من الشاي الأسود إلى الفواكه.. ماذا تكشف الدراسات عن صحة القلب؟

0
9

تشير مراجعات علمية واسعة إلى ارتباط استهلاك الشاي والفواكه والخضروات واتباع أنظمة غذائية غنية بالأطعمة النباتية بانخفاض مخاطر أمراض القلب والأوعية الدموية، فيما لا تزال الأدلة المتعلقة بالتأثير المباشر لهذه الأطعمة في دهون البطن متفاوتة القوة، وفقًا لنتائج دراسات منشورة في دوريات علمية محكّمة.

وتبرز أهمية هذه النتائج في التمييز بين الغذاء الذي يرتبط بانخفاض المخاطر الصحية والغذاء الذي يثبت تأثيره المباشر في الوقاية من الأمراض أو تقليل الدهون، إذ تعتمد قوة الاستنتاجات على تصميم الدراسة وعدد المشاركين ومدة المتابعة والنتائج التي قاستها الأبحاث.

الشاي الأسود أم الأخضر.. ماذا تقول الأبحاث؟

بحثت مراجعة منهجية وتحليل تلوي نُشرا عام 2025 في دورية «التغذية والأيض وأمراض القلب والأوعية الدموية» (Nutrition, Metabolism and Cardiovascular Diseases) العلاقة بين استهلاك الشاي الأسود وخطر الإصابة بمرض الشريان التاجي، مستندة إلى 14 دراسة شملت 958477 مشاركًا، سُجلت بينهم 16990 حالة إصابة بالمرض.

وأظهرت النتائج أن الفئة الأعلى استهلاكًا للشاي الأسود ارتبطت بانخفاض نسبي قدره 11% في خطر الإصابة بمرض الشريان التاجي مقارنة بالفئة الأقل استهلاكًا أو غير المستهلكة، مع اختلاف النتائج بين المناطق الجغرافية، إذ ظهر الارتباط في الدراسات الأوروبية، دون أن يظهر بصورة مماثلة في الدراسات الأمريكية.

كما رصد الباحثون علاقة غير خطية بين كمية الشاي المستهلكة ومخاطر المرض، ما يعني أن الزيادة في الاستهلاك لا ترتبط بالضرورة بانخفاض المخاطر بالمعدل نفسه عند جميع مستويات الاستهلاك.

وتظل هذه النتائج ارتباطات رصدية لا تثبت أن الشاي الأسود وحده يقي من مرض الشريان التاجي، لكنها تقدم بيانات واسعة عن العلاقة بين استهلاكه وصحة القلب.

أما الشاي الأخضر، فقد تناولت مراجعة منهجية وتحليل تلوي نُشرا في أبريل 2023 في دورية «التغذية والأيض وأمراض القلب والأوعية الدموية» العلاقة بين استهلاكه والإصابة بمرض الشريان التاجي، وشملت سبع دراسات مستقبلية ضمت 772922 شخصًا، من بينهم 9211 حالة إصابة بالمرض.

وأظهرت النتائج أن استهلاك كوب واحد يوميًا ارتبط بانخفاض نسبي قدره 11% في خطر الإصابة بمرض الشريان التاجي مقارنة بعدم استهلاك الشاي الأخضر، بينما ارتبط استهلاك كوبين يوميًا بانخفاض قدره 16%، وثلاثة أكواب بانخفاض قدره 15%، وأربعة أكواب بانخفاض قدره 12%.

ولم يظهر ارتباط ذو دلالة إحصائية عند استهلاك خمسة أكواب يوميًا في التحليل نفسه، كما أوضح الباحثون أن معظم الدراسات المشمولة أُجريت في شرق آسيا، وأن النتائج لا تكفي وحدها لإثبات علاقة سببية أو تعميمها على جميع السكان.

وتعكس هذه الأرقام نتائج تحليلين منفصلين، لكل منهما مجموعة دراسات وخصائص سكانية مختلفة، ولذلك لا تصلح المقارنة المباشرة بين النسب لتحديد نوع الشاي الأفضل بصورة قاطعة.

ويرتبط الشاي الأسود والأخضر باحتوائهما على مركبات نباتية، من بينها البوليفينولات، التي تخضع للدراسة بسبب علاقتها المحتملة بعمليات الأكسدة والالتهاب ووظائف الأوعية الدموية، لكن وجود هذه المركبات لا يعني أن شرب الشاي يغني عن العلاجات الموصوفة أو ضبط ضغط الدم والكوليسترول وعوامل الخطر الأخرى.

أطعمة ترتبط بصحة القلب.. من الحبوب الكاملة إلى المكسرات

لا تقتصر الأبحاث المتعلقة بصحة القلب على الشاي، إذ تناولت دراسات واسعة مجموعات غذائية مختلفة، من بينها الحبوب الكاملة والمكسرات والفواكه والخضروات واللحوم الحمراء والمصنّعة.

وفي مراجعة منهجية وتحليل تلوي نُشرا عام 2023 في دورية «أدفانسز إن نيوتريشن» (Advances in Nutrition)، حلّل الباحثون بيانات 22 دراسة شملت 70273 مشاركًا توفرت بشأنهم بيانات عن الوفيات الناجمة عن أمراض القلب والأوعية الدموية.

وأظهرت النتائج ارتباط الاستهلاك المرتفع طويل الأمد للحبوب الكاملة بانخفاض نسبي قدره 13% في خطر الوفاة بأمراض القلب والأوعية الدموية، فيما ارتبط ارتفاع استهلاك المكسرات بانخفاض قدره 27%، وارتبط ارتفاع استهلاك الفواكه والخضروات بانخفاض قدره 28%، مقارنة بفئات الاستهلاك الأقل في الدراسات المشمولة.

كما وجد الباحثون أن كل زيادة بمقدار 10 غرامات يوميًا في استهلاك الحبوب الكاملة ارتبطت بانخفاض نسبي قدره 4% في خطر الوفاة بأمراض القلب والأوعية الدموية.

وفي المقابل، ارتبط ارتفاع استهلاك اللحوم الحمراء والمصنّعة بزيادة في خطر الوفاة بهذه الأمراض، إذ بلغ الخطر النسبي 1.23 لدى الفئة الأعلى استهلاكًا مقارنة بالفئة الأقل استهلاكًا.

وتظل هذه النتائج مستمدة من دراسات رصدية مستقبلية، لذلك تعبّر عن ارتباطات إحصائية لا تثبت وحدها أن تناول صنف بعينه يؤدي مباشرة إلى خفض الوفيات، كما تختلف النتائج بحسب نوع الطعام وكميته والنظام الغذائي العام.

وتقدم الحبوب الكاملة مثالًا إضافيًا على أهمية اختيار نوع الغذاء، إذ تناول تحليل تلوي نُشر عام 2023 بيانات 24 مقالة علمية ضمت 68 دراسة و1624407 مشاركين، وبحث العلاقة بين استهلاك الحبوب الكاملة والمكررة ومخاطر أمراض القلب والأوعية الدموية والوفيات.

وأظهرت النتائج أن كل زيادة بمقدار 30 غرامًا يوميًا في استهلاك الحبوب الكاملة ارتبطت بانخفاض نسبي قدره 8% في خطر الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية، وانخفاض قدره 6% في خطر الإصابة بمرض الشريان التاجي.

وصنّف الباحثون قوة الأدلة المتعلقة بعلاقة الحبوب الكاملة بأمراض القلب والأوعية الدموية بأنها مرتفعة، بينما تراوحت قوة الأدلة الخاصة بالنتائج الأخرى بين المنخفضة والمتوسطة، ما يؤكد اختلاف درجة اليقين من نتيجة صحية إلى أخرى.

وتشمل الخيارات الغذائية التي تندرج ضمن هذه المجموعة الشوفان والشعير والقمح الكامل والأرز البني، بينما توفر المكسرات مثل الجوز واللوز مصادر للدهون غير المشبعة والألياف، ويمكن أن تحل محل بعض الوجبات الخفيفة الغنية بالسكريات أو الدهون المشبعة ضمن نظام غذائي متوازن.

ولا يعني ذلك أن تناول المكسرات أو الحبوب الكاملة وحده يكفي لحماية القلب، إذ تتأثر المخاطر الصحية كذلك بإجمالي السعرات الحرارية وضغط الدم ومستويات الكوليسترول والنشاط البدني والتدخين والعوامل الصحية الأخرى.

دهون البطن.. هل تستطيع الأطعمة النباتية تقليلها؟

تختلف الأدلة العلمية المتعلقة بتراكم الدهون الحشوية عن الأدلة المتعلقة بصحة القلب، فالدهون الحشوية هي الدهون الموجودة داخل تجويف البطن حول الأعضاء الداخلية، وترتبط باضطرابات التمثيل الغذائي وارتفاع مخاطر الإصابة بالسكري من النوع الثاني وأمراض القلب والأوعية الدموية.

وفي مراجعة منهجية وتحليل تلوي نُشرا في 15 أبريل 2025 في دورية «جورنال أوف هيومن نيوتريشن آند دايتيتيكس» (Journal of Human Nutrition and Dietetics)، قيّم الباحثون تأثير الأنظمة الغذائية المعتمدة أساسًا على النباتات في الدهون الحشوية.

وشملت المراجعة 13 دراسة بإجمالي 4000 مشارك، بينها 10 دراسات مقطعية وتجربتان عشوائيتان مضبوطتان ودراسة تدخلية غير عشوائية.

وأظهرت التجارب العشوائية اتجاهًا نحو انخفاض حجم الدهون الحشوية لدى متبعي الأنظمة الغذائية النباتية، بمتوسط فرق بلغ سالب 177.99 سنتيمترًا مكعبًا، لكن فاصل الثقة تراوح بين سالب 475.83 وموجب 119.85 سنتيمترًا مكعبًا، وهو ما يعني أن النتيجة لم تصل إلى الدلالة الإحصائية.

وفي الدراسات المقطعية، ارتبط الالتزام الأعلى بالنظام الغذائي المتوسطي بانخفاض الدهون الحشوية، كما ظهر ارتباط بانخفاضها لدى متبعي الأنظمة النباتية، لكن الباحثين صنّفوا درجة اليقين الإجمالية في الأدلة بأنها منخفضة جدًا.

وأكدت المراجعة الحاجة إلى تجارب عشوائية أكبر وأكثر قدرة على تحديد ما إذا كانت هذه الأنظمة تؤدي بالفعل إلى خفض الدهون الحشوية، وبأي مقدار، ولدى أي فئات من الأشخاص.

وتشمل الأنظمة الغذائية المعتمدة على النباتات الخضروات والفواكه والبقوليات والحبوب الكاملة والمكسرات والبذور، وقد تتفاوت في مقدار ما تتضمنه من الأسماك أو منتجات الألبان أو اللحوم، بحسب نوع النظام المتبع.

وتبرز أهمية هذه الأطعمة عند استخدامها بديلًا لخيارات غذائية أعلى في السعرات الحرارية أو السكريات المضافة أو الدهون المشبعة، إلا أن تناول الأطعمة النباتية لا يضمن انخفاض الوزن أو دهون البطن إذا تجاوز إجمالي الطاقة المستهلكة احتياجات الجسم بصورة مستمرة.

كما لا يمكن استهداف دهون البطن وحدها من خلال تناول طعام محدد، إذ يتأثر توزيع الدهون بعوامل متعددة، منها العمر والوراثة والهرمونات والنشاط البدني والنوم والتوازن بين الطاقة المستهلكة والطاقة التي يستخدمها الجسم.

وتوفر الأطعمة الغنية بالألياف، مثل البقوليات والشوفان والخضروات والفواكه الكاملة، خيارات يمكن أن تساعد على الشبع وتنظيم الوجبات، لكن تأثيرها في الوزن يظل مرتبطًا بالكميات المتناولة وبقية مكونات النظام الغذائي.

الفواكه وصحة القلب.. ماذا تكشف دراسة شملت أكثر من 4 ملايين شخص؟

تُعد الفواكه من أبرز المجموعات الغذائية التي تناولتها الأبحاث المتعلقة بالوقاية من أمراض القلب والأوعية الدموية، لكن النتائج تختلف بحسب نوع الفاكهة والكمية المستهلكة والنتيجة الصحية التي تقيسها الدراسة.

وفي مراجعة منهجية وتحليل تلوي نُشرا عام 2020 في دورية «سيركوليشن» (Circulation)، درس الباحثون العلاقة بين أنواع مختلفة من الفواكه والخضروات وحدوث أمراض القلب والأوعية الدموية، اعتمادًا على 81 مجموعة من الدراسات المستقبلية شملت 4031896 شخصًا، وسجلت 125112 حدثًا مرتبطًا بأمراض القلب والأوعية الدموية.

وأظهرت النتائج أن ارتفاع استهلاك الفواكه والخضروات مجتمعة ارتبط بانخفاض نسبي قدره 7% في خطر الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية، مقارنة بالفئات الأقل استهلاكًا، فيما ارتبط استهلاك الفواكه وحدها بانخفاض قدره 9%، والخضروات بانخفاض قدره 6%.

وعلى صعيد مرض الشريان التاجي، ارتبط ارتفاع استهلاك الفواكه بانخفاض نسبي قدره 12% في خطر الإصابة، بينما ارتبط استهلاك الخضروات بانخفاض قدره 8%.

أما بالنسبة إلى السكتة الدماغية، فقد ارتبط ارتفاع استهلاك الفواكه والخضروات مجتمعة بانخفاض نسبي قدره 18% في خطر الإصابة، مقارنة بالفئات الأقل استهلاكًا.

وأشار الباحثون إلى أن الحمضيات والتفاح والكمثرى أظهرت ارتباطات إيجابية مع عدد من النتائج المتعلقة بصحة القلب والأوعية الدموية، مع اختلاف قوة الأدلة بحسب نوع الفاكهة والمرض محل الدراسة.

وشددت الدراسة على أن النتائج لا تثبت أن فاكهة بعينها تمنع الإصابة بأمراض القلب، إذ اعتمدت المراجعة على دراسات رصدية مستقبلية، وتراوحت درجة اليقين في الأدلة من منخفضة جدًا إلى متوسطة.

وتشمل الخيارات المتاحة البرتقال واليوسفي والتفاح والكمثرى، إلى جانب أنواع أخرى من الفواكه التي توفر الألياف والفيتامينات والمعادن ومركبات نباتية مختلفة.

وتوفر الفواكه الكاملة الألياف التي لا تتوافر بالكميات نفسها في كثير من العصائر، كما أن تناولها ضمن وجبات متوازنة يختلف غذائيًا عن الاعتماد على المشروبات المحلاة أو العصائر المضاف إليها السكر.

ولا تعني النتائج أن استهلاك كميات كبيرة من الفاكهة وحدها يضمن الوقاية من أمراض القلب، بل تدعم إدراجها ضمن نظام غذائي متنوع يشمل الخضروات والحبوب الكاملة ومصادر البروتين الصحية والدهون غير المشبعة.

توصيات علمية تجمع بين صحة القلب وإدارة الوزن

وفي أحدث إرشاداتها الغذائية المنشورة في 31 مارس 2026، شددت جمعية القلب الأمريكية على أهمية التركيز على النمط الغذائي العام بدلًا من الاعتماد على أطعمة منفردة أو عناصر غذائية بعينها.

وتضمنت التوصيات تسع ركائز أساسية، تشمل موازنة استهلاك الطاقة مع احتياجات الجسم للمساعدة على الوصول إلى وزن صحي والحفاظ عليه، والإكثار من الخضروات والفواكه المتنوعة، واختيار الحبوب الكاملة بدلًا من الحبوب المكررة في معظم الوجبات.

كما أوصت الجمعية باختيار مصادر البروتين الصحية، بما فيها البقوليات والمكسرات والأسماك، واستبدال الدهون المشبعة بمصادر الدهون غير المشبعة، وتفضيل الأطعمة الأقل معالجة على المنتجات فائقة المعالجة.

وشملت الإرشادات أيضًا الحد من السكريات المضافة في الأطعمة والمشروبات، وتقليل الصوديوم من خلال اختيار المنتجات الأقل احتواءً على الملح، مع عدم البدء في شرب الكحول لمن لا يستهلكه أصلًا والحد منه لدى مستهلكيه.

وأكدت الجمعية أن الأنماط الغذائية الداعمة لصحة القلب تتسم عمومًا بارتفاع محتواها من الألياف، وانخفاض نسبة السعرات التي تأتي من الدهون المشبعة، وتوفير مصادر متنوعة للعناصر الغذائية الأساسية.

وتشير الدراسات مجتمعة إلى وجود أدلة متفاوتة القوة على ارتباط استهلاك الشاي والفواكه والخضروات والحبوب الكاملة والمكسرات بصحة القلب، في حين لا تزال الأدلة التجريبية المتعلقة بالتأثير المباشر للأنظمة الغذائية النباتية في الدهون الحشوية محدودة.

وتبقى الرسالة الأساسية في الإرشادات العلمية هي الاهتمام بجودة النظام الغذائي واستمراريته، مع مراعاة الاحتياجات الصحية الفردية، بدلًا من التعويل على نوع واحد من الشاي أو الفاكهة أو الطعام لتحقيق نتائج صحية محددة.

The post من الشاي الأسود إلى الفواكه.. ماذا تكشف الدراسات عن صحة القلب؟ appeared first on عين ليبيا | آخر أخبار ليبيا.