Site icon bnlibya

إلى المسفر نقول

ليبيا ليست بلا أصل.. والتاريخ لا يُكتب بمنطق الغرور

هناك فرق كبير بين أن يختلف كاتب مع الليبيين في موقف سياسي، وبين أن يتحول الخلاف إلى محاولة إهانة شعب كامل، والتشكيك في أصله وانتمائه، ثم وصفه بعبارات لا تليق لا بأستاذ جامعي ولا بمن يزعم أنه يتحدث باسم الفكر والثقافة.

ما قالة محمد صالح المسفر يتجاوز حدود النقد السياسي، لأنه لا يناقش تجربة فبراير ولا دور قطر ولا موقف الليبيين من الأحداث، وإنما يذهب إلى منطقة أخطر بكثير: الطعن في أصل شعب بأكمله، وتصوير التنوع الذي عرفته ليبيا عبر تاريخها وكأنه عيب وراثي أو دليل على انعدام الهوية.

وهنا نقول ببساطة: التاريخ ليس شهادة نسب تُستخرج من درج، ولا الحضارة ملكية خاصة لشعب دون غيره.

ليبيا ليست أرضًا بلا تاريخ حتى يأتي خردة بشريه مثلك ليمنحها شهادة وجود. هذه الأرض عرفت حضارات وممالك وثقافات ضاربة في القدم، من الحضارات الليبية القديمة إلى الجرمنت، مرورًا بالتأثيرات الفينيقية والإغريقية والرومانية، ثم العهد الإسلامي وما تلاه من دول وسلالات ومكونات اجتماعية متعددة. والتاريخ الليبي لم يكن يومًا صفحة بيضاء تنتظر قلمًا أجنبيًا ليكتب عليها من نحن.

أما القول إن وجود الأتراك واليونانيين والمالطيين والشركس وغيرهم يجعل الشعب الليبي «بلا أصل»، فهو منطق غريب لا يصمد أمام أبسط قراءة للتاريخ. فكل شعوب البحر المتوسط تقريبًا تشكلت عبر الهجرات والتجارة والحروب والتزاوج والتفاعل الحضاري. التنوع لا يلغي الهوية، بل يصنع جزءًا منها.

ولو كان اختلاط الشعوب دليلًا على انعدام الأصل، لاحتاج كثير من شعوب العالم إلى إعادة كتابة شهادات ميلادها.واولهم دولتك.

ثم تأتي المفارقة الأكبر: أن يتحول الحديث عن ثورة فبراير إلى خطاب إذلال لليبيين، وكأن تقديم المساعدة في لحظة سياسية يعني امتلاك الشعب الذي تلقاها، أو أن الدعم العسكري والسياسي يمنح صاحبه حق إذلال ملايين البشر بعد سنوات.

نعم، شاركت دول خارجية في أحداث 2011، وهذا أمر معروف ولا يحتاج إلى إنكار. ونعم، كان لقطر وفرنسا والولايات المتحدة ودول أخرى أدوار مختلفة في تلك المرحلة. لكن اختزال الليبيين جميعًا في أنهم كانوا «مخبرين ومرشدين» ثم تصويرهم كأنهم لم يكونوا أصحاب قضية أو موقف أو تضحيات، ليس تحليلًا للتاريخ، وإنما إهانة لتضحيات الليبيين واختزال متعمد لمشهد شديد التعقيد.

والأغرب أن صاحب هذا الخطاب يريد من الليبيين أن يتذكروا دائمًا من ساعدهم، لكنه يبدو ناسيًا أن العلاقات بين الدول ليست أعمالًا خيرية بين أفراد، وإنما تحكمها المصالح والسياسات والحسابات الاستراتيجية.

إذا كانت قطر قد دعمت طرفًا سياسيًا أو عسكريًا في ليبيا، فهذا موقف سياسي يمكن مناقشته ونقده، لكن لا يتحول الدعم السياسي إلى صك ملكية لشعب كامل.

ثم إن السؤال الحقيقي ليس: من أسقط القذافي؟

السؤال الذي ينبغي أن يطرح على الجميع هو: ماذا فعلنا بليبيا بعد سقوط النظام؟

هنا تبدأ مسؤولية الليبيين، وهنا تبدأ أيضًا مسؤولية كل الدول التي تدخلت في الشأن الليبي، سواء كانت قطر أو فرنسا أو الولايات المتحدة أو غيرها.

فليبيا لم تصل إلى ما وصلت إليه بسبب جينات الليبيين، ولا لأن الشعب الليبي «بلا أصل»، وإنما بسبب تراكمات سياسية وعسكرية واقتصادية، وصراعات داخلية، وتدخلات خارجية، وانهيار مؤسسات الدولة، وانتشار السلاح، وفشل النخب في بناء مشروع وطني جامع.

ومن السهل جدًا أن نلقي كل شيء على شعب بأكمله، لكن الصعب أن نعترف بأن النخب السياسية والعسكرية، الليبية والأجنبية، تتحمل مسؤولياتها عن الكارثة.

أما وصف الليبيين بأنهم «خليط إجرامي»، فهذه ليست أكاديمية ولا سياسة ولا بحثًا في علم الاجتماع. هذه عنصرية لفظية صريحة لا تحتاج إلى أستاذ جامعة حتى نفهمها.

والليبي الذي يختلف مع قطر ليس بالضرورة جاحدًا، والليبي الذي ينتقد دولة قطر ليس عدوًا للشعب القطري، كما أن القطري الذي ينتقد ليبيا لا يصبح عدوًا لليبيين. الدول والشعوب أكبر من خلافات الحكومات، وأكبر من تصريحات الكُتّاب.

نحن لا نرد على الإساءة بإهانة الشعب القطري، لأننا نعرف أن الشعوب لا تُختزل في حكوماتها ولا في كتابها ولا في مواقف أفراد منها.

لكننا في الوقت نفسه نقول لمن يريد أن يقرأ التاريخ من فوق برج الغرور: لا تبحث عن أصل الليبيين في كتبك فقط، بل ابحث عنه في تراب ليبيا.

ابحث عنه في المدن القديمة، وفي الآثار، وفي المقابر، وفي النقوش، وفي اللغة، وفي الذاكرة الشعبية، وفي قبور الآباء والأجداد، وفي تاريخ آلاف السنين من العيش فوق هذه الأرض.

أما ليبيا التي تبلغ مساحتها نحو مليون وسبعمائة ألف كيلومتر مربع، فلم تكن يومًا «طريقًا للعصابات» كما يحاول البعض اختزالها. كانت أرضًا تعاقبت عليها الحضارات والإمبراطوريات، ومجتمعًا تشكل عبر قرون طويلة، له مدنه وقبائله وأسرُه وعاداته ولهجاته وذاكرته الوطنية.

وليبيا ليست بحاجة إلى شهادة نسب من أحد.

أما فبراير، فنحن الليبيين أولى بتقييمها من غيرنا؛ نختلف حولها، نؤيدها أو نعارضها، نناقش نتائجها وأخطاءها وتدخلات الخارج فيها، لكن ليس من حق أحد أن يحول خلافه السياسي مع الليبيين إلى شتيمة لشعب كامل.

لقد سقطت أنظمة، وانهارت حكومات، وتغيرت التحالفات، وغادر المتدخلون وبقيت ليبيا.

وهذه هي الحقيقة التي ينبغي أن يفهمها الجميع:

الأشخاص يرحلون، والحكومات تتغير، والتحالفات تنتهي… لكن الشعوب تبقى.

وسيظل الليبيون، بكل اختلافاتهم وتناقضاتهم وأخطائهم، شعبًا له أرضه وتاريخه وذاكرته وهويته.

ومن يريد أن يحاسب الليبيين على مواقفهم السياسية فليحاسبهم سياسيًا، ومن يريد نقد فبراير فلينقدها، ومن يريد نقد التدخل القطري فليفعل، ومن يريد الدفاع عنها فليدافع عنها.

أما أن يتحول الخلاف السياسي إلى طعن في أصل شعب كامل، فهنا لا نحتاج إلى مؤتمر ولا إلى ندوة ولا إلى أستاذ جامعة لنقول كلمة واحدة:

اختلف معنا كما تشاء… لكن لا تُهِن شعبًا كاملًا ثم تسمي ذلك فكرًا.

فالتاريخ لا يكتبه الغرور، والحضارة لا تُقاس بعدد المساعدات التي قدمتها دولة لدولة، والإنسان لا يصبح بلا أصل لأن كاتبًا قرر أن ينكر أصله.

The post إلى المسفر نقول appeared first on عين ليبيا | آخر أخبار ليبيا.

Exit mobile version