مكمن الخطر أن يضحى “التكيف مع الواقع” منهجاً دائماً لإدارة الأزمة، فتغدو الحالة الانتقالية وضعاً مستداماً بدلاً من أن تكون جسراً إلى الدولة، وتلك هي المقاربة التي تصر بعثة الأمم المتحدة على تكريسها في المشهد الليبي. فبدلاً من السعي الجاد نحو بناء دولة ذات مؤسسات موحدة وشرعية واحتكار مشروع وأحادي لقوة القانون، تنزلق العملية السياسية، في كافة مبادراتها الأممية والدولية المتلاحقة، إلى مربع إدارة الانقسامات، وتوزيع الموارد المالية، واحتواء الأزمات الخدمية، وبناء تفاهمات أمنية عابرة ومؤقتة. وهكذا يُتعامل باستمرار مع أعراض التفكك المؤسسي عبر “تسويات المقاسمات” والتلفيقات السياسية، بينما تظل الأسباب البنيوية العميقة للأزمة قائمة دون مساس. إن هذه “الواقعية” الأممية والدولية المفرطة ما كان لها يوماً أن تقود إلى صناعة دولة حقيقية، إذ هي في جوهرها ليست أكثر من آلية مستحدثة للتعايش المنظم مع غيابها.
تتجلى هذه الإشكالية البنيوية بوضوح جلي في الإحاطات الأممية المتعاقبة أمام مجلس الأمن الدولي، والتي كان آخرها الإحاطة التي قدمتها المبعوثة الأممية حول تطورات الانسداد السياسي. لم تخرج هذه الإحاطات عن السقف التقليدي للممارسات السابقة، حيث تكتفي بالتقارير الدورية وصياغة التوصيات التي تلامس القشور دون النفاذ إلى جذور المشكلة الوطنية، وما آخِرُ ذلك إلا التوسع في إطلاق أطر شكلية مثل “الحوار المهيكل” واللجان الاستشارية والمجالس الفنية المتلاحقة. تُطرح هذه التشكيلات تحت شعارات براقة بدعوى توسيع قاعدة المشاركة السياسية والمجتمعية، لكنها تنكشف في التطبيق العملي عن افتقار شديد للمعاير العادلة والدقيقة في الاختيار، وتهميش صريح للفاعلين الحقيقيين وأصحاب الوزن الثقيل على الأرض. إن هذا النمط الإداري العقيم يكرس دوران البلاد في حلقة مفرغة من المقترحات الصورية والحلول الجزئية، مع التغاضي التام عما يريده الليبيون بالفعل لتأسيس استقرار دائم.
إن ما ينشده الشعب الليبي اليوم ليس مسكنات سياسية عابرة، ولا إعادة تدوير لطرق إدارة الأزمات، بل قيام دولة موجّهة بعقد اجتماعي متين وشامل، يتجسد في دستور دائم يحدد بوضوح لا يدع مجالاً للـتأويل طبيعة العلاقة بين الحاكم والمحكوم، ويرسم حدود السلطات، ويضمن الفصل بينها، وذلك كله تحت رعاية وإشراف أممي يضمن النزاهة والالتزام. تتأسس ليبيا تاريخياً وجغرافياً واجتماعياً على ثلاثة أقاليم جذرية هي برقة وطرابلس وفزان. ومن هذا المنطلق، فإن المخرج الفعلي والوحيد من حالة التيه السياسي يكمن في إفراز ممثلين شرعيين وحقيقيين لليبيين عبر صندوق الاقتراع والانتخابات المباشرة داخل كل إقليم على حدة، بحيث يتحمل كل إقليم مسؤولية خياراته الوطنية وممثليه في صياغة المشهد العام، بدلاً من سياسة فرض اللجان المعينة والمسارات المفروضة من الخارج والتي تفتقر لأدنى درجات الشرعية الشعبية.
وعلى صعيد المسار العسكري والأمني، أثبتت التجارب واللجان المتعاقبة أن تسوية هذا الملف الحساس لن تؤدي إلى أي نتائج ملموسة ما دامت البيئة السياسية والإعلامية محكومة بلغة التخوين واستبعاد الآخر. تتضح المعالم الحقيقية للواقع الميداني في إقليَمي برقة وفزان، حيث تقف القيادة العامة للمؤسسة العسكرية والأمنية كطرف موحد وفاعل يمتلك زمام المبادرة والقدرة التنفيذية، ويخوض الحوار السياسي بقرار متماسك وكلمة حاسمة. وفي المقابل، يبرز التحدي الأكبر في المنطقة الغربية (إقليم طرابلس)، حيث يعاني المشهد من تشتت المرجعيات وغياب طرف سياسي أو عسكري موحد يمثل الإقليم بشكل شرعي وشامل ليجلس على طاولة التفاوض بحجم وتأثير متكافئين، وهو ما يعطل التوصل إلى أي حسم أمني أو سياسي متوازن على مستوى البلاد ككل.
يزيد من تعقيد هذا المشهد حالة التضارب الناتجة عن دخول المبادرات الدولية الموازية على خط الأزمة، وفي مقدمتها التحرك الأمريكي الأخير عبر مبادرة مسعد بولس، والتي حاولت تقديم رؤى اقتصادية وسياسية لتقاسم السلطة وإدارة الموارد. ورغم أن هذه المبادرة وجدت تجاوباً وقبولاً مبدئياً من قبل القيادة العامة رغبة منها في دعم أي مسار يؤدي إلى استقرار المؤسسات وتوحيدها، إلا أنها اصطدمت برفض قاطع وتحفظ شديد في إقليم طرابلس، وتحديداً من القوى النافذة في مصراتة والزاوية. يبرهن هذا الرفض مجدداً على أن مبادرات الإسقاط الفوقي المصممة بعيداً عن الفهم العميق لطبيعة الأقاليم وتوازناتها لن تكون قادرة على الصمود أو تحقيق اختراق حقيقي.
لقد بدا جلياً أنه قد حان الوقت لبعثة الأمم المتحدة كي تتخلى عن نهج التكيف مع الوضع القائم وتسويغ الأمر الواقع، وأن تتخذ موقفاً حازماً وقطيعة كاملة مع المبادرات الشكليّة التي تكرر تجارب الفشل السابقة. إن الطريق الوحيد لإنقاذ العملية السياسية يمر عبر الاعتراف الصريح بالتكوين التاريخي والسياسي للبلاد، والتأسيس لشرعية دستورية نابعة من الإرادة المباشرة لأقاليم ليبيا الثلاثة عبر ممثليهم المنتخبين. وبدون هذا التحول المبدئي، ستظل الإحاطات الأممية والخطط الدولية مجرد وثائق إضافية تُودع في أرشيف إدارة الأزمات، بدلاً من أن تكون خطوة فعلية نحو إنهائها وإعادة بناء الدولة.
The post من إدارة الأزمة إلى إعادة بناء الدولة.. قراءة في المبادرات الأممية ورهان الأقاليم الثلاثة appeared first on عين ليبيا | آخر أخبار ليبيا.
