محاولة «انقلاب» تشعل بولندا.. الرئيس يقطع زيارته الخارجية

0
7

دخلت بولندا مرحلة جديدة من التصعيد السياسي والدستوري، بعد تفجر خلاف حاد حول إدارة المحكمة الدستورية في العاصمة وارسو، إثر إعلان تعليق مهام رئيس المحكمة بوغدان شفينتشكوفسكي ونائبه بارتلوميي سوخانسكي لمدة شهر، وانتشار قوات الشرطة في محيط المقر، وسط اتهامات متبادلة بين مؤسسات الدولة بمحاولة الاستيلاء على المحكمة والانقلاب على النظام الدستوري.

وتصاعدت الأزمة الجمعة، بعدما نشر الموقع الإلكتروني للمحكمة قرارًا أصدرته القاضية آنا كورفين-بيوتروفسكا بتعليق مهام رئيس المحكمة ونائبه لمدة شهر، وتوليها إدارة المؤسسة بصفتها القاضية الأقدم خدمة، في إجراء أثار خلافًا واسعًا بشأن شرعيته والأساس القانوني الذي يستند إليه.

وأعلنت القاضية الدعوة إلى اجتماع الجمعية العامة لقضاة المحكمة في 3 نوفمبر المقبل، فيما اعتبرت أن هناك مخاطر جدية للإخلال بالنظام العام، وفق ما أوردته تقارير إعلامية.

وفي المقابل، اتهم الحساب الرسمي للمحكمة الدستورية على منصة «إكس» أطرافًا بالمشاركة في «محاولة انقلاب»، وقال إن الموقع الإلكتروني للمؤسسة تعرض لما وصفه بـ«استيلاء غير قانوني»، مؤكدًا أن بوغدان شفينتشكوفسكي لا يزال رئيسًا للمحكمة، وأن بارتلوميي سوخانسكي ما زال يشغل منصب نائب الرئيس.

واعتبر الحساب أن جميع المشاركين في الإجراءات الجارية يرتكبون «جريمة انقلاب»، كما نفى أن تكون آنا كورفين-بيوتروفسكا قاضية في المحكمة الدستورية، في موقف عكس عمق الانقسام داخل المؤسسة بشأن شرعية القرارات الأخيرة.

وأفادت وسائل إعلام بولندية بأن نائب رئيس المحكمة سوخانسكي مُنع من دخول مقرها، فيما انتشرت قوات الشرطة بكثافة في محيط المبنى، وتجمع متظاهرون أمامه احتجاجًا على تعليق مهام رئيس المحكمة ونائبه.

وفي رواية موازية، قال نواب في البرلمان البولندي إن رئيس الوزراء دونالد توسك أرسل قوات أمنية للسيطرة على المحكمة الدستورية، واتهموا الحكومة بالتدخل في عمل المؤسسة القضائية.

غير أن شرطة وارسو نفت اقتحام مبنى المحكمة، وأكدت أن عناصرها انتشرت في الساحات الخارجية استجابة لبلاغات وتحذيرات بشأن تهديدات محتملة لسلامة القضاة والعاملين، وتحسبًا لوقوع إخلال بالنظام العام.

وأوضحت الشرطة أن وجودها لا يمثل تدخلًا في عمل المحكمة، كما أعلنت توقيف ثلاثة أشخاص بعدما تسلقوا السياج المحيط بالمبنى ودخلوا حرم المؤسسة، مشيرة إلى إلقاء أجسام خطرة باتجاه عناصرها خلال أداء مهامهم.

وأفادت تقارير أخرى بأن الاحتجاجات شهدت محاولات متكررة من بعض المحتجين لاختراق الطوق الأمني والاندفاع باتجاه عناصر الشرطة، فيما اكتفت القوات بمطالبتهم عبر مكبرات الصوت بالحفاظ على النظام، دون اللجوء إلى استخدام وسائل خاصة لتفريق الحشد.

وتضمنت الهتافات التي رددها المحتجون مطالب باستقالة رئيس الوزراء دونالد توسك وحكومته، وسط تقارير تحدثت عن وجود أشخاص في حالة سكر بين المتجمعين أمام المحكمة.

وفي خضم المواجهة، دافع توسك عن الإجراءات المتخذة، وقال إن «استعادة سيادة القانون واجبنا»، مشددًا على أن هذه العملية تتطلب اتخاذ خطوات حاسمة.

وفي المقابل، وصف زعيم حزب «القانون والعدالة» المعارض ياروسواف كاتشينسكي ما جرى بأنه «اعتداء صريح على المحكمة الدستورية»، متهمًا أجهزة الحكومة برئاسة توسك باقتحام المؤسسة بالقوة.

ودعا كاتشينسكي الرئيس البولندي كارول نافروتسكي إلى التدخل العاجل واستخدام صلاحياته الدستورية لوقف ما وصفه بالتجاوزات، معتبرًا أن ما حدث يمس جوهر الفصل بين السلطات.

وفي تصريحات أخرى، وصف كاتشينسكي التطورات بأنها مرحلة جديدة من «انقلاب متدرج» على الدولة، فيما طالب أنصار المعارضة بمقاومة الإجراءات التي يرون أنها تستهدف المحكمة الدستورية.

ومن جانبه، أعلن وزير العدل والمدعي العام البولندي فالديمار جوريك تقديم خمسة طلبات لرفع الحصانة القضائية، أربعة منها بحق رئيس المحكمة بوغدان شفينتشكوفسكي، والخامس بحق نائبه بارتلوميي سوخانسكي.

وقال جوريك إن الطلبات تتعلق باتهامات مرتبطة بعرقلة عمل القضاة ومنعهم من ممارسة مهامهم، فيما أفادت تقارير بأن الإجراءات تستهدف تمهيد الطريق لملاحقة المسؤولين القضائيين المعنيين.

وفي تطور عكس اتساع نطاق الأزمة، أعلن الرئيس البولندي كارول نافروتسكي قطع زيارته الرسمية إلى السنغال والعودة إلى بلاده، بعدما كان في طريقه إلى الدولة الإفريقية للقاء رئيسها وممثلين عن الاتحاد الإفريقي.

وقال نافروتسكي: «في مثل هذا الوقت يجب أن يكون الرئيس في بولندا»، معلنًا وقف رحلته والعودة إلى وارسو، فيما أفادت مصادر وتقارير إعلامية بأن الطائرة الرئاسية غيرت مسارها خلال وجودها في الأجواء، وعادت باتجاه بولندا.

ووصل نافروتسكي لاحقًا إلى مقر المحكمة الدستورية برفقة الرئيس الأول للمحكمة العليا زبيغنيو كابينسكي، بعد اجتماع عقده الرجلان لبحث الأزمة الدستورية.

وأظهر مقطع فيديو نشره القاضي ماتشيه بيرك على منصة «إكس» مواجهة عند مدخل المحكمة، إذ اعترضت امرأة طريق الرئيس، وذكر بيرك أنها القاضية آنا كورفين-بيوتروفسكا، التي انتقلت إليها صلاحيات إدارة المحكمة بعد تعليق مهام رئيسها ونائبه.

وبحسب التسجيل، طلب نافروتسكي من المرأة السماح له بالمرور، بعدما وضعت يدها على منطقة صدره، قبل أن يدفعها جانبًا ويتمكن من دخول المبنى.

وجاءت زيارة الرئيس بعد إعلانه العودة من السنغال، في وقت استمرت فيه الاحتجاجات والتوترات أمام المحكمة، وسط انتشار أمني مكثف.

وفي بيان تلاه أحد المسؤولين أمام المحتشدين قرب مبنى المحكمة، دعا نافروتسكي إلى عقد اجتماع طارئ يضم جميع القوى السياسية والبرلمانيين، بهدف «إعادة النظام الدستوري» في البلاد.

كما اعتبر الرئيس أن ما يجري يمثل انتهاكًا للنظام الدستوري البولندي، ووصف ما حدث بأنه استيلاء بالقوة على مؤسسة دستورية، مطالبًا قوات الأمن بمغادرة مقر المحكمة.

وعلى الصعيد الدبلوماسي، أعرب السفير الأمريكي لدى بولندا توم روز عن قلق واشنطن إزاء استقرار البلاد وأمنها ومستقبلها الديمقراطي، على خلفية المواجهة المتصاعدة حول المحكمة الدستورية.

وكتب روز على منصة «إكس» أن الولايات المتحدة تقف إلى جانب بولندا، لكنها لا ترى أن من شأنها الحكم على شؤونها الداخلية أو التدخل فيها، موضحًا أن ما يقلق واشنطن هو استقرار البلاد وأمنها ومستقبلها الديمقراطي باعتبارها دولة صديقة وحليفة.

ووصف السفير الأحداث بأنها بالغة الخطورة، معتبرًا أن البلاد تشهد مواجهة حادة وغير مسبوقة بشأن استخدام الحكومة لسلطة الدولة واستقلال مؤسسة دستورية وهيبتها.

وحذر من أن تجمع آلاف المحتجين أمام المحكمة يزيد الوضع توترًا، داعيًا المسؤولين الحكوميين وقوات الأمن والمتظاهرين إلى ضبط النفس وتجنب أي خطوات يمكن أن تقود إلى العنف أو تفاقم المواجهة.

وقال إن الطرفين يقدمان روايتين مختلفتين بصورة حادة بشأن ما حدث وأسبابه، محذرًا من أن انزلاق المواجهة إلى تصعيد أكبر هو آخر ما تحتاج إليه بولندا.

وفي سياق متصل، أعلن سفير بولندا لدى رومانيا بافل سولوتش استقالته من منصبه، لينضم إلى سفير البلاد لدى الصين جاكوب كوموخ، الذي أعلن بدوره ترك منصبه على خلفية الأحداث المرتبطة بالمحكمة الدستورية.

وكتب سولوتش على منصة «إكس» أنه لم يعد يرى إمكانية لمواصلة أداء مهامه سفيرًا لبولندا لدى رومانيا، على خلفية ما وصفه بمحاولة الاستيلاء غير القانوني على المحكمة الدستورية، مضيفًا أنه أبلغ الرئيس ووزير الخارجية باستقالته.

وكان كوموخ قد أعلن استقالته في تدوينة على المنصة نفسها، قال فيها إنه وصل إلى قناعة بعدم قدرته على مواصلة مهامه سفيرًا لجمهورية بولندا في ظل الأحداث الجارية داخل البلاد، وطلب إنهاء خدماته اعتبارًا من يوم إعلان الاستقالة.

ورد وزير الخارجية البولندي رادوسلاف سيكورسكي على إعلان كوموخ بعبارة حادة، قائلًا: «أحطت علمًا بالخاتمة غير المهنية لمهمتك»، وأضاف: «أنت لم تعد تمثل جمهورية بولندا».

وكان سيكورسكي قد علق في وقت سابق على استقالة السفير بالقول إنه أحاط علمًا بإنهاء مهمته، في موقف أثار سجالًا بشأن طريقة التعامل مع الاستقالة وتداعيات الأزمة على التمثيل الدبلوماسي البولندي.

وامتدت ردود الفعل إلى روسيا، إذ وصف نائب رئيس مجلس الأمن الروسي دميتري مدفيديف ما يجري في بولندا بأنه «انقلاب دستوري»، وكتب على منصة «ماكس» أن البلاد تشهد انقلابًا دستوريًا.

واتهم مدفيديف رئيس الوزراء دونالد توسك وأنصاره بملاحقة المحافظين من حزب «القانون والعدالة»، رابطًا ذلك، وفق ادعائه، بمواقفهم من ستيبان بانديرا، زعيم الحركة القومية الأوكرانية المتطرفة.

وأضاف أن ما يجري يمثل، بحسب وصفه، الأسلوب نفسه المتبع في أوكرانيا، عبر إلغاء صلاحيات المحكمة الدستورية، معتبرًا أن المحكمة لم تعد موجودة منذ زمن.

وفي تعليق روسي آخر، قال كيريل دميترييف، الممثل الخاص للرئيس الروسي للتعاون الاستثماري والاقتصادي مع الدول الأجنبية، إن أوروبا ليست على ما يرام وعليها أن تكفر عن ذنوبها، وذلك في معرض تعليقه على الوضع في بولندا.

وفي المقابل، لم تقدم المفوضية الأوروبية، وفق ما أوردته التقارير، تقييمًا للأزمة حتى الآن، مستندة إلى مبدأ عدم التعليق على الأحداث السياسية الداخلية في الدول الأعضاء بالاتحاد الأوروبي.

وتعود جذور المواجهة الحالية إلى خلافات ممتدة بين الحكومة والمعارضة بشأن تشكيل المحكمة الدستورية، وشرعية تعيين عدد من قضاتها، وصلاحيات قيادتها، في ظل تضارب المواقف بشأن أداء اليمين القانونية للقضاة المنتخبين من البرلمان.

وتفاقم النزاع في منتصف أكتوبر، بعد انتخاب مجلس النواب البولندي، المعروف باسم «السيم»، القاضي ماتشيه بيرك عضوًا في المحكمة الدستورية، إلا أن الرئيس نافروتسكي رفض استقباله لأداء اليمين.

وكان البرلمان قد انتخب بيرك في 4 سبتمبر، قبل أن يؤدي اليمين داخل البرلمان في 14 أكتوبر دون حضور الرئيس، في إجراء أثار خلافًا بشأن قانونيته، وسط رفض رئاسة المحكمة السماح للقضاة المنتخبين حديثًا بممارسة مهامهم.

وتشير التقارير إلى أن الخلاف يرتبط أيضًا برفض نافروتسكي أداء اليمين لعدد من القضاة الذين انتخبهم البرلمان، فيما ترفض رئاسة المحكمة الاعتراف ببعض التعيينات وتسمح باستمرار النزاع حول تشكيلها وصلاحياتها.

وتعود خلفية الأزمة الأوسع إلى سنوات سابقة، إذ كانت المحكمة الدستورية محور خلافات بين الحكومات المتعاقبة منذ عام 2015، على خلفية تعيين القضاة ومحاولات كل طرف تعزيز نفوذه داخل المؤسسة.

وخلال حكم حزب «القانون والعدالة» بين عامي 2015 و2023، أثارت الإصلاحات القضائية التي أقرها الحزب انتقادات داخل بولندا وفي مؤسسات الاتحاد الأوروبي، كما أدت الخلافات بشأن استقلال القضاء إلى فرض غرامات أوروبية وتعليق تمويلات عن البلاد.

وبعد فوز دونالد توسك في انتخابات عام 2023، تعهدت حكومته بإنهاء الخلاف مع بروكسل بشأن سيادة القانون واستعادة استقلال القضاء، إلا أن محاولاتها واجهت عراقيل بسبب رفض الرئيس نافروتسكي عددًا من التعيينات المقترحة واستخدامه صلاحياته الرئاسية لعرقلة بعض الإجراءات.

كما سبق للمحكمة الدستورية أن أصدرت أحكامًا في أكثر من مناسبة اعتبرت فيها أن التشريعات البولندية تتقدم على قوانين الاتحاد الأوروبي، وهو ما أثار اعتراضات من بروكسل وأدى إلى توتر في العلاقات بين الجانبين.

وتتمحور الأزمة الحالية حول تضارب المواقف بشأن شرعية القضاة المنتخبين حديثًا، وحدود صلاحيات رئيس المحكمة ووزير العدل والرئيس، إلى جانب الخلاف حول الجهة المخولة بإدارة المؤسسة خلال المرحلة الراهنة، فيما تترقب الأوساط السياسية والقضائية في بولندا الخطوات التالية بعد عودة نافروتسكي إلى وارسو ودعوته إلى اجتماع سياسي طارئ.

وتعكس التطورات استمرار الانقسام بين حكومة توسك والمعارضة المرتبطة بحزب «القانون والعدالة»، وسط مخاوف من اتساع المواجهة بين مؤسسات الدولة وتأثيرها على استقلال القضاء واستقرار النظام الدستوري في البلاد.

The post محاولة «انقلاب» تشعل بولندا.. الرئيس يقطع زيارته الخارجية appeared first on عين ليبيا | آخر أخبار ليبيا.