Site icon bnlibya

ليبيا.. مسيرة الحوارات إلى أين؟

في بلد أنهكته الانقسامات، بات الحوار يُطرح كخيار وحيد للخروج من الأزمة، وكبديل عن الصراع الذي استنزف الدولة والمجتمع. غير أن السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه اليوم: هل المشكلة في غياب الحوار، أم في غياب شروطه الحقيقية؟

الحوار في جوهره ليس مجرد لقاءات أو مؤتمرات، بل هو عملية تقوم على الاعتراف المتبادل، وقبول الاختلاف، والإرادة الصادقة للوصول إلى حلول. وهو ما يفتقده المشهد الليبي، حيث تحوّل الحوار في كثير من الأحيان إلى أداة لإدارة الأزمة لا لحلها.

فنجاح أي حوار يتطلب جملة من الأسس، في مقدمتها الثقة بين الأطراف، والتمثيل الحقيقي لإرادة الشعب، والشفافية في اختيار المشاركين، إضافة إلى وجود مرجعية قانونية واضحة، وضمانات لتنفيذ مخرجاته. أما حين تُدار الحوارات بمنطق المحاصصة والمجاملات، فإنها تفقد معناها، وتتحول إلى مجرد واجهة سياسية بلا أثر.

ولعل الإشكالية الأعمق في الحالة الليبية تعود إلى طبيعة التكوين الاجتماعي والسياسي. فالمجتمع الليبي، الذي لم يتعود تاريخيًا على إدارة خلافاته عبر الحوار المؤسسي، وجد نفسه بعد 2011 أمام واقع جديد لم تواكبه بنية ثقافية أو سياسية قادرة على استيعابه. وزاد من تعقيد الأمر إرث عقود طويلة من الحكم الأحادي، الذي ألغى الرأي الآخر، ورسخ ثقافة الخوف، وقيد حرية التعبير.

ومع سقوط هذا النظام، رُفعت شعارات الحرية والتعددية، لكن الممارسة جاءت مغايرة. إذ شهدت المرحلة إقصاءً متبادلًا، وتخوينًا لكل رأي مخالف، ما أضعف فرص بناء حياة سياسية قائمة على التوافق. وكانت انتخابات 2012 مؤشرًا مبكرًا على هشاشة التجربة، حين تم الطعن في نتائجها تحت ضغط السلاح، في مشهد كشف ضعف الالتزام بقواعد الديمقراطية.

ومنذ ذلك الحين، دخلت ليبيا في سلسلة طويلة من الحوارات والاتفاقات، التي لم تُترجم إلى واقع ملموس. بل على العكس، بدا في كثير من الأحيان أن البلاد تعود إلى الوراء، في ظل غياب الإرادة السياسية، وضعف الكفاءة لدى بعض من تصدّروا المشهد.

كما لعبت التدخلات الإقليمية والدولية دورًا معقدًا في إطالة أمد الأزمة. فالدول التي سارعت إلى التدخل في بداية الأحداث، لم تستكمل مسار الحل، رغم إدراكها لطبيعة المجتمع الليبي وتعقيداته. وهو ما يعكس، في جانب منه، تضارب المصالح الدولية، وغياب توافق حقيقي حول مستقبل ليبيا.

ولم تكن مسارات الحوار التي رعتها البعثة الأممية بمنأى عن هذه الإشكالات. فرغم تعدد المبادرات، من جنيف إلى اللجان الاستشارية، ظل الغموض يحيط بآليات الاختيار، وطرق العمل، ومصير المخرجات. كما أن تجاهل بعض التفاهمات المحلية، زاد من حالة فقدان الثقة بين الأطراف.

أما المحطة المفصلية، فكانت تعطيل الانتخابات المقررة في 24 ديسمبر 2021، رغم استعداد ملايين الليبيين للمشاركة فيها. وهو ما شكّل ضربة قوية لمسار الحل، ورسخ قناعة لدى كثيرين بأن هناك أطرافًا، داخليًا وخارجيًا، لا ترغب في إنهاء الأزمة.

اليوم، ومع طرح مبادرات جديدة، سواء عبر لجان متعددة أو صيغ حوار مصغرة، تتجدد نفس التساؤلات: من يمثل من؟ وكيف سيتم تنفيذ ما يتم الاتفاق عليه؟ وهل هناك إرادة حقيقية للتغيير، أم أن الأمر لا يتجاوز إعادة إنتاج الأزمة بأدوات مختلفة؟

لقد أصبح واضحًا أن الليبيين لم يعودوا يرفضون الحوار كمبدأ، بل فقدوا الثقة في جدواه. فالمشكلة لم تعد في غياب الطاولات، بل في غياب النوايا، وفي غياب آليات التنفيذ.

وعليه، فإن الخروج من الأزمة لا يمر عبر المزيد من الحوارات الشكلية، بقدر ما يتطلب انتقالًا إلى مسار أكثر جدية، يقوم على تفاهمات حقيقية بين القوى الفاعلة، مدعومة بإرادة دولية موحدة، وضغط شعبي يدفع نحو التغيير.

إن ليبيا اليوم بحاجة إلى سلطة موحدة قادرة على فرض الاستقرار، وتوحيد المؤسسات، ومعالجة الاختلالات الاقتصادية، تمهيدًا للوصول إلى انتخابات تعبر عن إرادة الليبيين.

فالأزمة لم تعد تحتمل المزيد من التأجيل،
والليبيون لم يعودوا يبحثون عن وعود،
بل عن دولة حقيقية… تعيد لهم الأمن والاستقرار.

The post ليبيا.. مسيرة الحوارات إلى أين؟ appeared first on عين ليبيا آخر أخبار ليبيا.