في خطوة يصفها باحثون بأنها قد تمثل نقطة تحول في مستقبل الطب العصبي، أعلنت شركة “ميتا” تطوير نظام جديد يعتمد على الذكاء الاصطناعي يستطيع ترجمة النشاط الدماغي مباشرة إلى نصوص مكتوبة، في إنجاز علمي يمنح أملًا واسعًا لملايين الأشخاص الذين فقدوا القدرة على الكلام أو التواصل نتيجة الشلل أو الأمراض العصبية.
ويحمل النظام الجديد اسم “برين تو كويرتي 2″، ويعتمد على تحليل الإشارات الصادرة عن الدماغ وتحويلها إلى كلمات وجمل مفهومة، بما يتيح للمريض التعبير عما يفكر فيه دون الحاجة إلى الكلام أو الحركة أو حتى الخضوع لعمليات جراحية لزراعة شرائح إلكترونية داخل الدماغ.
وأكدت “ميتا” أن المشروع لا يزال في مراحله البحثية الأولى، إلا أن نتائجه الحالية تعكس تقدمًا كبيرًا في مجال واجهات الدماغ والحاسوب، وقد تفتح الطريق أمام وسائل تواصل جديدة للمصابين بفقدان القدرة على الكلام، ومتلازمة الانحباس، والتصلب الجانبي الضموري، وغيرها من الأمراض العصبية التي تحرم المرضى من القدرة على التواصل مع من حولهم.
وقالت الشركة في بيانها: “نعتقد أن هذا البحث لديه القدرة على إحداث فرق حقيقي لملايين الأشخاص الذين يعانون من آفات دماغية تمنعهم من التواصل”.
وأعلنت “ميتا” أيضًا إتاحة الشيفرة البرمجية الخاصة بالنظام الجديد، إلى جانب الإصدار السابق، بصورة مجانية، في خطوة تستهدف تسريع الأبحاث العلمية وتمكين الباحثين حول العالم من تطوير هذه التقنية والاستفادة منها في ابتكار حلول علاجية أكثر تقدمًا.
ولتطوير النظام، تعاون فريق البحث مع مركز متخصص في أبحاث الإدراك والدماغ واللغة في مدينة سان سيباستيان الإسبانية، حيث شارك تسعة متطوعين أصحاء تراوحت أعمارهم بين 25 و56 عامًا في سلسلة من التجارب العلمية. وكتب المشاركون أكثر من 2500 جملة خلال عشر جلسات، بينما جرى تسجيل النشاط الدماغي لديهم باستخدام تقنية تصوير عصبي متقدمة غير جراحية تقيس الإشارات المغناطيسية الصادرة عن الدماغ.
واستُخدمت هذه البيانات لتدريب النظام على الربط بين النشاط الدماغي والكلمات التي يكتبها المشاركون، وهو ما مكّن الذكاء الاصطناعي من تعلم كيفية تحويل الإشارات العصبية إلى نصوص مفهومة.
وأظهرت النتائج تحقيق النظام الجديد دقة بلغت 78 في المئة على مستوى الكلمات، ما يعني أن أكثر من نصف الجمل التي أنتجها احتوت على خطأ لغوي واحد أو أقل، مقارنة بالإصدار السابق الذي بلغت دقته 48 في المئة فقط، وهو ما يمثل تطورًا كبيرًا في كفاءة التقنية.
وأشار الباحثون إلى أن أداء النظام يتحسن كلما ازدادت كمية البيانات المستخدمة في تدريبه، ما يعزز التوقعات بإمكانية الوصول إلى مستويات أعلى من الدقة مع استمرار الأبحاث وتوسيع نطاق التجارب.
وأضاف فريق البحث: “إذا أصبح التدريب الموسع على بيانات النشاط الدماغي غير الجراحية قادرًا على إلغاء الحاجة إلى الجراحة العصبية، فإن ذلك سيمثل تحولًا جذريًا في رعاية المرضى”.
ويعمل النظام عبر ثلاث مراحل متتابعة، تبدأ بتحويل إشارات الدماغ إلى رموز تمثل الأحرف، ثم إعادة ترتيب هذه الأحرف لتكوين كلمات، قبل أن يتولى نموذج لغوي متطور تحويل الكلمات إلى جمل مترابطة وسليمة لغويًا، بما يجعل النص النهائي مفهومًا وقريبًا من اللغة الطبيعية.
وللمرة الأولى، ينجح الباحثون في توظيف نموذج لغوي كبير لتحويل النشاط الدماغي غير المنتظم إلى عبارات وجمل متماسكة، وهو إنجاز يُتوقع أن يدعم مستقبل أبحاث واجهات الدماغ والآلة ويقرب العلماء من تطوير وسائل تواصل تعتمد على التفكير فقط.
كما يعتمد النظام على مجموعة من وكلاء الذكاء الاصطناعي القادرين على تحسين أدائه بصورة ذاتية، إذ يعيدون تعديل البنية البرمجية باستمرار لاكتشاف نماذج أكثر كفاءة، وهو ما ساهم في خفض نسبة الأخطاء وتحسين دقة النتائج بصورة ملحوظة.
هذا ويشهد مجال واجهات الدماغ والآلة تطورًا متسارعًا خلال السنوات الأخيرة، مع سعي المؤسسات البحثية وشركات التكنولوجيا إلى ابتكار وسائل غير جراحية تساعد المرضى الذين فقدوا القدرة على الحركة أو الكلام على استعادة التواصل مع محيطهم، فيما يمثل الذكاء الاصطناعي أحد أبرز الأدوات التي يعول عليها العلماء لتحقيق هذا الهدف خلال السنوات المقبلة.
The post من التفكير إلى الكتابة.. ميتا تكشف تقنية ستغير حياة «ملايين المرضى» appeared first on عين ليبيا آخر أخبار ليبيا.

