Site icon bnlibya

‏ما أحوجنا لدولة القانون والمؤسسات

تمر بلادنا هذه الأيام بأزمة قانونية خطيرة، مست هذه المرة الجهاز القضائي الذي حافظ طيلة الفترة الماضية على وحدة البلاد، رغم الانقسام الذي طال السلطتين التشريعية والتنفيذية.

إن الصراع القائم ترجع أسبابه إلى تدخل مجلس النواب في إعادة هيكلة القضاء بموجب القانون رقم (11لسنة 2021) المثير للجدل، الذي يقضي بالفصل بين رئاسة المحكمة العليا ورئاسة المجلس الأعلى للقضاء، وهو القانون الذي اعتبرته المحكمة العليا محاولة سياسية من قبل مجلس النواب للسيطرة على القرار القضائي.

وإذا ما استمرت حالة الانقسام هذه، فستكون له تداعيات سلبية خطيرة، حيت ستفقد الأحكام القضائية قيّمتها التنفيذية مما سيترتب عليه آثار وخيمة على الانتخابات القادمة خاصة في مسألة الطعون الانتخابية، وفي حالة عدم قبول أحد الأطراف بنتائج الانتخابات سيتعطل المسار الديمقراطي برمته، ولن يقتصر الأمر عند هذا الحد بل يمتد إلى فقدان الثقة الدولية إذ يضعف الصراع من هيبة الدولة نتيجة غياب مرجعية قانونية موحدة.

لقد عبرت الجمعية العمومية للمحكمة العليا بعد اجتماعها بنصابها القانوني في بيان لها الصادر بتاريخ 25 فبراير 2026م بشأن محاولات الوساطة التي تقوم بها بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا يعد تعطيل تنفيذ أحكامها الصادرة عن الدائرة الدستوريةً في جلستها بتاريخ 28 يناير 2026 حيث أصدرت حكمها في الطعن 6 /73 ق بعدم دستورية:

المادة 1 من القانون رقم 14 لسنة 2013م بتعديل بعض أحكام قانون القضاء

المادة 1 من القانون رقم 6 لسنة 2015م.

المادة 1 من القانون رقم 22 لسنة 2023م في شأن تعديل بعض أحكام قانون القضاء.

المادة 1 والمادة 2/4 من القانون رقم 32 لسنة 2023م في شأن تعديل بعض أحكام قانون القضاء.

⁠لقد جاء بيان الجمعية العمومية للمحكمة العليا واضحا لا لبس فيه إذ أكد أن أي تدخل من بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا لتسوية النزاع من شأنه يهدم هيبة القضاء الليبي ويفقد مصداقيته – فالنزاع القائم هو نزاع “قانوني” وليس “سياسيا” وأي وساطة تعد محاولة للالتفاف على احكام الدائرة الدستورية للمحكمة العليا المذكور أعلاه والتي قضت بعدم شرعية ما أقدم عليه مجلس النواب بإنشاء محكمة دستورية تتخذ من بنغازي مقرا لها، كما يعكس البيان الدفاع عن المعقل الأخير المتمثل في المحكمة العليا حارسة الدستور وتعتبر مقترحات الوساطة محاولة لإخضاع القضاء لإرادة السلطة السياسية وأن الأحكام القضائية ليست نهائية.

إن هذه الوقفة التاريخية للجمعية العمومية تذكرنا بحكم المحكمة الاتحاديّة العليا عام 1954 ،الذي يعد مفخرة في تاريخ القضاء الليبي والعربي حين تم إلغاء قرار ملكي بحل المجلس التشريعي المنتخب لولاية طرابلس واعتبار الأمر الملكي معدوما لعدم استناده إلى الدستور والقانون، وهنا ظهرت عظمة الرجال الذين يصنعون التاريخ بترحيب الملك إدريس السنوسي (رحمه الله) الذي رحب بالحكم قائلاً مقولته المشهورة: “اليوم أحسست أن ليبيا دولة قانون طالما هناك قضاء مستقل يقول لي لا”.

فهذا الحكم يعتبر نمودجاً جلياً لمعنى رقابة القضاء على أعمال السيادة، وتأكيداً على أن دولة القانون والمؤسسات، والفصل بين السلطات الثلاث الأساس المتين لبناء الدولة العادلة.

ما أحوجنا اليوم إلى رجال يعملون من أجل بناء دولة القانون والمؤسسات ولقضاء عادل يبتعد عن كل التجاذبات السياسية.

لم يبق لنا إلا حصن القضاء الذي نأمل ألا تناله أيدي العابثين بتقسيمه، وأن نبتعد عن التهديد بنقل مقررات الإدارة العامة للتفتيش والإدارة العامة للقضايا بحجة “القوة القاهرة”.

ادعو الجميع إلى الحفاظ على وحدة السلطة القضائية، وأن تهون الصغائر أمام عظم الكبائر التي تهدد كيان الوطنية.

The post ‏ما أحوجنا لدولة القانون والمؤسسات appeared first on عين ليبيا آخر أخبار ليبيا.