Site icon bnlibya

من يقرر مصير الليبيين.. الفيتوري يكشف لـ«عين ليبيا» كيف أصبحت الأزمة صناعةً تقتات عليها أطراف الداخل والخارج؟

رغم مرور سنوات على الأزمة الليبية وتعدد المبادرات المحلية والدولية الرامية إلى إنهاء الانقسام السياسي، لا تزال البلاد تواجه حالة من الجمود تعيق الانتقال نحو بناء دولة مستقرة ومؤسسات موحدة، في ظل استمرار الخلافات حول شكل المرحلة المقبلة، وقواعد الانتخابات، وطبيعة العلاقة بين القوى الداخلية والتدخلات الخارجية.

وفي قراءة للمشهد السياسي الليبي، أكد أستاذ الدراسات العليا في مجال الإعلام بالجامعات الليبية الدكتور محمد علي شرف الدين الفيتوري، في تصريح لشبكة «عين ليبيا»، أن المشهد السياسي لا يزال يتسم بحالة من الجمود أكثر من كونه يتجه نحو انفراجة حقيقية، مشيراً إلى أن استمرار اللقاءات والمبادرات المحلية والدولية لم يُترجم إلى توافقات سياسية ملزمة أو خارطة طريق واضحة تنهي المرحلة الانتقالية.

وقال الفيتوري إن ما تشهده ليبيا اليوم هو «إدارة للأزمة أكثر من كونه حلاً لها»، موضحاً أن الانقسام المؤسسي والتنافس على الشرعية بين الفاعلين السياسيين ما زالا مستمرين، وهو ما يجعل أي تقدم محدوداً وقابلاً للتراجع في أي وقت.

وفي حديثه عن دور بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، أوضح الفيتوري أن البعثة لا تزال تمتلك الشرعية الدولية التي تؤهلها للقيام بدور الوسيط، لكنها لم تعد تمتلك مستوى التأثير الذي كانت تتمتع به في السنوات السابقة.

وأضاف أن نجاح البعثة أصبح مرهوناً بوجود إرادة سياسية ليبية حقيقية، إلى جانب توافق دولي داعم لمسار واحد، مشيراً إلى أن التجربة أثبتت أن المبادرات الأممية تستطيع تقريب وجهات النظر بين الأطراف، لكنها لا تستطيع فرض حلول عليها في ظل استمرار تضارب المصالح الداخلية والخارجية.

الانتخابات.. أزمة إرادة وثقة لا أزمة قوانين

وفي ملف الانتخابات، أكد الفيتوري أن القوانين الانتخابية ليست سوى جزء من المشكلة، بينما تتمثل الأزمة الأساسية في غياب الإرادة السياسية لدى الأطراف المختلفة.

وأوضح أن الوصول إلى توافقات قانونية لا يعني بالضرورة نجاح العملية الانتخابية، إذ يبقى تنفيذها مرتبطاً بقبول الأطراف بنتائج الانتخابات وضمان انتقال السلطة بصورة سلمية.

وأشار إلى أن الأزمة الليبية في جوهرها هي أزمة ثقة ومصالح سياسية أكثر من كونها أزمة نصوص قانونية، لافتاً إلى غياب العقد الاجتماعي المتمثل في الدستور، الذي تأخر إنجازه، وظل الليبيون ينتظرون الاستفتاء عليه رغم مرور ما يقارب عقداً ونصف العقد على تشكيل الهيئة التأسيسية لصياغته.

وحول إمكانية إجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية خلال الفترة المقبلة، قال الفيتوري إن إجراء الانتخابات يظل هدفاً وطنياً مطلوباً، لكنه يواجه في الظروف الحالية تحديات كبيرة، من بينها استمرار الانقسام المؤسسي، والخلاف حول شروط الترشح للرئاسة، وغياب سلطة تنفيذية موحدة تشرف على العملية الانتخابية في جميع أنحاء البلاد، إضافة إلى الاعتبارات الأمنية والسياسية.

وأكد أن الحديث عن موعد قريب للانتخابات يظل مرهوناً بتحقيق توافقات سياسية حقيقية تسبق العملية الانتخابية.

الانقسام السياسي أضعف المؤسسات وأفقد المواطن الثقة

وحول تأثير استمرار الانقسام بين المؤسسات السياسية، أوضح الفيتوري أن الانقسام المؤسسي كان له تأثير عميق على الدولة الليبية، سواء من حيث إضعاف كفاءة المؤسسات أو تعطيل تنفيذ السياسات العامة.

وأضاف أن هذا الانقسام انعكس بشكل واضح على ثقة المواطن في العملية السياسية، حيث تزايد الشعور بالإحباط نتيجة تكرار الأزمات وتأجيل الاستحقاقات السياسية، وهو ما أدى إلى انخفاض مستويات المشاركة السياسية وتراجع الثقة في قدرة المؤسسات القائمة على إحداث تغيير حقيقي.

التدخلات الخارجية وإطالة أمد الأزمة

وفيما يتعلق بدور القوى الإقليمية والدولية في ليبيا، أكد الفيتوري أنه من الصعب فصل الأزمة الليبية عن محيطها الإقليمي والدولي، نظراً للموقع الاستراتيجي لليبيا وأهميتها الاقتصادية والأمنية.

وأوضح أن التدخلات الخارجية كان لها دور في إطالة أمد الأزمة خلال معظم مراحلها، خاصة في ظل استمرار وجود ليبيا تحت أحكام الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة.

وشدد على أن مستقبل الحل الليبي سيظل مرتبطاً بدرجة كبيرة بمدى توافق الفاعلين الدوليين على دعم مسار سياسي موحد، مع التأكيد على أن الحل المستدام يجب أن يكون نابعاً من توافق ليبي داخلي يضع حداً للتدخلات الخارجية بمختلف أشكالها.

الإعلام بين صناعة الحوار وتعميق الانقسام

وفي تقييمه لدور الإعلام الليبي خلال سنوات الأزمة، قال الفيتوري إن الإعلام لعب أدواراً متباينة، حيث ساهمت بعض المؤسسات الإعلامية في نشر ثقافة الحوار والتوعية السياسية، بينما تحولت مؤسسات أخرى إلى أدوات للاستقطاب السياسي وضرب اللحمة الوطنية.

وأوضح أن بعض المؤسسات الإعلامية تبنت خطاباً منحازاً رسخ الانقسام المجتمعي والسياسي، مشيراً إلى أن البيئة الرقمية زادت من تأثير منصات التواصل الاجتماعي التي أصبحت مصدراً رئيسياً للمعلومات، لكنها في الوقت ذاته أسهمت في انتشار المعلومات المضللة وخطابات الكراهية.

وأكد الحاجة إلى إعلام مهني ومستقل يلتزم بالمعايير الأخلاقية ويسهم في بناء الثقة المجتمعية، خاصة في ظل وجود عدد من القنوات الإعلامية، الرقمية وغير الرقمية، التي تبث من الخارج تحت مسميات ليبية، وتركز على التشكيك في كل مبادرة وطنية تهدف إلى جمع الليبيين وتوحيد قادة الرأي العام.

وأشار إلى أن هذا الخطاب يسهم في إعاقة خلق مناخ إيجابي لإعادة تأسيس وترسيخ مؤسسات الدولة، بعيداً عن المهاترات والانقسامات التي أدت إلى إطالة أمد الأزمة بصورة مفتعلة ولغايات بعيدة عن مقتضيات المصلحة الوطنية.

سيناريوهات المرحلة المقبلة

وعن مستقبل ليبيا في حال استمرار الوضع السياسي الحالي دون توافقات جديدة، رجح الفيتوري استمرار حالة الجمود السياسي والانقسام المؤسسي، مع استمرار المراحل الانتقالية بصورة غير مباشرة، دون الوصول إلى بناء دولة مستقرة.

وأوضح أن استمرار هذا الوضع قد يؤدي إلى مزيد من التراجع في ثقة المواطنين بالعملية السياسية.

وفي المقابل، أكد وجود سيناريو إيجابي يتمثل في نجاح الأطراف الليبية، بدعم دولي متوازن، في التوصل إلى توافق شامل بشأن القاعدة الدستورية، وتوحيد المؤسسات، والاتفاق على جدول زمني واضح لإجراء الانتخابات.

وأشار إلى أن السيناريو الأقل احتمالاً، لكنه يظل قائماً، هو عودة التوترات الأمنية إذا تعثرت المسارات السياسية بصورة كاملة.

وختم الفيتوري حديثه بالتأكيد على أن تجاوز الأزمة الليبية يتطلب توافقاً داخلياً حقيقياً، ودعماً دولياً متوازناً، بما يسمح بالانتقال من إدارة الأزمة إلى بناء دولة مستقرة تقوم على مؤسسات موحدة وشرعية دستورية واضحة.

The post من يقرر مصير الليبيين.. الفيتوري يكشف لـ«عين ليبيا» كيف أصبحت الأزمة صناعةً تقتات عليها أطراف الداخل والخارج؟ appeared first on عين ليبيا آخر أخبار ليبيا.