مع اتساع رقعة الاحتجاجات في عدد من المدن الليبية، وتطورها من مطالب خدمية مرتبطة بالكهرباء والأوضاع المعيشية إلى شعارات تستهدف المشهد السياسي بأكمله، تتزايد التساؤلات حول انعكاسات هذه التطورات على علاقات ليبيا الخارجية، وجهود المجتمع الدولي لدفع العملية السياسية، إضافة إلى تأثيرها على الاستقرار الإقليمي والاستثمار.
وفي هذا السياق، أكد خبير العلاقات الدولية الدكتور إلياس الباروني، في تصريح لـ«عين ليبيا»، أن ما تشهده البلاد لم يعد مجرد أزمة خدمات، بل يمثل تحولاً تدريجياً إلى أزمة شرعية سياسية، مشيراً إلى أن الاحتجاجات باتت عاملاً مؤثراً في حسابات القوى الدولية والإقليمية المنخرطة في الملف الليبي.
وأوضح الباروني أنه لا يمكن النظر إلى الاحتجاجات الجارية في ليبيا بوصفها مجرد رد فعل شعبي على تردي الخدمات العامة، ولا سيما أزمة الكهرباء، لأن ما يحدث في الواقع يمثل انتقالاً من أزمة خدمات إلى أزمة شرعية سياسية، ومن احتجاجات مطلبية إلى حراك سياسي يطعن في بنية النظام السياسي القائم برمته.
وأضاف أن هذه التطورات لم تعد شأناً داخلياً خالصاً، بل أصبحت من زاوية العلاقات الدولية عاملاً مؤثراً في حسابات القوى الدولية والإقليمية المنخرطة في الملف الليبي.
وأشار إلى أن التركيز الشعبي في المراحل الأولى كان منصباً على أزمة الكهرباء ونقص الوقود والسيولة وتدهور البنية التحتية، إلا أن اتساع رقعة الاحتجاجات كشف أن الشارع الليبي بات ينظر إلى هذه الأزمات باعتبارها نتيجة مباشرة للأزمة السياسية والانقسام المؤسسي.
وبيّن أن المواطن الليبي أصبح يربط بين ثلاثة عناصر رئيسية تتمثل في الانقسام السياسي، وسوء الإدارة، وانهيار الخدمات، موضحاً أن التحول الحقيقي تمثل في انتقال السؤال من كيفية حل أزمة الكهرباء إلى تحديد المسؤول عن استمرارها، الأمر الذي نقل الخطاب الشعبي من المطالبة بتحسين الخدمات إلى المطالبة بإحداث تغيير سياسي شامل.
وأكد الباروني أن هذه الأزمات تؤثر بصورة كبيرة على صورة ليبيا أمام المجتمع الدولي، موضحاً أن الدول لا تقيس استقرار البلدان بوجود الحكومات فقط، وإنما بمدى قدرة مؤسساتها على أداء وظائفها الأساسية، مثل توفير الكهرباء، وحماية المنشآت الحيوية، وتأمين حركة التجارة والاستثمار، وفرض القانون.
وأضاف أن تحول أزمة الكهرباء إلى احتجاجات واسعة، وإغلاق المؤسسات، وقطع الطرق، يبعث برسالة إلى المجتمع الدولي مفادها أن الدولة الليبية ما تزال تعاني أزمة بنيوية عميقة، وهو ما ينعكس على التصنيف الائتماني للدولة، وثقة المستثمرين، وخطط الشركات الأجنبية، والعلاقات الاقتصادية والدبلوماسية، فضلاً عن أنه يمنح القوى الدولية مبرراً إضافياً لتوسيع نطاق تدخلها السياسي والأمني في ليبيا.
وحول انعكاس غضب الشارع على العملية السياسية، أوضح الباروني أن الجهود الدولية خلال السنوات الماضية ركزت على إجراء الانتخابات باعتبارها المدخل الأساسي للحل، إلا أن الاحتجاجات الحالية أظهرت أن الأزمة لم تعد تتعلق فقط بإجراء الانتخابات، وإنما بإعادة بناء الثقة بين المواطن والمؤسسات.
وأشار إلى أن هذا الواقع قد يفضي إلى ثلاثة اتجاهات، تتمثل في زيادة الضغوط الدولية لتسريع العملية الانتخابية، أو الدفع نحو تشكيل سلطة تنفيذية جديدة، أو محاولة إنتاج صيغة جديدة لتقاسم السلطة، لافتاً إلى أن المشكلة الأساسية تكمن في أن أي انتخابات تُجرى في ظل الانقسام السياسي والأمني الحالي قد تعيد إنتاج الأزمة بدلاً من حلها.
وفي تقييمه لموقف المجتمع الدولي، قال الباروني إن القوى الدولية تتعامل مع الأزمة الليبية وفق قاعدة تقوم على منع انهيار الدولة دون الوصول إلى مرحلة بناء دولة مستقرة وقوية، مبيناً أن تركيزها ينصب على إدارة الأزمة أكثر من إنهائها.
وأوضح أن ذلك يفسر استمرار المبادرات السياسية دون نتائج حاسمة، وغياب العقوبات الرادعة ضد معرقلي العملية السياسية، والاكتفاء بإصدار بيانات القلق والدعوة إلى الحوار، إلى جانب الحرص على استمرار تدفق النفط والغاز، مؤكداً أن الأولوية الدولية تتمثل في منع تحول الأزمة الليبية إلى مصدر تهديد إقليمي ودولي أكثر من السعي إلى حلها بصورة جذرية.
وفيما يتعلق بالتوترات الأمنية في الزاوية وغيرها من المناطق، أكد الباروني أن مدينة الزاوية تمثل أهمية استراتيجية نظراً إلى موقعها الجغرافي وارتباطها بالمنشآت النفطية وخطوط التهريب والهجرة غير النظامية.
وأضاف أن استمرار التوترات الأمنية يحمل تداعيات خطيرة، أبرزها تصاعد المخاوف الأوروبية بشأن الهجرة غير النظامية، وتنامي النشاط الإجرامي العابر للحدود، وتراجع ثقة المستثمرين الأجانب، وزيادة احتمالات التدخلات الخارجية، مشيراً إلى أن هذه التطورات قد تدفع بعض الدول إلى التعامل مع القوى المحلية بوصفها فاعلين مستقلين، بما يزيد من تعقيد المشهد الليبي.
وأكد الباروني أن الأزمات الحالية تؤثر بشكل مباشر على الاستثمار والعلاقات الاقتصادية، موضحاً أن ليبيا تمتلك إمكانات اقتصادية هائلة، إلا أن رأس المال يبحث دائماً عن ثلاثة شروط أساسية، هي الاستقرار السياسي، والأمن القانوني، ووضوح الرؤية الاقتصادية.
وأشار إلى أن استمرار الانقسام السياسي والاحتجاجات والاشتباكات المسلحة يجعل الاستثمار أكثر خطورة، ويرفع كلفة التأمين، ويحد من قدرة الدولة على تنفيذ المشروعات الكبرى، لافتاً إلى أن هذا التأثير لا يقتصر على الاستثمارات الأجنبية، بل يمتد أيضاً إلى الاستثمارات المحلية.
وعن الدور المتوقع للقوى الإقليمية والدولية، قال الباروني إن هذه القوى أصبحت جزءاً من الأزمة وجزءاً من الحل في الوقت نفسه، موضحاً أن أبرز أدوارها المتوقعة تتمثل في الضغط على الأطراف الليبية للقبول بتسوية سياسية جديدة، ودعم إجراء الانتخابات، وإعادة توحيد المؤسسات السيادية، والمحافظة على استمرار إنتاج النفط وتصديره، ومنع تحول ليبيا إلى ساحة صراع إقليمي مفتوح.
وأضاف أن نجاح هذه الجهود يظل مرتبطاً بوجود إرادة سياسية ليبية حقيقية، مؤكداً أن الحلول الخارجية وحدها لا تكفي لإنهاء الأزمة.
وفي قراءته للسيناريوهات المحتملة، رجح الباروني أربعة مسارات رئيسية، يتمثل الأول في استمرار الوضع القائم من خلال بقاء الانقسام السياسي مع احتواء الاحتجاجات بصورة مؤقتة، وهو السيناريو الأقرب على المدى القصير.
أما السيناريو الثاني، فيتمثل في تصاعد الضغوط الدولية، بما قد يشمل فرض عقوبات جديدة، وإعادة هيكلة المسار السياسي، وتسريع تشكيل سلطة جديدة، ووضع جدول زمني ملزم لإجراء الانتخابات.
وأشار إلى أن السيناريو الثالث يتمثل في الانفجار الشامل إذا تزامنت الأزمات الخدمية مع التوترات الأمنية والانهيار الاقتصادي، واصفاً إياه بالسيناريو الأخطر.
وأضاف أن السيناريو الرابع يتمثل في التوصل إلى تسوية سياسية شاملة، وهو الأكثر صعوبة، لأنه يتطلب توافقاً داخلياً واسعاً، ودعماً إقليمياً ودولياً متوازناً.
واختتم الباروني تصريحه بالتأكيد على أن ليبيا تقف اليوم عند نقطة تحول تاريخية، موضحاً أن الاحتجاجات الحالية لا تستهدف إسقاط حكومة بعينها، بل تعكس رفضاً شعبياً متزايداً لمنظومة سياسية كاملة، الأمر الذي يجعل السؤال الحقيقي، بحسب تعبيره، ليس متى ستنتهي أزمة الكهرباء، وإنما أي شكل للدولة الليبية سيولد من رحم هذه الأزمة.
The post الشارع يشتعل.. خبير دولي يكشف «السيناريوهات المرعبة» لمستقبل ليبيا appeared first on عين ليبيا | آخر أخبار ليبيا.

