من أزمة 2014 إلى رسم «النقد الأجنبي» عام 2024.. كتاب جديد يفتح ملف السياسة النقدية في ليبيا

0
6

نشر رجل الأعمال حسني بي مقال رأي على صفحته في موقع فيسبوك بعنوان «مصرف ليبيا المركزي: إدارة السياسة النقدية في ظل الأزمات»، تناول فيه الكتاب المرتقب The Central Bank of Libya: Managing Monetary Policy Under Crisis، من تأليف محافظ مصرف ليبيا المركزي السابق الصديق عمر الكبير، بالاشتراك مع مايكل جي. شيفر، الممثل السابق للبنك الدولي في ليبيا والمستشار السابق للقطاع العام لدى البنك الدولي في ليبيا.

وقال حسني بي إنه اطلع باهتمام على قرب صدور الكتاب، موضحاً أن وصف الناشر يشير إلى تناوله تطور السياسة النقدية ومصرف ليبيا المركزي خلال فترة اتسمت بالانقسام السياسي والمؤسسي والأزمات المتعاقبة.

وأضاف أن من حيث المبدأ يرحب بأي عمل جاد يوثق إدارة أهم مؤسسة نقدية في ليبيا خلال واحدة من أصعب الفترات في تاريخ البلاد الحديث، معتبراً أن وجود رواية مكتوبة من الشخص الذي ترأس السياسة النقدية خلال معظم تلك السنوات مهم للباحثين وللرأي العام.

لكنه رأى أن الكتاب لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره الحكم النهائي على تلك المرحلة، بل باعتباره رواية أحد أبرز المشاركين فيها.

وأوضح أن إدارة المصرف المركزي لا تُقيَّم بالنوايا أو بحجم الاحتياطيات الأجنبية فقط، وإنما أيضاً بنتائج السياسة النقدية، ومنها قيمة العملة وقوتها الشرائية، واستقرار الأسعار، ونمو عرض النقود، وسلامة الجهاز المصرفي، وقدرة المواطنين على الوصول إلى أموالهم، ومدى التنسيق بين السياسة النقدية والمالية.

وتناول حسني بي أزمة عام 2014 وتفكك النظام المصرفي، معتبراً أن من أهم الأسئلة التي لا يجوز تجاوزها عند تقييم تلك المرحلة هو ما حدث للنظام المصرفي الليبي بعد الانقسام السياسي والمؤسسي في 2014.

وأشار إلى أن فرع مصرف ليبيا المركزي في الشرق عمل لاحقاً بصورة منفصلة عن طرابلس، بينما ظل مصرف طرابلس يسيطر على الاحتياطيات الأجنبية وعلى الوصول إلى النقد الأجنبي، مضيفاً أن الانقسام أثر في نظم التسوية والرقابة وتمويل الإنفاق العام.

ورأى أن السؤال لا يتعلق فقط بما إذا كان الانقسام مفهوماً سياسياً، بل بتكلفته الاقتصادية على المصارف التجارية والمودعين والسيطرة النقدية ووحدة منظومة المدفوعات الوطنية.

كما أشار إلى أن الحوكمة مسألة لا يمكن تجاهلها، موضحاً أن مصرف طرابلس عمل لفترة طويلة من دون مجلس إدارة يؤدي دوره بصورة طبيعية، معتبراً أن ذلك ينبغي أن يكون جزءاً أساسياً من أي تقييم مؤسسي جاد.

وفي ما يتعلق بسعر الصرف، قال حسني بي إنه مع تراجع الإيرادات النفطية وتصاعد الضغوط المالية بعد 2013، أصبح واضحاً تدريجياً أن سعر الصرف الرسمي لم يعد يعكس التوازن بين كمية الدينارات المتداولة وبين حجم النقد الأجنبي المتاح بالسعر الرسمي.

وأضاف أن النتيجة كانت عملياً وجود سعرين لأصل واحد، هما سعر رسمي لمن يستطيع الوصول إلى القنوات المعتمدة، وسعر أعلى بكثير في السوق الموازية يتحمله باقي الاقتصاد.

وقال إن هذه من أهم القضايا التي تستحق المراجعة النقدية، موضحاً أن الحفاظ على سعر رسمي لا يعني بالضرورة الحفاظ على قيمة العملة إذا لم يكن الدولار متاحاً فعلياً للجميع بذلك السعر.

وأشار إلى أنه حين تتسع الفجوة بين السعر الرسمي والموازي، يتحول الفرق بينهما إلى ريع اقتصادي لمن يستطيع الحصول على الدولار بالسعر الرسمي.

وتساءل: «لذلك لا يكفي أن نسأل: كم دولاراً حافظ عليه المصرف المركزي؟ بل يجب أيضاً أن نسأل: ما تكلفة ذلك على الدينار والسوق والاقتصاد والمواطن؟».

وانتقل حسني بي إلى الاحتياطيات الأجنبية، قائلاً إن حمايتها مسؤولية أساسية لأي مصرف مركزي، خصوصاً في اقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على النفط، لكنه شدد على أن الاحتياطيات أداة لتحقيق الاستقرار وليست هدفاً مستقلاً بذاته.

وأضاف أنه إذا جرى تقييد الوصول إلى النقد الأجنبي، بينما يستمر الإنفاق العام والسيولة المحلية في الارتفاع، فإن الطلب على الدولار لا يختفي، بل ينتقل إلى السوق الموازية.

وقال إن ذلك يبرز مفارقة تتمثل في إمكانية بقاء الدولارات في ميزانية المصرف المركزي، بينما يفقد الدينار تدريجياً جزءاً من قوته الشرائية في السوق.

وتساءل: «لذلك لا ينبغي أن يكون السؤال فقط: هل حافظنا على الاحتياطي؟ بل أيضاً: هل أدرنا الأوضاع النقدية بطريقة تمنع تراكم كمية مفرطة من الدينارات تطارد تلك الاحتياطيات؟».

وفي ما يتعلق بالضغوط النقدية، قال حسني بي إنه يريد، «وللدقة»، تصحيح رقم سبق أن استخدمه.

وأوضح أن بيانات مصرف ليبيا المركزي تُظهر أن عرض النقود الواسع بلغ نحو 69 مليار دينار في 2013، و96.3 ملياراً في 2016، و111.3 ملياراً في 2017، و108.7 ملياراً في 2019، و125.5 ملياراً في 2020.

وأضاف أن عرض النقود الواسع انخفض في 2021 قبل أن يرتفع مجدداً في 2022، ثم بوتيرة أكبر بكثير خلال 2023.

وقال إن الأرقام الدقيقة ربما تختلف قليلاً بحسب الجداول المستخدمة، لكنه رأى أن النقطة الأساسية لا تتغير، وهي أن نمو عرض النقود تسارع بقوة في 2023.

وطرح السؤال الاقتصادي التالي: «كيف يمكن الحفاظ على استقرار سعر الصرف في اقتصاد ضعيف التنوع والإنتاج المحلي، بينما تتوسع كمية الدينارات بسرعة، في حين يظل النفط المصدر شبه الرئيسي للنقد الأجنبي؟».

وعند تناوله عام 2021، قال حسني بي إن من الإنصاف تسجيل أحد أهم النجاحات في عهد الصديق عمر الكبير.

وأوضح أنه في يناير 2021 جرى توحيد سعر الصرف من خلال تخفيض كبير لقيمة الدينار وربطه عند 0.1555 من حقوق السحب الخاصة للدينار، ما أدى إلى تقليص الفجوة بين السعر الرسمي والموازي بصورة واضحة.

وقال إنه لذلك لا يصح القول إن قرار 2021 أنتج بذاته تضخماً منفلتاً.

وأوضح أن جزءاً كبيراً من السلع كان قد بدأ يُسعّر أصلاً على أساس تكلفة الإحلال وسعر السوق الموازية قبل التخفيض، ولذلك كان انتقال أثر التخفيض إلى الأسعار أقل مما قد توحي به الحسابات النظرية البحتة.

لكنه طرح سؤالاً بشأن مدى استدامة سعر الصرف الذي جرى اعتماده في 2021، قائلاً: «هل كان سعر 2021 سعراً توازناً مستداماً، أم مجرد السعر الذي أمكن عنده توحيد السوق في تلك اللحظة وتحت تلك الظروف المالية والنقدية؟».

وأضاف أن نجاح القرار في إغلاق الفجوة في 2021 لم يكن ضمانة لبقائها مغلقة إذا عاد الإنفاق والسيولة إلى التوسع بصورة أسرع من قدرة الاقتصاد على توليد النقد الأجنبي.

وتناول حسني بي عام 2022 والربع الأول من 2023، موضحاً أن هناك تصحيحاً مهماً يتعلق بالفائض الذي أشار إليه سابقاً والمقدر بنحو 8 مليارات دولار.

وقال إن هذا الفائض يجب ربطه بالقوة المالية والخارجية خلال عام 2022 والربع الأول من 2023، وليس بعام 2023 كاملاً، مشيراً إلى أن الفرق مهم.

ووفقاً لما أورده حسني بي نقلاً عن بيانات صندوق النقد، حققت ليبيا في 2022 فائضاً مالياً استثنائياً بلغ نحو 49.1 مليار دينار، أي ما يقارب ربع الناتج المحلي.

وأضاف أن الفائض السنوي في 2023 انخفض إلى نحو 17.4 مليار دينار، أي قرابة 8% من الناتج.

وقال إن ذلك يعني أن ليبيا دخلت 2023 بعد سنة مالية قوية جداً، واستمرت في وضع مريح نسبياً خلال الجزء الأول من 2023.

ورأى أن تلك الفترة شكلت نافذة فرصة كان يمكن استخدامها لتعزيز الانضباط النقدي، وامتصاص فائض السيولة، وتحسين التنسيق بين السياسة النقدية والمالية، وبناء إطار أكثر استدامة لمواجهة الضغوط المستقبلية.

وطرح سؤالاً على الكتاب قائلاً: «هل استُخدمت هذه الفرصة بالقدر الكافي؟».

وفي ما يتعلق بعام 2023، قال حسني بي إن التناقض أصبح أوضح مع نهاية العام، إذ تراجع الفائض المالي السنوي بصورة كبيرة، بينما ارتفع الإنفاق، والأهم من ذلك أن عرض النقود توسع بمعدل استثنائي.

وأوضح أن عرض النقود الواسع ارتفع بنحو 28% خلال 2023 وفق بيانات صندوق النقد.

وقال إن هذه هي النقطة الأهم، وليس رقم الفائض الذي نُسب خطأً سابقاً إلى 2023.

وأضاف أن المشكلة لم تكن فقط أن ليبيا «تفتقر إلى الدولارات»، بل كانت، بحسب طرحه، في الجمع بين توسع مالي مستمر، ونمو سريع في السيولة بالدينار، وسعر صرف رسمي ثابت لا يمكن عنده توفير الدولار بلا حدود.

وأشار إلى أن صندوق النقد أشار إلى أن طفرة الإنفاق في 2023 رفعت الطلب على النقد الأجنبي وضغطت على سعر الصرف، وأن الفجوة بين الرسمي والموازي بدأت تتسع مجدداً منذ أواخر 2023 ووصلت إلى مستويات كبيرة بحلول مارس 2024.

وقال حسني بي إن الصورة، وفق هذا الطرح، تتمثل في أن المشكلة لم تكن مجرد نقص في الدولار، بل عدم التناسب بين حجم السيولة بالدينار وبين كمية الدولار التي تستطيع السلطات توفيرها بالسعر الرسمي السائد.

وعن مطلع 2024، قال إن المصرف المركزي شدد في بداية العام القيود على الاعتمادات وخفض حدود مشتريات الأفراد من النقد الأجنبي، مضيفاً أن ذلك ساهم في اتساع إضافي للفجوة بين الرسمي والموازي.

ثم أشار إلى فرض رسم مؤقت بنسبة 27% على مشتريات النقد الأجنبي.

وقال إن صندوق النقد ربط هذا الإجراء بالضغوط الناتجة عن التوسع المالي والطلب المفرط على الدولار والضغط على الاحتياطيات، واعتبر الرسم حلاً ثانياً أقل جودة من العلاج الأصلي.

وطرح حسني بي أحد أهم الأسئلة التي يرى أنها تستحق الطرح عند تقييم تلك المرحلة: «إذا كان أصل الاختلال هو توسع الإنفاق والسيولة بالدينار بما يتجاوز قدرة الاقتصاد على توفير الدولار بالسعر الرسمي، فهل كان الحل الأفضل فرض رسم 27% على طالب الدولار؟ أم كان الأجدى منع تراكم الاختلال المالي والنقدي من الأصل؟».

وأضاف أن الرسم ربما يكون مفهوماً كإجراء طارئ، لكنه لا ينبغي أن يُخلط بينه وبين وجود إطار نقدي ناجح ومستدام.

وفي ما وصفه بالسجل المؤسسي الأوسع، قال حسني بي إن التقييم الكامل لفترة الصديق عمر الكبير يجب ألا يقتصر على سعر الصرف وحده.

وأشار إلى نجاحات قال إنه يجب الاعتراف بها، ومنها الحفاظ على احتياطيات أجنبية كبيرة، واستمرار منظومة المدفوعات والوصول إلى النقد الأجنبي في ظروف حرب وانقسام، وتنفيذ قرار توحيد سعر الصرف في 2021، وتحسين بعض جوانب الرقابة المصرفية والتقارير، والمساهمة لاحقاً في عملية إعادة توحيد المصرف المركزي.

وفي المقابل، أشار إلى نقاط ضعف قال إنها كانت واضحة، ومنها استمرار الانقسام المؤسسي لفترة طويلة، وضعف الحوكمة ومجلس الإدارة، والاعتماد المفرط على القيود الإدارية، والتأخر في تعديل سعر الصرف، وضعف أدوات السياسة النقدية وإدارة السيولة، وعودة الفجوة بين الرسمي والموازي أكثر من مرة، وعدم القدرة على منع تحول نمو السيولة إلى ضغط متكرر على سوق النقد الأجنبي.

وقال إن عبارة «المصرف حافظ على الاحتياطيات» لا تكفي كحكم نهائي على تلك المرحلة.

وطرح السؤال: «هل كان النظام النقدي يصبح أكثر صلابة مع مرور الوقت، أم كان يعود باستمرار إلى الحلقة نفسها: قيود، فجوة، ريع، ضغط، رسوم، ثم تخفيض جديد؟».

وفي ختام مقاله، قال حسني بي إنه لا يكتب للتقليل من أهمية الكتاب المرتقب، بل على العكس، معتبراً أن صدوره يفتح باباً مهماً لنقاش اقتصادي موثق حول واحدة من أكثر مراحل السياسة النقدية حساسية في تاريخ ليبيا الحديث.

وأوضح أنه لا يزعم أن محافظ مصرف مركزي يستطيع منفرداً السيطرة على اقتصاد عانى من صراع مسلح، وانقسام سياسي، وإغلاقات نفطية، وحكومات متنافسة، وإنفاق عام منفلت، ومؤسسات مجزأة.

وقال إن تحميل المصرف المركزي وحده مسؤولية كل النتائج الاقتصادية لن يكون عادلاً ولا سليماً تحليلياً.

لكنه أضاف أن العكس أيضاً غير مقبول، موضحاً أن الظروف السياسية لا ينبغي أن تتحول إلى مبرر يعفي السياسة النقدية من تقييم نتائجها.

وقال إن المصرف المركزي ليس خزنة هدفها جمع أكبر كمية ممكنة من الدولارات.

وأضاف أن الاحتياطيات مهمة، لكن المهم أيضاً هو القوة الشرائية للدينار، وحجم عرض النقود، والفجوة بين السعر الرسمي والسوقي، وسلامة القطاع المصرفي، والوصول إلى السيولة، والقدرة على منع تحول التوسع المالي إلى عدم استقرار نقدي.

وختم حسني بي بالقول إن الأسئلة الأهم التي يتمنى أن يجيب عنها الكتاب ليست فقط: «كيف أدار مصرف ليبيا المركزي الأزمة؟»، بل أيضاً: «ما القرارات التي اتخذها؟ ما تكلفتها؟ ما البدائل التي كانت متاحة؟ لماذا لم تتحول فرصة 2022 وبداية 2023 إلى مرساة نقدية أكثر استدامة؟ لماذا تسارع نمو عرض النقود بهذه القوة في 2023؟ لماذا عادت فجوة سعر الصرف إلى الاتساع؟ ولماذا انتهى النظام إلى فرض رسم 27% في 2024؟».

وقال في ختام منشوره: «التاريخ الاقتصادي لا يكتبه صناع القرار وحدهم، ولا منتقدوهم وحدهم. يكتبه الدليل، وتسلسل القرارات، والأرقام».

The post من أزمة 2014 إلى رسم «النقد الأجنبي» عام 2024.. كتاب جديد يفتح ملف السياسة النقدية في ليبيا appeared first on عين ليبيا | آخر أخبار ليبيا.