تُشكل الهوية الوطنية العمود الفقري لأي دولة تسعى إلى تنظيم بنيتها الإدارية وحماية أمنها القومي والمالي. وفي ليبيا، يمثل القانون رقم (8) لسنة 2014م بشأن الرقم الوطني المحطة الأساسية للتحول من المعاملات الورقية التقليدية إلى منظومة رقمية سيادية موحدة تجمع بيانات المواطنين وتضمن حقوقهم.
أولاً: ما هو الرقم الوطني وما بنيته القانونية؟
وفقاً للمادة (1) من القانون، يُعرف الرقم الوطني بأنه: «بيان رقمي ذو دلالة ومدخل إلى البيانات المعرفة بالفرد بقاعدة البيانات الوطنية، ويعتبر مصدراً للتعرف والتأكد من الهوية الشخصية أمام جميع مؤسسات الدولة».
وقد حددت المادة (2) التركيبة الرسمية للرقم الوطني؛ فهو رقم فريد غير مكرر يتكون من 12 خانة تُقرأ من اليسار إلى اليمين كالتالي:-
- الخانة (1): لتحديد الجنس؛ حيث يرمز الرقم (1) للذكر، والرقم (2) للأنثى.
- الخانات (2، 3، 4، 5): لتحديد سنة الميلاد.
- الخانات من (6 إلى 11): لتحديد تسلسل المواطن ضمن سنة الميلاد الواحدة وفق فئة الجنس.
- الخانة (12): تُخصص لفحص الرقم الوطني.
ثانياً: الأهمية والاشتراطات القانونية
أقر التشريع جملة من الأحكام الملزمة للجهات العامة والمواطنين لحماية المال العام والهوية:-
اشتراط لمنح الخدمات والوثائق: نصت المادة (1) والمادة (4) على أنه لا يجوز لأي جهة تابعة للدولة منح أية وثيقة أو خدمة عامة، أو إصدار الوثائق الدالة على المواطنة (كجوازات السفر والبطاقات الشخصية)، إلا بعد الحصول على الرقم الوطني الذي يُعد قرينة على أن حامله مواطن ليبي.
ربط المرتبات والمعاملات المالية: ألزمت المادة (7) كافة الوزارات والوحدات الإدارية والهيئات والمؤسسات المدنية والعسكرية والشركات العامة باستخدام الرقم الوطني في صرف كافة المرتبات والمكافآت، مع الوجوب القانوني بوقف المرتب أو المستحق المالي لأي مواطن في حال عدم تقديمه للرقم الوطني، أو عند ثبوت الازدواجية والتكرار في الصرف بغير وجه حق.
التوثيق في الملفات الرسمية: ألزمت المادة (6) كافة الجهات بإثبات الرقم الوطني في كافة السجلات والوثائق والملفات كمرجع ثابت لإثبات هوية الفرد طيلة حياته.
ثالثاً: الثغرات والعيوب في التشريع الحالي
رغم الأهمية الكبيرة للقانون، إلا أن التطبيق العملي أظهر وجود عدة عيوب ونقائص بحاجة إلى معالجة حازمة:-
- قصور البيانات الحيوية بالمادة (3): حددت المادة (3) البيانات الحيوية في (البصمة العشرية، بصمة العين، الصورة، والتوقيع)، وأغفلت البصمة الوراثية (DNA) التي تُعد الركن العلمي الحاسم والأدق لإثبات النسب والانتماء الوطني، خاصة في مناطق الشريط الحدودي والحالات المشتبه بها.
- ضعف العقوبة الجزائية بالمادة (10): نصت المادة (10) على العقاب بالحبس مدة لا تقل عن سنة وبغرامة لا تقل عن 1000 ولا تزيد على 5000 دينار. وهي عقوبة بسيطة لا تتناسب مع خطورة التزوير في قيد المواطنة والمساس بالأمن القومي.
- استمرار المعالجات المؤقتة بالمادتين (8 و9): على الرغم من حظر الأرقام المؤقتة، إلا أن السماح بتدابير تنظيمية استثنائية من مجلس الوزراء لصرف مرتبات غير الحاصلين على الرقم الوطني فتح منافذ إدارية أطالت أمد القيود المعلقة.
- طبيعة القرينة في المادة (4): عدم النص صراحة على أن الرقم الوطني “قرينة بسيطة قابلة لإثبات العكس” عند اكتشاف التزوير أو بطلان القيود يربك الإجراءات القضائية والإدارية عند الإلغاء وفق المادة (5).
رابعاً: التعديل التشريعي المقترح وحماية الجنسية
لحماية الهوية الوطنية وضمان سلامة السجل المدني، يتطلب الأمر إدخال تعديلات جوهرية على مواد القانون:-
•تعديل المادة (3)_إدراج البصمة الوراثية (DNA) نصاً ضمن البيانات الحيوية لجمعها في قاعدة البيانات الوطنية، وجعلها شرطاً حازماً في حالات القيد الأول بالحدود، وفي حالات التشكك أو طلب التجنس.
•تعديل المادة (5) و(10)_النص على الإلغاء الفوري للرقم الوطني بقرار مسبب عند ثبوت التزوير، وتغليظ العقوبة في المادة (10) لتكون السجن المشدد مدة لا تقل عن 7 سنوات وغرامة مالية لا تقل عن 50,000 دينار لكل من زوّر أو ساهم في إدخال بيانات غير صحيحة بقاعدة البيانات الوطنية.
تعديل المادة (8): إنهاء كافة المعالجات الاستثنائية، وإلزام لجان قضائية وأمنية حاسمة بإنهاء ملفات القيود المعلقة خلال زمن محدد.
خامساً: آليات حماية سرية الفحص الجيني (DNA) والبيانات
•إن تطبيق الفحص الجيني لحماية الهوية الوطنية ينبغي أن يخضع لآليات عمل علمية وتقنية تضمن أعلى درجات السرية:
•التجهيل الشفري_عند أخذ العينة الجينية، تُعطى رمزاً (شفرياً مشفراً ) داخل المختبرات دون إظهار الاسم أو البيانات الشخصية لحماية خصوصية المواطن.
•المختبر الجنائي المركزي_تُجرى التحاليل في مختبرات جنائية وأمنية معتمدة تابعة للدولة، وتُحول النتائج إلى (شفرة جينية فريدة) تُحفظ في قواعد البيانات.
•الخوادم المعزولة وتقفي أثر الاستعلام_تُحفظ البيانات الجينية في خوادم مشفرة ومعزولة تماماً عن شبكة الإنترنت ، مع تسجيل إلكتروني تلقائي لأي عملية استعلام برقم الموظف وتوقيتها لضمان المحاسبة والسرية المطلقة.
The post الرقم الوطني.. صمام الأمان للهوية الوطنية والمال العام appeared first on عين ليبيا | آخر أخبار ليبيا.

