تمثل طبيعة عمل المصارف، القائمة بالأساس على قبول الودائع ومنح الائتمان، بيئة خصبة لتعرضها لمخاطر مالية وتشغيلية متباينة الخطورة. فالائتمان المصرفي يلعب دوراً محورياً في توزيع الموارد المالية على مختلف الأنشطة الاقتصادية، وتوفير الأموال اللازمة لزيادة طاقة الإنتاج وتأمين العمالة والدخل الوطني. غير أن هذا الدور التنموي يصطدم بمعضلة الموازنة الدقيقة بين تحقيق العوائد، وتقليل حجم المخاطر إلى حدود مقبولة يمكن السيطرة عليها وإدارتها بصورة سليمة.
وتزداد أهمية هذه الموازنة في ظل اتساع حجم المعاملات المصرفية وارتفاع حدة المنافسة وتطور الأدوات والتقنيات المستخدمة في العمل المصرفي، بما يجعل حسن تقييم المخاطر وتحليلها وإدارتها من العوامل الأساسية لاستمرار المصارف في السوق وتحقيق عوائد مرضية بمستويات مخاطر يمكن التحكم فيها. ومن هنا، لا تبدو إدارة مخاطر الائتمان مسألة مرتبطة بقرار منح القرض فحسب، وإنما منظومة تبدأ من دراسة طالب الائتمان وتمتد إلى متابعة التسهيلات القائمة والوقوف على أي تغيرات قد تؤثر في قدرة العميل على الوفاء بالتزاماته.
لقد أظهرت الممارسة العملية أن تعرض كثير من المؤسسات المالية لصعوبات يرتبط، في جانب منه، بتبني معايير ائتمانية متساهلة، وغياب أو قصور السياسات الائتمانية، وضعف الرقابة الداخلية، والاعتماد المفرط على الضمانات، إلى جانب إهمال التحليل المالي لمركز العملاء أو ضعف المعلومات المتاحة عنهم. ويبرز الخطر بصورة أوضح عندما يفشل المقترض في الوفاء بالتزاماته وفقاً للشروط المتفق عليها، فلا يتمكن المصرف من استرداد رأس المال والفوائد المستحقة، بما ينعكس على التدفقات النقدية ويزيد من تكاليف التحصيل، وقد يمتد أثره إلى انتظام مختلف الأعمال المصرفية.
وانطلاقاً من هذه الإشكالية، تناولنا في دراسة أكاديمية مشتركة مع الأستاذ محمد مسعود الغول أبعاد مخاطر الائتمان المصرفي وسبل إدارتها والحد منها، في محاولة للوصول إلى نتائج وتوصيات يمكن أن تسترشد بها المصارف عند اتخاذ قراراتها الائتمانية، بما يساعد على تقليل نسب التعثر وتفادي القرارات التي قد تنتهي إلى تعثر العملاء طالبي الائتمان قدر الإمكان.
وتكشف دراسة مخاطر الائتمان أن مصادرها لا تأتي جميعاً من خارج المصرف، بل إن جانباً مهماً منها قد ينشأ داخله. فغياب السياسة الائتمانية أو قصورها، والاختلال في تفويض الصلاحيات، وضعف الرقابة الداخلية، والقصور في المعلومات، والثقة الزائدة في بعض العملاء، كلها عوامل يمكن أن تؤثر في جودة القرار الائتماني. وفي المقابل، تفرض الظروف الاقتصادية والسوقية والتشريعات والبيئة القانونية والسياسية مجموعة أخرى من المخاطر التي لا يملك المصرف السيطرة عليها بصورة مباشرة، وإنما يملك التعامل معها بكفاءة من خلال المتابعة والتحليل والاستعداد المسبق.
ومن هنا، فإن القرار الائتماني السليم لا ينبغي أن يقوم على النظر إلى قدرة العميل على السداد في اللحظة الراهنة فقط، وإنما على قراءة أوسع لطبيعة نشاطه، ووضعه المالي، وظروف السوق التي يعمل فيها، ومصادر تمويله، وقدرته على مواجهة التغيرات المستقبلية. كما أن طبيعة النشاط والمدة المناسبة للتسهيل الائتماني تمثلان عاملين مهمين؛ إذ ينبغي أن تتناسب فترة التمويل مع طبيعة النشاط والغرض من التمويل والفترة المتوقعة لاسترداد العائد منه، حتى لا تتحول شروط التمويل نفسها إلى مصدر إضافي للمخاطر.
كما أن تركيز عملية الإقراض في نوع معين من الأعمال أو القطاعات قد يخلق درجة أعلى من الهشاشة في المحفظة الائتمانية؛ إذ إن تعرض ذلك النشاط لركود أو تقلبات قد ينعكس في وقت واحد على عدد كبير من العملاء والتسهيلات. ولذلك تبرز أهمية توزيع المحفظة الائتمانية بصورة متوازنة، ووضع حدود مناسبة للإقراض لكل نشاط، وعدم الاعتماد على نوع واحد من الضمانات، بما يقلل من أثر الصدمات المحتملة ويحافظ على جودة المحفظة.
ولا تقتصر المخاطر على احتمال عدم السداد وحده، فهناك أيضاً مخاطر السيولة التي قد تنشأ عن عدم التوافق بين آجال الأصول والالتزامات، ومخاطر تقلب أسعار العملات، ومخاطر التنفيذ والإخطار، فضلاً عن مخاطر عدم انتظام الفحص الدوري للتسهيلات. ولذلك فإن إدارة الائتمان لا تنتهي بمجرد الموافقة على التمويل، وإنما تتطلب متابعة مستمرة للمعلومات والمراكز المالية للعملاء، ومراجعة الأداء، والتأكد من أن التسهيلات القائمة لا تتجاوز الحدود التي تسمح بها المؤشرات الفعلية لنشاط العميل وقدرته على السداد.
أمام هذا المشهد، تصبح الإدارة الفعالة للمخاطر ضرورة أساسية لا مجرد إجراء روتيني. فلا ينبغي اتخاذ قرارات ائتمانية بمعزل عن الرأي الفني لإدارة المخاطر، لأن تجاوز هذا الدور قد يعني تجاهل مؤشرات مهمة تتعلق بجودة الائتمان واحتمالات التعثر. ويتطلب الأمر فحصاً ائتمانياً دقيقاً للمقترض، إلى جانب طلب ضمانات وتأمينات مناسبة تغطي النقص المحتمل في حال فشل العميل في الوفاء بالتزاماته، مع عدم التعامل مع الضمانات باعتبارها بديلاً عن الدراسة الائتمانية، بل باعتبارها أحد عناصر الحماية التي تحتاج بدورها إلى تقييم ومتابعة مستمرة.
وتكتسب هذه النقطة أهمية خاصة في ظل ما يمكن أن نسميه مفاضلة دائمة بين الربحية والأمان. فالسعي إلى زيادة العوائد قد يدفع إلى تحمل مستويات أعلى من المخاطر، إلا أن ارتفاع المخاطر قد ينعكس في المقابل على جودة محفظة القروض ويزيد من احتمالات التعثر. وبالتالي، فإن تحقيق الربحية المستدامة لا ينفصل عن جودة إدارة المخاطر، بل يرتبط بها ارتباطاً مباشراً.
وتقدم الأزمات المالية السابقة مثالاً واضحاً على خطورة هذا الاختلال؛ إذ أظهرت أزمة الرهن العقاري في الولايات المتحدة أن التوسع في منح القروض عالية المخاطر، مع ضعف الرقابة والافتراضات غير السليمة بشأن قدرة الأصول على الاحتفاظ بقيمتها، يمكن أن يحول مشكلة ائتمانية إلى أزمة تمتد آثارها إلى المصارف والأسواق والاقتصاد على نطاق أوسع.
وتبقى كل هذه الإجراءات رهينة بكفاءة العنصر البشري؛ إذ إن جودة القرار الائتماني لا يمكن فصلها عن مستوى المعرفة والخبرة لدى العاملين في المؤسسات المالية. ومن ثم، فإن تدريب الموارد البشرية في مجالات التحليل المالي وإدارة المخاطر، وتطوير قدرتها على قراءة المؤشرات المالية والسوقية، يمثل جزءاً أساسياً من منظومة الحد من مخاطر الائتمان، إلى جانب وجود تشريعات ولوائح وإشراف فعال يضمن سلامة عمل المؤسسات المالية ويحد من احتمالات انزلاقها نحو أزمات مصرفية. وفي النهاية، فإن المسألة لا تتعلق برفض المخاطر، فالعمل المصرفي بطبيعته يقوم على تحمل قدر منها، وإنما تتعلق بقدرة المؤسسة على تحديدها وقياسها والتعامل معها في الوقت المناسب. فالسعي إلى تحقيق العوائد يظل هدفاً مشروعاً، لكن التهاون في تقدير المخاطر قد يحول هذا السعي إلى مصدر للخسارة. وكما خلصت الدراسة، فإن التسارع والتسابق من أجل تحقيق قدر كبير من المكاسب، مع التهاون في تفادي المخاطر، هو في الواقع أحياناً تسارع وتسابق ناحية الهاوية.

الدراسة الكاملة
للاطلاع على الدراسة كاملة، بما تتضمنه من نتائج وتوصيات، يمكن تحميلها من المرفق أدناه.
The post مخاطر الائتمان المصرفي: مقاربة تحليلية للحد من التعثر وإدارة المخاطر appeared first on عين ليبيا | آخر أخبار ليبيا.