تتسارع التحركات السياسية في ليبيا وسط محاولات لإعادة ترتيب العلاقات الإقليمية والدولية، وتباين المواقف بشأن دور البعثة الأممية، واستمرار الخلافات بين الأجسام التشريعية والسياسية حول مخرجات لجان التوافق ومسار توحيد المؤسسات، وفي موازاة ذلك، تبرز ملفات السيادة البحرية والعلاقة مع تركيا، والتحركات الأمريكية، والصراع على إدارة المؤسسات المالية وإيرادات النفط، إلى جانب تشريعات الخدمة الوطنية، باعتبارها مؤشرات على طبيعة المرحلة المقبلة وما قد تحمله من تفاهمات أو تعقيدات جديدة.
وفي قراءة لهذه التطورات، تناول المحلل السياسي والأستاذ الجامعي الدكتور أحمد الأشهب، في تصريح لشبكة «عين ليبيا»، دلالات مصادقة مجلس النواب على مذكرة التفاهم البحرية مع تركيا وإلغاء قرارات المقاطعة الصادرة عام 2020، وانعكاسات تمديد ولاية البعثة الأممية ومواقف القوى الدولية، فضلاً عن الخلافات السياسية والتحركات الأمريكية، ومستقبل المصرف المركزي، وإقرار قانون الخدمة الوطنية.
مذكرة التفاهم البحرية.. تحول في موقف مجلس النواب وتقارب مع أنقرة
وفي تعليقه على مصادقة مجلس النواب على مذكرة التفاهم البحرية الموقعة بين ليبيا وتركيا منذ سنوات، اعتبر الأشهب أن هذه الخطوة مهمة، على الأقل من ناحية اقتناع البرلمان حالياً بمضمون المذكرة واعتبارها ذات مصلحة ليبية جيدة في هذه المنطقة.
وأوضح أن موقف مجلس النواب قد يمثل تحولاً إلى حد ما، ورغبة في إقامة علاقات جيدة مع تركيا، خاصة في ظل مرور العلاقات بين المنطقة الشرقية ومصر بمرحلة قد لا يسودها الوفاق، مشيراً إلى أن اقتناع البرلمان بأهمية المذكرة وقيمتها بالنسبة إلى ليبيا يمثل تطوراً في هذا الملف.
ولفت إلى أن هذه الخطوة قوبلت بردود أفعال مختلفة، لا سيما من مصر واليونان وعدد من الدول الأوروبية والاتحاد الأوروبي، إلا أنه لا يعتقد أن تلك المواقف تعني بالضرورة عدم انتقال المذكرة إلى مرحلة التنفيذ.
وأضاف أن التعامل مع اعتراضات الأطراف التي انتقدت المذكرة واعتبرتها معدومة الأثر، كما قالت مصر واليونان، يمكن أن يتم عبر المسار الدبلوماسي والتوافق مع هذه الدول بصورة أو بأخرى، أو اللجوء إلى القضاء الدولي لمعالجة الخلاف، بحيث تقدم كل دولة مستنداتها الجغرافية والتاريخية والقانونية، ويُفصل في الأمر كما حدث في قضايا أخرى مشابهة.
وأشار الأشهب إلى أن تركيا بات لها حضور كبير في المنطقة الشرقية، كما هو الحال في المنطقة الغربية، وتعمل على تحقيق التوافق بين الأطراف ومعالجة عدد من القضايا العالقة بينها، وربما الوصول إلى حلول مناسبة للطرفين الرئيسيين المتنازعين، وهما القيادة العامة في الشرق وحكومة الوحدة الوطنية في الغرب.
ورأى أن الجهود بدأت بالمؤسسة العسكرية والعمل على توحيدها، إلى جانب المؤسسة المالية، معتبراً أن نجاح هاتين الخطوتين قد يفتح المجال أمام التفاهم بشأن الاتفاق السياسي وتشكيل حكومة ليبية موحدة.
تمديد البعثة الأممية.. تباين دولي في قراءة دورها
وبشأن قرار مجلس الأمن تمديد ولاية البعثة الأممية في ليبيا، اعتبر الأشهب أن امتناع روسيا واليونان عن التصويت يعكس مواقف مختلفة، ويمكن فهم دوافع كل منهما في ضوء الملفات القائمة.
وأوضح أنه يمكن تفهم الموقف اليوناني بالنظر إلى الإشكالية المرتبطة بمذكرة ترسيم الحدود البحرية في البحر المتوسط، مشيراً إلى أن اليونان قد تنظر إلى استمرار البعثة الأممية باعتبارها قامت بخطوات جيدة نحو التوصل إلى اتفاق بين الأطراف الليبية، وربما ترى أن استمرار حالة الانقسام والصراعات بين الشرق والغرب قد يكون في مصلحتها.
وأضاف أن استمرار الانقسام قد يحول دون تمكن ليبيا من الاستفادة من مذكرة التفاهم البحرية، إذ تظل الأطراف الليبية في حالة انقسام كامل تمنعها من الاتفاق على كيفية الاستفادة منها والتوافق مع تركيا، لعدم وجود طرف واحد يمثل الدولة الليبية بصورة تمكنه من ترسيخ حضورها في مثل هذه القضايا، خاصة ما يتعلق بترسيم الحدود البحرية.
وشدد على أن معالجة هذه الملفات ينبغي أن تستند إلى القانون الدولي والاتفاقيات الدولية والأحكام الصادرة عن المحاكم الدولية، التي يمكن الاستناد إليها والعمل على منوالها، معتبراً أن اللجوء إلى القضاء الدولي قد يكون الخيار الأنسب في هذه الحالة.
أما بشأن الموقف الروسي، فأشار الأشهب إلى احتمال أن يكون امتناع موسكو نابعاً من اعتقادها بأن البعثة الأممية تنفذ أجندة غير محايدة، وربما تتأثر بطرف دولي معين وتدعم مشروعه في ليبيا، وهو ما يجعل الروس، وفق قراءته، غير متحمسين لاستمرار البعثة بالوضعية الحالية.
لجنة 4+4 وخلاف مجلس الدولة.. هل تقترب المخرجات من التوافق؟
وفي ما يتعلق برفض المجلس الأعلى للدولة مخرجات لجنة 4+4، رأى الأشهب أن للمجلس رؤيته الخاصة في هذا الملف، وربما لاحظ أن مخرجات اللجنة تختلف عما كان يريد التوصل إليه.
وأوضح أن مجلس النواب، الذي وافق على مخرجات لجنة 4+4، اتجه أيضاً إلى دمجها مع مخرجات لجنة 6+6، مشيراً إلى أن هذا التوجه قد يعكس محاولة للجمع بين مخرجات اللجنتين في مسار واحد.
وأضاف أن البرلمان كان قد تبنى، خلال فترة رئاسة سابقة، فكرة دمج مخرجات لجنة 4+4 مع مخرجات لجنة 6+6، وجرى التصويت على هذا التوجه، لافتاً إلى أن مخرجات لجنة 6+6 ربما كانت ملائمة للبرلمان في مرحلة معينة.
واعتبر أن مجلس النواب بدأ يتخذ خطوات لم يكن قادراً على اتخاذها في السابق، معرباً عن اعتقاده بأن المجلس الأعلى للدولة قد يسير في الاتجاه نفسه، ويقبل بهذه المخرجات أو يوافق على دمجها مع مخرجات لجنة 6+6، بما قد يسهم في حل الإشكال القائم.
التحركات الأمريكية.. واشنطن لا تستطيع فرض حل منفرد
وعن التحركات الأمريكية واللقاءات الرامية إلى التعجيل بتشكيل سلطة تنفيذية موحدة وتوحيد المؤسسات، أكد الأشهب أن الولايات المتحدة تمتلك أدوات ضغط لا تقتصر على الأطراف الليبية، بل يمكن أن تشمل أطرافاً ودولاً أخرى، بالنظر إلى ما لديها من قوة سياسية ودبلوماسية وغيرها من الوسائل.
وأشار إلى أن مندوبي واشنطن ومبعوثيها يؤدون دوراً مهماً في هذا الملف، لكنه لفت في الوقت نفسه إلى أن المسألة الليبية تتداخل فيها أطراف دولية عديدة، وليس الولايات المتحدة وحدها، إذ تدعم دول مختلفة وجهات ليبية على الأرض، ولكل طرف حلفاؤه ومصالحه ووجهة نظره.
ورأى أن واشنطن، وفق المعطيات الحالية، لا تستطيع فرض حلول بصورة أحادية، بسبب وجود دول وأطراف داعمة لقوى ليبية على الأرض، سيكون لها رأي في أي اتفاق سياسي.
وأضاف أن التوصل إلى تفاهم بين الدول الكبرى قد يتيح تحديد مسار معين، وربما يصدر بشأنه قرار من مجلس الأمن وتلتزم به الأطراف الليبية، أما التحركات الأحادية، فيعتقد أنها لن تتحقق بالسهولة الممكنة.
المحافظ الجديد للمصرف المركزي.. آمال بتقليص الخلافات المالية
وفي ما يتعلق بأداء المحافظ الجديد للمصرف المركزي فوزي أبوخزام اليمين القانونية أمام مجلس النواب، أعرب الأشهب عن أمله في أن تسهم هذه الخطوة في معالجة الخلافات القائمة، رغم وجود عراقيل وعقبات كثيرة أمام المصرف المركزي.
وأوضح أن المحافظ الجديد يتحرك، بالتأكيد، بالاستعانة بمستشارين اقتصاديين وماليين، غير أن الأوضاع قد لا تسمح أحياناً بتنفيذ جميع الأطروحات والمشروعات المطروحة.
وأبدى تفاؤله بشأن قدرة المحافظ على التعامل مع هذه الملفات، باعتباره شخصية مالية أمضت سنوات في المصرف المركزي، ومن ثم فإنه يدرك طبيعة المصلحة العامة ووظيفة المصرف وأهمية المهام الموكلة إليه.
ورجح أن يسهم ذلك في تخفيف حدة الخلاف بين المؤسسة الوطنية للنفط والمصرف المركزي، والحد من كثير من الإشكاليات القائمة حالياً، بما في ذلك قضايا السيولة وسعر الصرف والنقد الأجنبي وغيرها من الملفات.
وأشار إلى أن هناك جدية واضحة، بحسب تقديره، من مجلس النواب لمعالجة هذه القضايا، مؤكداً أن من مهام المصرف المركزي العمل على إنجاز هذه الملفات والتعامل معها بصورة إيجابية، بما يخدم مصلحة المواطنين والدولة الليبية.
قانون الخدمة الوطنية.. التدريب العسكري والاستعداد لحماية البلاد
وفي تعليقه على إقرار مجلس النواب قانون الخدمة الوطنية، أوضح الأشهب أن الخدمة الوطنية، بما تتضمنه من تدريب عسكري، معمول بها في كثير من دول العالم، معتبراً أن تدريب المواطن على حمل السلاح والقدرة على الدفاع عن بلاده في حالات الاعتداء، وكذلك المساهمة في حماية المنشآت من أي خطر خارجي، أمر معمول به في دول عديدة.
وبشأن رفع السن القانونية للخدمة الوطنية من 17 إلى 18 عاماً، رأى أن هذا التعديل لا يشكل فارقاً كبيراً، باعتباره يضيف عاماً واحداً فقط، لكنه شدد على أن القانون يحتاج إلى تنظيم، ولا ينبغي أن يقتصر تطبيقه على بلوغ سن الثامنة عشرة فقط.
وأوضح أن هناك فئات وحالات قد تستثنى أو تؤجل خدمتها، ومن بينها من يكون قد بلغ السن القانونية وهو لا يزال منخرطاً في الدراسة داخل البلاد أو خارجها، إذ يمكن تأجيل الخدمة إلى ما بعد تخرج الطالب من الجامعة أو حصوله على الدرجة العلمية التي يدرس من أجلها.
ووصف هذا الأمر بأنه طبيعي وعادي، ولا يدعو إلى التشكيك في القانون، خاصة في ظل الاستعداد لظروف محتملة قد تتطلب جاهزية الدولة.
وأشار إلى أن جميع الدول تستعد لاحتمالات الاعتداء على حدودها، ومن بينها الحدود الجنوبية، أو أي اعتداءات أخرى، مؤكداً أن حالة الاستعداد والنفير مطلوبة دائماً، سواء في المجال الاقتصادي أو السياسي أو العسكري.
واعتبر أن التدريب على حمل السلاح يمثل توجهاً تتبعه دول كثيرة، ولا سيما الدول التي قد تكون حدودها معرضة للاعتداءات بمختلف أشكالها.
The post من التقارب مع تركيا إلى صراع المؤسسات.. هل تتجه ليبيا نحو تحالفات وتسويات جديدة؟ appeared first on عين ليبيا | آخر أخبار ليبيا.
