الاتفاقية البحرية الليبية التركية.. بين مقتضيات المصلحة الوطنية وتوازنات المواقف الإقليمية

0
6

شَكَّلَت الاتفاقية البحرية الموقعة في نوفمبر 2019 بين رئيس المجلس الرئاسي السابق فايز السراج والرئيس التركي رجب طيب أردوغان محطة مفصلية في رسم خرائط النفوذ الجيوسياسي بشرق البحر الأبيض المتوسط؛ وبالرغم من الرفض السياسي والمؤسسي المعلن الذي واجهته الاتفاقية حينها من قبل مجلس النواب الليبي والسلطات التابعة له، والشرخ الذي أحدثته على المستوى الإقليمي، إلا أن القراءة الفنية والهندسية لخريطة التعديل الاقتصادي تشير إلى أن المذكرة تمنح الدولة الليبية مساحات جغرافية مائية واسعة وجرفاً قارياً يتجاوز المكاسب التي كانت ستتحصل عليها ليبيا في حال اعتماد المقترحات اليونانية، وهو ما جعل الاتفاقية تركة سياسية وقانونية معقدة تتأرجح بين مقتضيات السيادة والمنفعة الاقتصادية من جهة، والتحفظات القانونية والدبلوماسية من جهة أخرى.

ومع التحولات السياسية الأخيرة وإعادة ترتيب الهيكلية القيادية في مجلس النواب الليبي، يبرز مسار التصويت المتوقع على المذكرة كخطوة تهدف إلى شرعنة الاتفاقية من منظور السلطة التشريعية بعد إدخال تعديلات تنظيمية تضمن حماية قرار الاستثمار النفطي والمائي الليبي المستقل؛ إذ تشير القراءات السياسية والمداولات النيابية إلى أن التصويت المرتقب لن يكون مجرد إقرار شكلي للنص الأصلي، بل يتجه نحو المصادقة المشروطة بضمان المصلحة الوطنية العليا، ورفع التحفظات المتعلقة بالسيادة الكاملة على إدارة العقود مع الشركات العالمية لتنقيب الطاقة دون قيود استشارية مسبقة، وهو ما يدعمه مناخ التقارب الملموس والشراكات الاقتصادية الآخذة في التوسع بين السلطات في الشرق الليبي والسلطات التركية.

وفي حال تم التصويت بالتصديق على الاتفاقية داخل القبة البرلمانية، فإن ردود الفعل الإقليمية ستتفاوت حدتها ومستوياتها الدبلوماسية؛ فبالنسبة لليونان، يُتوقع أن تصدر أثينا اعتراضاً حاداً وموقفاُ قانونياً صريحاً يرفض الخطوة ويراها انتهاكاً لحقوقها السيادية ولشرعية الجزر التابعة لها مثل كريت، مع اللجوء المتوقع إلى آليات الاتحاد الأوروبي للمطالبة بفرض ضغوط وسياسات دبلوماسية مضادة. أما على الجانب المصري، فإن رد الفعل يتسم بقدر أكبر من المرونة والمناورة الحذرة، لاسيما في ظل حالة الانفراج والتنسيق المباشر القائمة بين القاهرة وأنقرة من جهة، والتفاهمات الميدانية بين مصر والشرق الليبي من جهة أخرى؛ حيث يرجح أن تركز القاهرة على حماية حدودها الاقتصادية المرسمة وتفادي التأثير على توافقاتها الإقليمية، مع التأكيد الدائم على ضرورة صياغة إطار شامل ومستقر لترسيم الحدود في حوض شرق المتوسط يضمن مصالح كافة الأطراف عبر الحوار والوسائل الدبلوماسية.

ولتحقيق أقصى استفادة وطنية مع تحييد المخاطر الإقليمية، تتبلور رؤيتنا في تقديم مسار متوازن يعتمد على المصادقة المشروطة بوضع إطار وطني شامل لإدارة واستغلال الموارد البحرية، مع إطلاق مبادرة ليبية للحوار الرباعي يجمع ليبيا وتركيا ومصر واليونان بهدف التوصل إلى تفاهمات إقليمية متكافئة تضمن حقوق الجميع وتنزع فتيل التوتر، بالإضافة إلى إيداع إحداثيات المناطق البحرية الليبية لدى الأمم المتحدة وفق قانون البحار الدولي، بما يؤكد السيادة الليبية بشكل لا يقبل الطعن أو المزايدة من أي طرف.

The post الاتفاقية البحرية الليبية التركية.. بين مقتضيات المصلحة الوطنية وتوازنات المواقف الإقليمية appeared first on عين ليبيا | آخر أخبار ليبيا.