يشهد نظام الدفاع الجوي الأمريكي “باتريوت” ارتفاعًا حادًا في الطلب خلال عام 2026، في وقت تتراجع فيه مخزونات الصواريخ الاعتراضية لدى الولايات المتحدة وعدد من الدول الحليفة، نتيجة الاستخدام المكثف للمنظومة في الحرب الأوكرانية والتصعيد العسكري في الشرق الأوسط.
وتسعى أوكرانيا بصورة عاجلة للحصول على مزيد من صواريخ “باتريوت” الاعتراضية، بعدما أصبحت المنظومة واحدة من أهم وسائل الدفاع الجوي التي تعتمد عليها في مواجهة الهجمات الصاروخية.
وبحسب وكالة “رويترز”، فإن الضغوط على مخزونات هذه الصواريخ لا تقتصر على أوكرانيا، إذ ساهمت الحرب مع إيران في استنزاف ترسانات الولايات المتحدة ودول الخليج، فيما تحتفظ بعض الدول الأوروبية بمخزونات من الصواريخ التي تحتاج إليها هي الأخرى للحفاظ على قدراتها الدفاعية.
ويعود استخدام “باتريوت” في العمليات القتالية إلى حرب الخليج عام 1991، قبل أن تخضع المنظومة لعقود من التطوير والتحديث لتوسيع نطاق قدراتها وتحسين قدرتها على التعامل مع أنواع مختلفة من التهديدات الجوية والصاروخية.
ما هو نظام باتريوت؟
“باتريوت” هو اختصار لعبارة Phased Array Tracking Radar for Intercept on Target، وهو نظام دفاع جوي وصاروخي أرض-جو متنقل، طورته وصنعته شركة رايثيون الأمريكية.
وصُممت المنظومة للعمل في مختلف الظروف الجوية، مع قدرة على التعامل مع أهداف على مسافات بعيدة نسبيًا، فيما خضعت منذ تطويرها في ثمانينيات القرن الماضي إلى سلسلة واسعة من عمليات التحديث التي وسعت قدراتها التشغيلية.
ومن المقرر أن تستمر منظومة “باتريوت” في الخدمة حتى عام 2048، في مؤشر على استمرار اعتماد الولايات المتحدة وحلفائها عليها بوصفها أحد العناصر الرئيسية في منظومات الدفاع الجوي والصاروخي.
وتتكون بطارية “باتريوت” النموذجية من مجموعة من المكونات، تشمل أنظمة الرادار والتحكم، ووحدة للطاقة، وقاذفات الصواريخ، إلى جانب مركبات الدعم والمعدات المرتبطة بالتشغيل.
وتختلف قدرة المنظومة على اعتراض الأهداف بحسب نوع الصاروخ الاعتراضي المستخدم، إذ تستطيع التعامل مع الطائرات والصواريخ الباليستية التكتيكية وصواريخ كروز.
كيف يعمل باتريوت وما الفرق بين صواريخه؟
لا يعمل “باتريوت” بقدرة واحدة ثابتة، بل تختلف إمكاناته وفق نوع الصاروخ الاعتراضي الذي تستخدمه البطارية.
ويعتمد صاروخ PAC-2، وهو من الإصدارات السابقة، على رأس حربي متفجر ينفجر بالقرب من الهدف بهدف تدميره.
في المقابل، تعتمد عائلة صواريخ PAC-3 على تقنية تعرف باسم “الضربة القاتلة”، إذ يصطدم الصاروخ الاعتراضي مباشرة بالهدف لتدميره بطاقة الاصطدام، بدل الاعتماد بصورة أساسية على انفجار رأس حربي بالقرب منه.
وتتولى شركة لوكهيد مارتن تصنيع النسخة الأكثر تطورًا من عائلة PAC-3، وهي PAC-3 MSE، التي صُممت لاعتراض مجموعة واسعة من التهديدات.
ويمكن لهذه المنظومة التعامل مع الصواريخ الباليستية بعيدة المدى، وصواريخ كروز، والطائرات، إضافة إلى الصواريخ التي تفوق سرعتها سرعة الصوت.
نسخة جديدة من PAC-3
وفي يوليو 2026، كشفت شركة لوكهيد مارتن عن نظام اعتراض جديد يحمل اسم PAC-3 المعدل، أو ACE.
وقالت الشركة إن النظام الجديد سيكلف نحو نصف تكلفة الأنظمة الأخرى، مع الحفاظ على قدرته على التعامل مع الصواريخ الباليستية قصيرة المدى والطائرات وصواريخ كروز.
ويأتي تطوير هذا النظام في وقت تواجه فيه الولايات المتحدة وحلفاؤها طلبًا متزايدًا على صواريخ “باتريوت”، بالتزامن مع الحاجة إلى رفع معدلات الإنتاج وتعويض المخزونات التي تراجعت بفعل الاستخدام المتكرر للمنظومة.
ما قدرات رادار باتريوت؟
يعد الرادار أحد العناصر الأساسية في منظومة “باتريوت”، إذ يوفر المعلومات اللازمة لاكتشاف الأهداف وتعقبها وتوجيه عمليات الاعتراض.
وذكر حلف شمال الأطلسي “الناتو” في عام 2015 أن مدى رادار المنظومة يتجاوز 150 كيلومترًا، أي نحو 93 ميلًا، وأنه يستطيع تتبع ما يصل إلى 100 هدف محتمل في الوقت نفسه.
ومع ذلك، تحرص الدول التي تستخدم المنظومة على إبقاء تفاصيل عدد الأهداف التي دمرتها صواريخ “باتريوت” طي الكتمان، ما يجعل المقارنة الدقيقة بين معدلات نجاح المنظومة في مختلف النزاعات أمرًا صعبًا.
أين تنتشر منظومة باتريوت؟
انتشرت منظومة “باتريوت” على نطاق واسع بين الولايات المتحدة وحلفائها، وأصبحت جزءًا أساسيًا من القدرات الدفاعية الجوية والصاروخية في عدد من الدول.
ووفق شركة رايثيون، صنعت الشركة وسلمت أكثر من 240 وحدة إطلاق نار من منظومة “باتريوت”، بينما أنتجت رايثيون ولوكهيد مارتن معًا آلاف الصواريخ الاعتراضية.
وتستخدم 19 دولة حاليًا منظومة “باتريوت”، بحسب بيانات رايثيون، وتشمل القائمة الولايات المتحدة وألمانيا وبولندا وأوكرانيا واليابان وقطر والسعودية ومصر.
كما تمتلك 16 دولة أحدث صواريخ PAC-3 MSE، فيما طلبت ما بين 6 و8 دول صواريخ إضافية بهدف تعويض النقص في مخزوناتها.
لماذا نفدت الإمدادات؟
يرتبط تراجع مخزونات صواريخ “باتريوت” بزيادة الاستخدام خلال السنوات الأخيرة، ولا سيما في الحرب الأوكرانية والتطورات العسكرية في الشرق الأوسط.
وتحتاج أوكرانيا بصورة عاجلة إلى مزيد من صواريخ الاعتراض لحماية مدنها ومنشآتها من الهجمات الصاروخية، بينما أدى الاستخدام المكثف للمنظومة في الشرق الأوسط إلى زيادة الضغط على مخزونات الولايات المتحدة ودول الخليج.
وفي الوقت نفسه، تواجه الدول الأوروبية معادلة أكثر تعقيدًا، إذ تحتاج إلى إرسال صواريخ ومعدات إلى أوكرانيا، لكنها مطالبة أيضًا بالحفاظ على مستوى كافٍ من مخزوناتها الخاصة للدفاع عن أراضيها.
ويعني ذلك أن المشكلة لا تتعلق فقط بامتلاك منصات إطلاق “باتريوت”، بل أيضًا بتوافر الصواريخ الاعتراضية اللازمة لتشغيلها في ظروف الحرب والاستنزاف المستمر.
كم تبلغ تكلفة منظومة باتريوت؟
تعد منظومة “باتريوت” من أكثر أنظمة الدفاع الجوي تكلفة في العالم.
ووفق مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية “CSIS”، تتجاوز تكلفة بطارية “باتريوت” الجديدة مليار دولار.
وتشمل هذه التكلفة نحو 400 مليون دولار للنظام نفسه، إضافة إلى نحو 690 مليون دولار للصواريخ الموجودة ضمن البطارية.
أما صاروخ PAC-3 الاعتراضي، فتتراوح تكلفته التقديرية بين 4 ملايين و5 ملايين دولار للصاروخ الواحد.
وتكشف هذه الأرقام حجم العبء المالي الناتج عن الاستخدام المكثف للصواريخ الاعتراضية، خصوصًا عندما تواجه دولة ما هجمات متكررة تتطلب إطلاق عدد كبير من الصواريخ في فترة زمنية قصيرة.
من يطلب المزيد من صواريخ باتريوت؟
تتحرك الولايات المتحدة وحلفاؤها لتعويض المخزونات المتراجعة وزيادة الإنتاج، في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى صواريخ الاعتراض.
ووافقت الولايات المتحدة على بيع 5250 صاروخًا اعتراضيًا إلى البحرين والكويت وقطر والإمارات العربية المتحدة بهدف إعادة تموين مخزوناتها.
كما تواصل واشنطن محادثاتها بشأن إمكانية السماح لأوكرانيا بتصنيع صواريخ “باتريوت” الاعتراضية، رغم أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب شكك في جدوى الصفقة، وفق مصادر مطلعة على المناقشات.
وتشمل المفاوضات خيارًا يسمح لأوكرانيا بتصنيع بعض مكونات الصواريخ، على أن تجري عملية التجميع النهائي في موقع آخر داخل أوروبا.
وتكشف هذه المفاوضات عن حجم التحدي الذي تواجهه الدول المستخدمة للمنظومة، إذ لم يعد تأمين صواريخ إضافية مرتبطًا بالشراء المباشر فقط، بل بات يشمل أيضًا توسيع قدرات التصنيع والإنتاج داخل دول الحلفاء.
الولايات المتحدة ترفع إنتاج صواريخ الاعتراض
وفي إطار مساعي زيادة الإنتاج، منح الجيش الأمريكي شركة لوكهيد مارتن خلال الشهر الماضي عقدًا تصل قيمته إلى 58.6 مليار دولار لإنتاج صواريخ “باتريوت” الاعتراضية.
ويأتي العقد في وقت تسعى فيه الولايات المتحدة إلى التعامل مع الطلب المتزايد على المنظومة، وتعويض الصواريخ التي استُخدمت في النزاعات الأخيرة، إضافة إلى الحفاظ على مخزونات كافية لدى القوات الأمريكية والحلفاء.
وتضع هذه التطورات “باتريوت” في قلب معادلة الدفاع الجوي العالمية، إذ تتزايد الدول التي تعتمد عليه في مواجهة الصواريخ والطائرات، بينما يواجه المصنعون تحديًا يتمثل في زيادة الإنتاج بالسرعة التي تتناسب مع ارتفاع الطلب.
وتشير أزمة المخزونات إلى أن امتلاك نظام دفاع جوي متطور لا يضمن وحده قدرة مستمرة على مواجهة الهجمات، إذ تحتاج هذه الأنظمة إلى تدفق متواصل من الصواريخ الاعتراضية، وهي ذخائر مرتفعة التكلفة وتستغرق صناعتها وقتًا وقدرات إنتاجية كبيرة.
وفي ظل استمرار الحرب في أوكرانيا والتصعيد العسكري في الشرق الأوسط، باتت صواريخ “باتريوت” من أكثر الأسلحة المطلوبة عالميًا، بينما تحاول الولايات المتحدة وحلفاؤها تحقيق توازن بين دعم الدول التي تخوض حروبًا فعلية والحفاظ على قدراتهم الدفاعية ومخزوناتهم الاستراتيجية.
The post من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط.. لماذا تنفد «صواريخ باتريوت» حول العالم؟ appeared first on عين ليبيا | آخر أخبار ليبيا.

