Site icon bnlibya

مؤتمر علمي في صرح قضائي.. وصمت إعلامي لا يليق

حين يُعقد مؤتمر علمي حول تيسير العدالة في ليبيا داخل المعهد العالي للقضاء في طرابلس، وبمشاركة نخبة من أساتذة الجامعات الليبية وباحثيها، فإننا لا نكون أمام فعالية عابرة أو نشاط بروتوكولي، بل أمام حدث له دلالة عميقة على مستوى الدولة والمجتمع معًا. ومع ذلك، مرّ هذا الحدث المهم في المشهد العام دون الزخم الإعلامي الذي يليق بمكانه ومضمونه.

المؤتمر الختامي لمشروع “تيسير العدالة في ليبيا”، الذي نفذه مركز دراسة القانون والمجتمع بجامعة بنغازي بالشراكة مع مؤسسة فان فولينهوفن للقانون والحوكمة والمجتمع بجامعة ليدن، لم يكن تمرينًا نظريًا ولا نشاطًا نخبويًا معزولًا، بل جاء ثمرة بحث ميداني عميق حاول الاقتراب من سؤال جوهري:

كيف يصل المواطن الليبي إلى العدالة؟ ولماذا يشعر، في كثير من الأحيان، أنها بعيدة عنه؟

المكان.. رسالة لا يجوز تجاهلها

اختيار المعهد العالي للقضاء لاحتضان المؤتمر لم يكن تفصيلًا شكليًا، بل رسالة واضحة مفادها أن نتائج هذا المشروع موجهة إلى قلب المنظومة العدلية، وأن النقاش حول العدالة يجب أن يكون داخل مؤسساتها السيادية، لا على هامشها. كما أن مشاركة أساتذة من مختلف الجامعات الليبية أكدت أن المشروع ليس عابرًا للحدود فقط، بل وطني في جوهره، يستند إلى معرفة محلية وخبرة أكاديمية ليبية.

ومع ذلك، بقي هذا الحدث حبيس القاعات، ولم يتحول إلى قضية رأي عام، وهنا مكمن الخلل.

إعلام المناسبات.. لا إعلام القضايا

المشكلة ليست في غياب الإعلام بالكامل، بل في تعاطيه الموسمي مع قضايا جوهرية مثل العدالة. فالتغطية، إن وجدت، اقتصرت على خبر مقتضب أو صورة بروتوكولية، دون متابعة للأسئلة التي طرحها المشروع، أو نقاش للتوصيات التي خرج بها، أو محاولة لربطها بواقع المواطن اليومي.

العدالة ليست مناسبة تُغطّى ثم تُنسى، بل قضية مستمرة، تمس حياة الناس وحقوقهم وثقتهم في الدولة.

لماذا يهم هذا المشروع المواطن؟

لأن مشروع تيسير العدالة لم يتحدث عن النصوص من أعلى، بل عن التجربة من أسفل:

عن المواطن الذي يتردد في اللجوء إلى القضاء،

عن التعقيد الإجرائي،

عن كلفة التقاضي،

عن غياب المعلومة القانونية المبسطة،

وعن الفجوة بين القانون كما هو مكتوب، والعدالة كما تُعاش.

هذه القضايا ليست أكاديمية، بل يومية، وتجاهلها إعلاميًا يعني ترك المواطن وحيدًا في مواجهة منظومة لا يفهمها ولا يثق بها.

قناة ليبيا الوطنية.. الاستثناء لا القاعدة

وسط هذا الفراغ، لا يمكن إنكار الدور الذي تضطلع به قناة ليبيا الوطنية في مواكبة القضايا الوطنية، ومنها ملفات العدالة وسيادة القانون، حتى بات حضورها ثابتًا لا يغيب. غير أن هذا الجهد، مهما كان مهمًا، لا يكفي وحده، ولا يمكن أن يعوّض غياب باقي المنصات الإعلامية عن أداء دورها الطبيعي.

فالعدالة ليست مسؤولية قناة واحدة، بل مسؤولية إعلام وطني كامل.

خلاصة القول

عندما يُنجز بحث علمي جاد داخل مؤسسة قضائية، وبمشاركة أكاديميين ليبيين، ثم لا يُسلّط عليه الضوء، فالمشكلة لا تكون في البحث، بل في من اختار تجاهله.

الإعلام الذي لا ينقل المعرفة الجادة، ولا يفتح نقاشًا حولها، ولا يرافق توصياتها، يساهم – بصمته – في إبقاء الفجوة بين المواطن والعدالة.

فالعدالة لا تُبنى في قاعات القضاء وحدها،

بل تُبنى أيضًا في الإعلام،

وفي النقاش العام،

وفي الجرأة على طرح الأسئلة الصعبة.

وأي عدالة بلا صوت… تظل ناقصة.

The post مؤتمر علمي في صرح قضائي.. وصمت إعلامي لا يليق appeared first on عين ليبيا آخر أخبار ليبيا.