذي تعيشه البلاد.
الماضي: بين التأسيس والانكسار
عهد المملكة، رغم صعوبته السياسية والاقتصادية والاجتماعية، شكّل مرحلة تأسيس حقيقية لدولة حديثة، أُتيحت فيها للمواطن فرصة المشاركة في مجتمع كان يتشكل تدريجيًا. هذه التجربة، مهما اختلفت حولها الآراء، تستحق أن تُفهم وتُدرّس، لا أن تُشيطن، لأنها تعبّر عن جهد الآباء وبدايات بناء الدولة. تجاهل هذه المرحلة أو القفز عليها لا ينتج وعيًا، بل يعيد إنتاج أخطاء الماضي بأدوات جديدة.
أما عهد سبتمبر، الذي امتد لأربعة عقود، فقد كان تجربة عاشها الجميع وساهموا فيها، سواء بالقبول أو الرفض. ورغم الإمكانيات الاقتصادية التي كانت متاحة، لم تتحقق التنمية المأمولة بالشكل الذي يليق بالبلاد. الاعتراف بإيجابيات هذه المرحلة وسلبياتها، وتحمل الجميع لمسؤوليتهم عنها، يبقى شرطًا أساسيًا لفهم ما جرى، بدل الإنكار أو إعادة تدوير الخطاب نفسه.
فبراير: مشروع بلا قيادة
ثورة فبراير لم تنجح في التحول إلى مشروع سياسي متكامل. انقسمت القيادات، وتقدمت إلى المشهد أطراف لم تكن جزءًا من الثورة، وسيطرت على القرارين السياسي والعسكري، بينما غاب الثوار الحقيقيون عن المشهد. فشل التجربة الانتخابية الأولى، وتدخل القوى الإقليمية، وانتشار الفساد المالي والإداري، كلها مؤشرات على غياب قيادة وطنية قادرة على حماية المشروع وضمان استقرار الدولة.
التشبث بالماضي، سواء بشعارات فبراير أو سبتمبر، لم يُنتج دولة، بل عمّق الانقسام، وأضعف الثقة، وترك المواطن أعزل في مواجهة الفوضى.
مسؤوليتنا قبل اتهام الآخرين
كثيرون يتذرعون بما جرى منذ 2011، لا من أجل الإصلاح، بل للاصطياد السياسي وتصفية الحسابات. السؤال الحقيقي الذي يجب أن نواجه به أنفسنا هو: ما الذي قدمناه فعليًا لحل الأزمة؟ الواقع يعكس عجزًا في إدارة المؤسسات، وضعفًا في التفكير العقلاني، وغياب الحكمة، وهو ما جعل التدخل الخارجي أسهل، والسيادة الوطنية أكثر هشاشة.
الأمن والسيادة: شرط الدولة
لا يمكن الحديث عن دولة في ظل حدود منتهكة، ومدن تحولت إلى ساحات مفتوحة لتنظيمات عابرة للحدود، هجّرت المواطنين، وسيطرت على مقدرات البلاد، وهددت الثروات النفطية، خاصة في الجنوب. السؤال الذي يفرض نفسه: لمصلحة من عدم الاعتراف بالدور التاريخي والإنجاز الكبير للمؤسسة العسكرية التي لا بديل عنها؟.
رغم كل التعقيدات والانقسامات، استطاعت المؤسسة العسكرية حماية مساحات واسعة من البلاد، ومنع سقوطها الكامل في قبضة جماعات مسلحة وأجندات خارجية، وهو واقع اعترفت به دول عديدة. فالأمن لا يُقاس بالشعارات، بل بالقدرة على حماية الأرض والناس.
ضرب المؤسسة العسكرية، دون رؤية وطنية بديلة، لا يخدم بناء الدولة، بل يفتح الباب للفوضى، ويجعل السيادة مجرد خطاب فارغ.
أزمة الإنسان: الغاية المنسية
في خضم هذا الصراع، يبقى الإنسان الليبي هو الخاسر الأكبر. غياب الأمن، تردي الخدمات، البطالة، وانتهاك الحقوق، جعلت المواطن يعيش أزمة مستمرة. أي مشروع وطني لا يضع الإنسان في قلبه، ولا يستعيد كرامته وحقوقه، محكوم عليه بالفشل.
خلاصة القول
ليبيا اليوم بحاجة إلى مراجعة وطنية شجاعة، تتجاوز الأشخاص والرموز، وتعترف بالأخطاء دون مواربة. مراجعة تعيد الاعتبار للعقل والحكمة، وتضع الإنسان الليبي في صدارة الأولويات، وتؤسس لمشروع وطني حقيقي، يقوم على الأمن، والمساءلة، وبناء مؤسسات قوية. دون ذلك، سنظل ندور في الحلقة ذاتها، بينما يدفع الوطن والمواطن ثمن غياب الدولة.
The post ليبيا بين الفراغ والفوضى.. الإنسان غائب والدولة غائبة appeared first on عين ليبيا آخر أخبار ليبيا.

