تتواصل الضغوط على أسعار السلع الأساسية في السوق الليبية، وسط تفاوت في الأسعار بين المناطق وتحديات تتعلق بتوفر بعض السلع وتكاليف الاستيراد والنقل والطاقة. ومع اتساع المخاوف من استمرار موجة الغلاء، يبرز ملف تنظيم الأسواق وقدرة المؤسسات الرقابية على ضبط المنافسة ومنع الممارسات الاحتكارية، في ظل استمرار الانقسام المؤسسي وتداخل الاختصاصات وضعف قدرة الدولة على إنفاذ القانون.
وقال رئيس مجلس المنافسة ومنع الاحتكار، سلامة الغويل، في تصريح لشبكة «عين ليبيا»، إن ما يحدث اليوم ليس ارتفاعًا عابرًا في الأسعار، ولا يتعلق بالدقيق وحده، بل يمتد بدرجات متفاوتة إلى أغلب السلع.
وأوضح أن ذلك «نتيجة تراكم أزمات اقتصادية وإدارية وأمنية: تراجع القوة الشرائية للدينار، والاعتماد الكبير على الاستيراد، وارتفاع تكاليف النقل والتشغيل، وأزمات الوقود والكهرباء، وضعف الإنتاج المحلي والرقابة».
وأضاف أن أصل المشكلة، في تقديره، هو «غياب الرؤية الاقتصادية والاجتماعية، والعشوائية في إدارة الدولة، وتداخل الاختصاصات، واستمرار الانقسام المؤسسي».
وقال إن حكومة الوحدة لم تنجح في معالجة هذه الاختلالات، بل أصبحت جزءًا من واقعها، وبالتالي أصبح المواطن يتحمل تكلفة سوء الإدارة قبل أن يتحمل تكلفة السلعة نفسها.
وفي ما يتعلق بارتفاع أسعار الدقيق والطحين، وما إذا كان يعود إلى نقص في المعروض أو إلى مشاكل في التوزيع والاحتكار والمضاربة، قال الغويل إن الأزمة لا يمكن اختزالها في سبب واحد.
وأوضح أن هناك ارتفاعًا في تكاليف الاستيراد والتشغيل والنقل، ومشاكل في الكهرباء والوقود والمعروض، لكن ذلك لا ينفي وجود فرص للمضاربة والتخزين واستغلال حاجة السوق متى ضعفت الرقابة.
وأشار إلى أن هذه الظاهرة لا تخص الدقيق وحده، بل يمكن أن تظهر في أغلب السلع عندما تتوفر فرصة للاستغلال ولا توجد دولة قادرة على متابعة سلسلة السلعة من الاستيراد والمخزون إلى التوزيع والبيع.
وأكد أن المطلوب هو تتبع السلسلة كاملة لمعرفة أين ترتفع التكلفة بصورة مشروعة، وأين تبدأ الزيادة غير المبررة أو الممارسات المخلة بالمنافسة.
وعن مدى فعالية الرقابة على الأسواق في مواجهة التجار الذين يستغلون نقص بعض السلع لرفع الأسعار، قال الغويل إن الرقابة الحالية أضعف بكثير من حجم المشكلة.
وأوضح أن هناك تعددًا في الجهات، وتداخلًا في الاختصاصات، وضعفًا في المعلومات والتنسيق، والأهم ضعف القدرة على تنفيذ القانون.
وأضاف أن تغول التشكيلات المسلحة ومراكز النفوذ، وارتهان جانب من القرار الحكومي لموازين القوة على الأرض، أضعف هيبة المؤسسات.
وقال إنه عندما يعجز القانون عن الوصول إلى الجميع بالمعيار نفسه، تتوسع مساحة المضاربة والتخزين واستغلال حاجة المواطن.
وأضاف أن تداخل بعض المصالح الاقتصادية مع القرار الإداري والسياسي يخلق بيئة غير صحية للمنافسة.
وأكد: «ولذلك فالمشكلة ليست في التاجر وحده؛ بل في دولة تراجعت قدرتها على تنظيم السوق وإنفاذ القانون».
وفي ما يتعلق برصد مجلس المنافسة ومنع الاحتكار ممارسات احتكارية أو تلاعبًا في أسعار الدقيق والسلع الأساسية خلال الفترة الأخيرة، قال الغويل إن لدى المجلس مؤشرات واختلالات في عدد من الأسواق تستوجب المتابعة والفحص، وليس في الدقيق فقط.
وأوضح أن المجلس يلتزم بالقانون، مشيرًا إلى أن ارتفاع السعر أو تشابه الأسعار لا يكفي وحده لإثبات الاحتكار.
وأضاف أن الإثبات يحتاج إلى دراسة حصص السوق ودرجة التركّز والمخزون وهوامش الربح ومسارات التوزيع، والتحقق من أي اتفاقات سعرية أو حجب للسلع أو إساءة لاستغلال مركز مهيمن.
وفي المقابل، قال الغويل إنه يجب أن يعرف المواطن أن مجلس المنافسة نفسه لم يُمكّن من الإمكانيات التي يحتاجها لتنفيذ اختصاصاته.
وأوضح أن المجلس «حُرم من ميزانيته ومن جزء مهم من أدوات بناء المؤسسة»، مضيفًا أن الخلاف السياسي مع حكومة الوحدة انعكس على تعاملها مع المجلس بصورة انتقائية وغير مهنية، بل حدث تراجع عن بعض المكتسبات والاعترافات التي حققها المجلس.
وأكد: «ومع ذلك، نواصل عملنا بما هو متاح، لأن حماية المنافسة واجب قانوني تجاه الدولة والمواطن، وليست موقفًا سياسيًا».
وحول أسباب التفاوت الكبير في أسعار بعض السلع بين منطقة وأخرى داخل ليبيا، وما إذا كان ذلك يرتبط بضعف المنافسة أو بتكاليف النقل والتوزيع، قال الغويل إن هناك أسبابًا اقتصادية طبيعية، مثل اختلاف تكلفة النقل والوقود والتخزين وبعد المناطق عن الموانئ ومراكز التوزيع، واختلاف عدد الموردين والمنافسين.
وأوضح أنه عندما يصبح فارق السعر أكبر بكثير من فارق التكلفة، يجب فحص السوق ومسارات التوزيع وهوامش الربح ودرجة المنافسة.
وأضاف أن استمرار الانقسام وضعف سلطة الدولة وتفاوت قدرتها على الرقابة والإنفاذ بين المناطق جعلنا أمام أسواق متفاوتة داخل الاقتصاد الليبي نفسه، بدل سوق وطنية تخضع لقواعد موحدة.
وعن تأثير أزمة الوقود والكهرباء وارتفاع تكاليف النقل والتشغيل على أسعار المواد الغذائية والسلع في السوق الليبي، قال الغويل إن تأثيرها كبير ومباشر، فالمطحنة والمخبز والمخزن والنقل جميعها تحتاج إلى طاقة ووقود.
وأوضح أن كل تكلفة إضافية يتحملها المنتج أو الموزع تنتقل في النهاية، بصورة أو بأخرى، إلى المواطن.
وأشار إلى أن المفارقة تتمثل في أن ليبيا دولة غنية بالنفط والموارد، ومع ذلك أصبح الوقود والكهرباء والنقل من عناصر رفع تكلفة الغذاء.
وقال إن ذلك يؤكد أن المشكلة ليست نقص موارد بقدر ما هي أزمة إدارة لهذه الموارد.
وفي ما يتعلق بتوقعاته بشأن استمرار ارتفاع الأسعار خلال الفترة المقبلة، قال الغويل إنه إذا استمر الوضع الحالي، فإن احتمالات استمرار الضغوط السعرية قائمة، خصوصًا في الأغذية والسلع المستوردة والدقيق والحبوب والزيوت والأعلاف والمنتجات المرتبطة بالطاقة والنقل.
وحذر من أن الخطر الحقيقي يتجاوز ارتفاع الأسعار إلى تآكل القوة الشرائية واتساع دائرة الفقر وتراجع الطبقة الوسطى.
وأضاف: «فاقتصاد يدار دون رؤية مستقرة، وفي ظل انقسام وضعف رقابة وإنفاذ للقانون، يصبح معرضًا باستمرار للصدمات والمضاربة».
وعن الإجراءات التي يجب اتخاذها بشكل عاجل للحد من ارتفاع الأسعار وضمان توفر الدقيق والسلع الأساسية للمواطن بأسعار عادلة، قال الغويل إن المعالجة تبدأ من استعادة الدولة لوظيفتها.
وأوضح أن ذلك يتطلب تأمين مخزون استراتيجي من القمح والسلع الأساسية، وضمان الوقود والكهرباء للمطاحن والمخابز، وتنظيم الاستيراد والنقل والتوزيع، ومراقبة المخزون وهوامش الربح، ونشر البيانات بشفافية، وفتح السوق للمنافسة الحقيقية.
وأضاف أنه يجب كذلك تمكين مجلس المنافسة والجهات الرقابية والقضائية من إمكانياتها واستقلالها، وإنهاء تدخل السياسة ومراكز النفوذ في عملها، وفصل المال والمصالح الخاصة عن القرار العام، وتطبيق القانون على الجميع دون انتقائية.
وقال إنهم يرون أن جزءًا كبيرًا من الوضع الحالي هو حصيلة منهج اتسم بالعشوائية وغياب الرؤية وتداخل الاختصاصات وعدم المهنية والموضوعية في إدارة عدد من الملفات، فضلًا عن استمرار الانقسام وارتهان القرار لموازين القوة والنفوذ.
وختم الغويل بالقول: «ليبيا لا تعاني نقصًا في الموارد بقدر ما تعاني ضعفًا في إدارة الموارد والدولة. وعندما يضعف القانون، وتتداخل المصالح والمال والسلاح مع القرار، وتُعطَّل المؤسسات المستقلة، تكون النتيجة الطبيعية سوقًا مضطربة، وخدمات متراجعة، ومواطنًا يتحمل وحده فاتورة هذا الفشل».
The post الأسعار تشتعل في بلد «يسبح» فوق النفط.. فمن يسيطر على قوت الناس؟ appeared first on عين ليبيا | آخر أخبار ليبيا.

