إشكاليات محاكمة رئيس دولة أمام القضاء الأمريكي (الاختصاص القضائي، الحصانة السيادية، حدود العدالة)

0
14

أُثيرت في الآونة الأخيرة تساؤلات جوهرية حول طبيعة الإجراءات القانونية المتخذة في الولايات المتحدة الأمريكية بحق رئيس فنزويلا نيكولاس مادورو وزوجته، وحول ما إذا كانت هذه الإجراءات تعكس قضاءً مستقلًا فعلًا، أم تمثل امتدادًا مباشرًا لإرادة سياسية، لا سيما في ظل الدور المحوري الذي لعبته إدارة الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب في إطلاق هذا المسار.

ولا يقتصر هذا التساؤل على مصير شخصين بعينهما، بل يتجاوزهما ليطال جوهر فكرة سيادة القانون في النظام الأمريكي، وحدود قدرة القضاء على تصحيح أو كبح قرارات سياسية كبرى حين تُلبس ثوب الإجراءات الجنائية.

أولًا: الإطار الإجرائي للمحاكمة في النظام الفدرالي الأمريكي:

من حيث الشكل، تُدار القضايا الجنائية الفدرالية في الولايات المتحدة وفق منظومة إجرائية دقيقة، تخضع للدستور، وللقواعد الفدرالية للإجراءات الجنائية، وتُشرف عليها محاكم يُفترض فيها الاستقلال عن السلطتين التنفيذية والتشريعية.

وتبدأ هذه الإجراءات عادةً بـ ( إعداد لائحة اتهام عن طريق هيئة محلفين كبرى (Grand Jury)، ثم عرض المتهم على قاضٍ فدرالي لتثبيت التهم الأولية، وتمكين الدفاع من تقديم الطعون وطلبات استبعاد الأدلة،ثم الانتقال إلى محاكمة علنية أمام محكمة فدرالية مختصة).

غير أن الإشارة إلى هيئة المحلفين الكبرى تستوجب تنبيهًا مهمًا؛ إذ إن هذه الهيئة، رغم دورها الشكلي في إصدار لائحة الاتهام، لا تمارس وظيفة قضائية مكتملة بالمعنى الدقيق، ذلك أنها تعتمد حصريًا على ما يقدمه الادعاء من أدلة وروايات، دون حضور الدفاع أو تمكينه من مناقشة الوقائع. وهو ما دفع جانبًا معتبرًا من الفقه الأمريكي إلى توصيف الـ Grand Jury بأنها أداة اتهام بيد الادعاء أكثر من كونها ضمانة إجرائية للعدالة.

ومع ذلك، تُدار هذه المراحل مؤسسيًا من خلال أجهزة الادعاء التابعة لـ وزارة العدل الأمريكية، لا من البيت الأبيض بصورة مباشرة، وهو ما يمنح المسار – في ظاهره – طابعًا قانونيًا مستقلًا.

ثانيًا: مسألة الاختصاص القضائي الأمريكي:

الطرح القائل باختصاص القضاء الأمريكي صحيح في جوهره، لكنه يحتاج إلى ضبط قانوني أدق، خاصة عند التمييز بين وجود أساس قانوني داخلي للاختصاص، وبين مشروعية هذا الاختصاص من منظور القانون الدولي العام.

فالولايات المتحدة لا تحاكم رئيس دولة أجنبي لمجرد صفته السياسية أو موقعه السيادي، لكنها طوّرت تشريعيًا وقضائيًا أدوات توسّع بها نطاق ولايتها القضائية متى توافرت صلة معتبرة بالمصلحة الأمريكية. ويُبنى هذا التوسع على مرتكزات أبرزها:

1. تحقق أثر مباشر داخل الإقليم الأمريكي،

2. استخدام النظام المالي الأمريكي (الدولار، المصارف، المصارف المراسلة)،

3. وتطبيق قوانين مكافحة المخدرات ذات الاختصاص العابر للحدود.

ويُضاف إلى ذلك:

4. مبدأ الاختصاص الوقائي المرتبط بحماية الأمن القومي،

5. نظرية المؤامرة التي تسمح بامتداد الاختصاص إلى جميع أطرافها،

6. وتوصيف بعض الأفعال باعتبارها جرائم ذات طابع دولي خاص، مثل الإرهاب المرتبط بالمخدرات.

وقد استقر القضاء الأمريكي على هذه المقاربات، معتبرًا أن صلة الأثر أو الوسيلة أو الهدف كافية لتأسيس الاختصاص، ولو نُفّذت الأفعال خارج الإقليم الأمريكي.

غير أن هذا التوسّع يثير من زاوية القانون الدولي إشكالية العدالة الانتقائية (Selective Justice)، حين تُفعَّل هذه القواعد بصرامة ضد خصوم سياسيين، بينما تُغضّ الطرف عن أفعال مماثلة ارتكبها حلفاء أو أطراف أخرى دون مساءلة، وهو ما يطرح تساؤلًا جديًا حول المساواة أمام القانون في بعدها الدولي؟.

ثالثًا: من الاختصاص إلى الحصانة… أين يبدأ الخلاف الحقيقي؟

إذا كان الاختصاص يجد له أساسًا داخل النظام القانوني الأمريكي، فإن العقدة القانونية الحقيقية تظهر عند الانتقال إلى مسألة الحصانة السيادية.

ففي القانون الدولي العام، لا يُناقش الاختصاص بمعزل عن الحصانة. فرئيس الدولة يتمتع أثناء ولايته بـ حصانة شخصية مطلقة أمام القضاء الأجنبي، تشمل الأفعال الرسمية والخاصة.

غير أن المقاربة الأمريكية تقوم هنا على تفكيك هذه الحصانة عبر مدخل مزدوج:

1. عدم الاعتراف بشرعية مادورو رئيسًا للدولة، ومن ثم الادعاء بسقوط الحصانة الشخصية.

2. إعادة توصيف الأفعال باعتبارها جرائم جنائية خاصة لا تدخل في نطاق الوظيفة السيادية.

وبذلك، يُعاد بناء القضية على أساس أن المتهم شخص عادي خاضع للقانون الجنائي، لا ممثلًا لسيادة دولة.

وهذا المنهج يثير إشكالية خطيرة، تتمثل في إخضاع الحصانة لتقدير سياسي أحادي وربط قيامها أو سقوطها بمسألة الاعتراف، بما يهدد مبدأ المساواة السيادية بين الدول ويُقوّض استقرار القواعد الدولية.

رابعًا: هل القضاء الأمريكي مستقل عن السلطة التنفيذية؟

نظريًا، يتمتع القضاء الفدرالي الأمريكي بضمانات قوية، أبرزها: (التعيين مدى الحياة، وعدم القابلية للعزل إلا بإجراءات استثنائية،والاستقلال في الفصل في القضايا).

لكن عمليًا، تظهر الإشكالية في مرحلة ما قبل القضاء:

من يقرر فتح الملف؟ ما طبيعة التهم؟ وما توقيت إطلاقها؟

فهذه قرارات تُتخذ داخل السلطة التنفيذية عبر الادعاء العام، وهو ما يجعل استقلال القضاء لاحقًا على قرار سياسي سابق لا يملك القاضي مراجعته من حيث الأصل.

خامسًا: هل يمكن للقضاء تصحيح “أخطاء ترامب”؟

تُظهر التجربة الدستورية الأمريكية أن القضاء قادر أحيانًا على كبح قرارات رئاسية، خاصة عندما تمس حقوقًا دستورية داخلية أو تتعارض بوضوح مع نص دستوري صريح.

غير أن الأمر يختلف في القضايا ذات الطابع الخارجي، المرتبطة بالأمن القومي والسياسة الخارجية، حيث يميل القضاء إلى تبنّي نظرية المسألة السياسية والتحفظ القضائي، مكتفيًا بمراجعة الشكل الإجرائي دون الخوض في جوهر القرار.

وعليه، فإن احتمال إسقاط قضية بحجم قضية مادورو بدعوى الطابع السياسي فقط يظل ضعيفًا للغاية.

إذن خصم مادورو… هو القاضي؟

القضية لا تختزل في سؤال … هل مادورو مذنب أم بريء؟

بل في سؤال أعمق: هل ما زال القضاء في القضايا الدولية الكبرى أداة لتحقيق العدالة، أم أصبح وسيلة لإدارة الصراع السياسي بلغة قانونية؟

وقد كشفت تجارب سابقة، من بينها قضايا قادة دول أجانب أمام ولايات قضائية وطنية، أن الإشكال ليس حكرًا على الحالة الأمريكية، بل يعكس مأزق العدالة عندما تُستدعى لتصفية صراع سياسي دولي.

في الحالة الأمريكية، قد يكون القاضي داخل قاعة المحكمة مستقلًا، لكن القضية ذاتها لم تولد مستقلة.

وهنا تحديدًا، لا يكمن الخطر في غياب القضاء، بل في حضوره بوصفه أداة إضفاء شرعية.

وهنا… يصبح الخصم هو القاضي.

The post إشكاليات محاكمة رئيس دولة أمام القضاء الأمريكي (الاختصاص القضائي، الحصانة السيادية، حدود العدالة) appeared first on عين ليبيا آخر أخبار ليبيا.