في كل مرة تتفجر فيها أزمة جديدة في الشرق الأوسط، تتجدد الأسئلة القديمة نفسها: أين يقف العرب؟ وهل ما زال للنظام العربي المشترك أي معنى سياسي أو قانوني؟ وما الذي بقي من فكرة التضامن العربي التي قامت عليها المؤسسات الإقليمية، وعلى رأسها جامعة الدول العربية؟
لقد كشفت التطورات الأخيرة مرة أخرى عن أزمة عميقة في الموقف العربي الرسمي، وهي أزمة لا تتعلق فقط بالسياسة، بل تمتد إلى فهم مبادئ القانون الدولي ذاته. فعندما تُطرح مسألة استخدام القوة أو الحق في الدفاع عن النفس، نجد أن هذه المبادئ تُستحضر أحيانًا بحماس شديد، بينما تختفي تمامًا في أوقات أخرى، وكأنها ليست قواعد قانونية عامة، بل أدوات سياسية تُستخدم عندما تخدم مصالح معينة ويتم تجاهلها عندما لا تتوافق مع حسابات السلطة.
إن مبدأ الدفاع الشرعي عن النفس في القانون الدولي ليس شعارًا سياسيًا، بل قاعدة قانونية واضحة نصت عليها المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة. غير أن المعضلة الحقيقية في الواقع العربي ليست في غياب النصوص، بل في غياب الإرادة لتطبيقها بصورة متوازنة. فعندما تعرضت غزة لعدوان واسع النطاق، قُتل فيه آلاف المدنيين ودُمِّرت البنية التحتية وقُصفت المدارس والمستشفيات، لم نشهد ذلك الحماس نفسه في الحديث عن الحق في الدفاع عن النفس، ولا عن ضرورة اتخاذ موقف عربي جماعي يردع المعتدي أو يحمي المدنيين.
بل إن الصمت الرسمي في كثير من الأحيان كان أكثر حضورًا من أي موقف فعلي، وكأن المأساة الإنسانية في غزة أو في جنوب لبنان لا تستدعي استنفار الضمير السياسي العربي، ولا تستحق استدعاء مفاهيم القانون الدولي التي يتم التذكير بها اليوم.
وهنا تكمن المفارقة الكبرى: كيف يمكن لمؤسسة إقليمية أن تتحدث فجأة عن شرعية استخدام القوة، بينما تجاهلت هذه الشرعية نفسها عندما تعرّضت شعوب عربية لاعتداءات واضحة؟ وكيف يمكن تفسير هذا التباين الحاد في المواقف، إن لم يكن انعكاسًا لخلل عميق في بنية القرار العربي ذاته؟
الحقيقة المؤلمة أن النظام العربي الرسمي يعيش منذ عقود حالة من التبعية الاستراتيجية للقوى الكبرى، وهو ما جعل كثيرًا من قراراته مرتهنة لحسابات دولية لا تعكس بالضرورة مصالح الشعوب العربية. فالقواعد العسكرية الأجنبية المنتشرة في المنطقة ليست مجرد منشآت عسكرية، بل تعبير عن منظومة أمنية كاملة تُدار خارج الإرادة العربية المستقلة. وفي ظل هذه المنظومة يصبح الحديث عن الأمن القومي العربي أو عن الردع الإقليمي مجرد شعارات بلا مضمون فعلي.
ولذلك فإن النقاش حول إنشاء قوة دفاع عربية مشتركة ليس فكرة جديدة؛ فقد طُرحت هذه الفكرة منذ عقود، وتكررت في القمم العربية مرارًا، لكنها بقيت حبرًا على ورق. والسبب في ذلك ليس غياب الإمكانات، فالدول العربية تمتلك ثروات مالية هائلة وقدرات بشرية كبيرة، بل إن السبب الحقيقي يكمن في غياب الإرادة السياسية لبناء منظومة دفاع مستقلة.
ولو أن جزءًا يسيرًا من الموارد المالية التي تُنفق سنويًا على شراء الأسلحة من الغرب أو على صفقات التسليح الضخمة قد وُجّه لبناء منظومة دفاع عربية مشتركة، لكان العالم العربي اليوم في موقع مختلف تمامًا من حيث القدرة على حماية مصالحه الاستراتيجية.
لكن ما حدث هو العكس تمامًا. فقد تحولت المنطقة إلى أكبر سوق للسلاح في العالم، بينما بقيت منظومة الأمن العربي المشترك شبه غائبة. وهكذا أصبحت الدول العربية تدفع ثمن أمنها مرتين: مرة عبر شراء السلاح، ومرة عبر فقدان استقلال قرارها السياسي.
ومن هنا فإن الحديث عن انتهاء الاستعمار في العالم العربي يحتاج إلى مراجعة جادة. فصحيح أن الاحتلال العسكري المباشر تراجع في معظم البلدان، لكن أشكالًا جديدة من الهيمنة ظهرت لتحل محله. فالتأثير السياسي والاقتصادي والعسكري الخارجي أصبح يمارس عبر أدوات مختلفة، من بينها التحالفات غير المتكافئة، والاعتماد الأمني على القوى الكبرى، وأحيانًا من خلال أنظمة سياسية تجد نفسها مضطرة لمواءمة سياساتها مع مصالح تلك القوى.
إن الاستعمار في شكله التقليدي كان يخلق صدامًا مباشرًا بين الشعوب والقوة المحتلة، أما في شكله الحديث فإنه يعمل بطريقة أكثر تعقيدًا: إذ يصبح الصراع داخليًا بين الشعوب وأنظمتها، بينما تبقى القوى الخارجية بعيدة عن واجهة المشهد.
لهذا السبب تحديدًا تبدو الحاجة ملحّة اليوم لإعادة التفكير في مفهوم الأمن القومي العربي وفي دور المؤسسات الإقليمية التي يفترض أنها تمثل الإرادة الجماعية للدول العربية. فالمشكلة لم تعد مجرد خلافات سياسية عابرة، بل أزمة بنيوية في طبيعة النظام الإقليمي ذاته.
إن الشعوب العربية لم تعد تقبل بسهولة الخطاب التقليدي الذي يبرر الصمت أو العجز باسم الواقعية السياسية. فالعالم يتغير بسرعة، وموازين القوى الدولية نفسها لم تعد ثابتة كما كانت في الماضي. وفي ظل هذه التحولات يصبح من الضروري أن يمتلك العرب رؤية استراتيجية مستقلة، لا تقوم على ردود الأفعال المؤقتة، بل على بناء قوة سياسية واقتصادية وعسكرية حقيقية.
وفي النهاية، فإن السؤال الذي يجب أن يُطرح بوضوح هو: هل تريد الدول العربية أن تبقى مجرد ساحة تتقاطع فيها مصالح القوى الدولية، أم أنها قادرة على أن تتحول إلى فاعل حقيقي في النظام الدولي؟
الإجابة عن هذا السؤال لن تحدد فقط مستقبل السياسة العربية، بل ستحدد أيضًا مصير الأمن والاستقرار في المنطقة بأسرها.
فالأمم التي لا تملك قرارها لا تستطيع حماية مصالحها، والدول التي لا تبني قوتها الذاتية تبقى دائمًا رهينة لمعادلات يضعها الآخرون. والتاريخ يعلمنا أن الاستقلال الحقيقي لا يتحقق بالشعارات، بل ببناء الإرادة السياسية القادرة على تحويل الإمكانات إلى قوة، والقدرة على تحويل التضامن من خطاب عاطفي إلى مشروع استراتيجي حقيقي.
The post ازدواجية المواقف العربية.. عندما يصبح القانون الدولي انتقائيًا appeared first on عين ليبيا آخر أخبار ليبيا.
