ماذا بعد إقرار دورية الرئاسة؟ أولويات مجلس النواب في المرحلة المقبلة

0
6

إن تحويل الخصومة السياسية إلى تفكيك للمؤسسات هو انتحار سياسي تُدفع الدولة إلى تحمّل كلفته. فحين يمتد الصراع إلى القضاء والأجهزة الرقابية، وتُعاد صياغة تبعية المؤسسات واختصاصاتها بحسب موازين النفوذ، يصبح الخطر موجهًا إلى قدرة الدولة الليبية على العمل وحماية مواطنيها. ومن يهدم مؤسسة ليكسب جولة سياسية، يضعف الدولة التي يستند إليها في ممارسة سلطته.

من هذه الزاوية، يكتسب إقرار دورية الرئاسة داخل مجلس النواب أهميته. فقد أعلن المجلس، في جلسة الخامس من أكتوبر 2026، اعتماد نظام للدورة البرلمانية لمكتب هيئة الرئاسة، مدته اثنا عشر شهرًا من تاريخ انتخابه، تنتهي بانقضائها وتبدأ دورة تالية بانتخاب مكتب جديد. وهذه القاعدة تتيح فرصة لتقييم القيادة ومساءلتها وتجديدها، لكن أثرها الإصلاحي يتوقف على تغيير طريقة ممارسة الاختصاص، وتحويل المسؤولية إلى برنامج معلن ونتائج قابلة للتقييم.

ويجب أن يظل الفرق واضحًا بين تجديد هيئة الرئاسة وتجديد التمثيل الشعبي للمجلس؛ فالأول يتعلق بإدارته الداخلية، أما الثاني فيتحقق عبر الانتخابات. ومن ثم، فإن قيمة المرحلة المقبلة تكمن في استثمار التغيير الداخلي لتصحيح الاختلالات التشريعية والمؤسسية، وتحسين أداء المجلس، ودعم المسار المؤدي إلى تجديد الشرعية الانتخابية.

وتتقدم هذه المهمة ثلاث أولويات مترابطة: مراجعة التشريعات وتبعية المؤسسات، وحماية القضاء والرقابة، وإصلاح أداء المجلس وصلته بالمواطن.

تبدأ الأولوية الأولى بمراجعة تبعية الأجهزة والجهات التي أُلحقت بمجلس النواب أو برئاسته، خصوصًا المؤسسات ذات الطبيعة التنفيذية. وتتطلب هذه المراجعة فحص اختصاص كل جهة، والسند القانوني لنقل تبعيتها، والأداة التي استُخدمت، ومدى توافق ذلك مع توزيع الوظائف بين السلطات. فالرقابة البرلمانية لا تمنح المجلس، بذاتها، سلطة إدارة المؤسسات التي يراقبها. أما الهيئات المستقلة المرتبطة بالمجلس، فيجب أن تضبط هذه العلاقة قواعد للمساءلة وضمانات تحمي قراراتها المهنية من التوجيه السياسي أو الشخصي.

وتختلف نتيجة المراجعة بحسب المركز القانوني لكل مؤسسة: فقد تقتضي الإبقاء على ارتباط مشروع مع تعزيز ضمانات الاستقلال، وقد تستلزم تصحيح تبعية مخالفة من الجهة المختصة وبالأداة القانونية المناسبة. والمعيار في الحالتين هو سلامة توزيع الاختصاصات وفاعلية المؤسسة، مع حماية استمرارية المرفق العام وحقوق العاملين والمتعاملين معه.

وتشمل المراجعة القوانين والقرارات التي أعادت تشكيل المؤسسات أو توزيع اختصاصاتها خلال السنوات الماضية. فالتشريع ينحرف عن غايته حين يتضمن تمييزًا غير مبرر، أو يتدخل في اختصاص سلطة أخرى، أو يضعف ضمانات الاستقلال، أو يفصّل شروطًا على أشخاص بعينهم. وكذلك تستحق المراجعة النصوص المتناقضة أو المتعذرة التطبيق، والتدابير التي تنشئ مؤسسات متداخلة الاختصاص دون حاجة واضحة. وهذه مؤشرات يمكن فحصها قانونيًا، بينما تُناقش الدوافع السياسية بقدر ما تسندها الأدلة.

ويجب أن يستند إنشاء المؤسسات إلى حاجة فعلية، واختصاصات محددة، ومعايير موضوعية لاختيار قياداتها، وضمانات للاستقلال والمساءلة. كما ينبغي تقييم آثار التشريعات المالية والاجتماعية والمؤسسية قبل إصدارها، ثم متابعة تنفيذها؛ حتى يكون القانون أداة لمعالجة المشكلات، ويستطيع المواطن فهم حقوقه والتزاماته في إطار مستقر وواضح.

وتتمثل الأولوية الثانية في حماية وحدة السلطة القضائية واستقلالها، وصون المحكمة العليا واختصاصاتها، واستقلال النيابة العامة، وضمان تشكيل المجلس الأعلى للقضاء وممارسته مهامه وفق الضمانات الدستورية والقانونية. ولهذا الملف شاهد قضائي محدد؛ فقد أكدت الدائرة الدستورية بالمحكمة العليا، في حكمها الصادر في 19 أبريل 2026 في الطعن الدستوري رقم 6/73 ق، عدم دستورية استبعاد أعضاء السلطة القضائية والمحكمة العليا من تشكيل المجلس الأعلى للقضاء.ويبيّن هذا الحكم أن سلطة تنظيم المؤسسات القضائية تظل مقيدة بضمانات استقلالها وحدود المشروعية الدستورية.

ومن ثم، فإن التصحيح يبدأ باحترام الأحكام القضائية وآثارها القانونية، ومعالجة النصوص المخالفة. أما الحوار مع مكونات القضاء والدراسة المؤسسية الجادة، فهما لازمان لإعداد إصلاح يحترم استقلاله ووحدة بنيته؛ ولا يجوز أن يتحولا إلى شرط يعلق الامتثال للأحكام أو إلى وسيلة لإعادة التفاوض على مقتضاها القانوني.

والجهات الرقابية تحتاج بدورها إلى معالجة الانقسام وتداخل الاختصاصات، واعتماد الكفاءة والنزاهة في اختيار قياداتها، وتوفير الإمكانات، ومتابعة نتائج عملها وإحالة ما يثبت من مخالفات إلى الجهات المختصة. ويجب أن يقترن استقلالها بالشفافية والمساءلة، حتى تؤدي دورها دون انتقائية أو ضغط سياسي، وتبقى حماية المال العام غايتها الثابتة.

أما الأولوية الثالثة فتتعلق بأداء مجلس النواب نفسه: بانتظام الجلسات، وتفعيل اللجان، واحترام النصاب وإجراءات التصويت، وتوثيق المداولات ونشر نتائجها، وضبط تضارب المصالح. وتتأكد هنا ضرورة تحديد الحدود بين اختصاص المجلس واختصاص هيئة رئاسته؛ فالرئاسة تقود برنامج الإصلاح وتنظم عرضه، بينما يمارس المجلس تعديل القوانين وإلغاءها وفق الإجراءات المقررة، وتُراجع القرارات الأخرى من الجهة المختصة وبالأداة المناسبة.

ويمكن ترجمة هذه الأولويات إلى برنامج مراجعة تشريعية معلن، تتولاه اللجان المختصة بمساندة الخبراء، ضمن آجال محددة، وتُعرض نتائجه على المجلس والرأي العام. وتُعقد بشأنه جلسات استماع للجهات المعنية والجامعات والنقابات والمجتمع المدني، مع حماية المراكز القانونية المشروعة واستمرارية المرافق العامة. ويجب أن تحكمه معايير ثابتة، حتى لا تتحول معالجة أخطاء الماضي إلى أداة جديدة للانتقام السياسي.

وفي الوقت نفسه، يحتاج المواطن إلى أن يرى احتياجاته في أجندة المجلس، من خلال تشريعات العدالة والتعليم والصحة والعمل وحماية المال العام، وآليات للاستماع إلى مشكلاته ومتابعة أثر القوانين في حياته. وتظل مسألة توحيد الحكومة والاستحقاقات الانتخابية والقرارات المصيرية من أولويات المرحلة، بما يتطلب توافقًا قابلًا للتنفيذ، يحترم الاختصاصات وإجراءات التشاور والتوافق المقررة في الإطار القانوني المنظم للمرحلة الانتقالية.

وستُقاس قيمة إقرار دورية الرئاسة بما تفتحه من تصحيح فعلي: تشريع يحترم حدود الاختصاص، وقضاء مستقل، ورقابة فاعلة، ومجلس يجعل احتياجات المواطن أساسًا لأولوياته. والاختبار أمام هيئة الرئاسة الجديدة هو قدرتها على قيادة هذا العمل وفق برنامج معلن، وآجال محددة، ونتائج قابلة للمساءلة. بذلك يمكن أن يصبح تجديد القيادة الداخلية فرصة لحماية المؤسسات، واستعادة فاعلية المجلس وثقة الناس به، ودعم الطريق إلى تجديد التمثيل الشعبي عبر الانتخابات.

The post ماذا بعد إقرار دورية الرئاسة؟ أولويات مجلس النواب في المرحلة المقبلة appeared first on عين ليبيا | آخر أخبار ليبيا.