درستُ على يدي محمد بن محمد المختار الشنقيطي أكثر من سنتين ونصف السنة، حيث ابتدأ في بيته، ثم لما ضاق المكان بالطلاب انتقل إلى أحد المساجد القريبة منه، حيث واصل شرح “زاد المستقنع” شرحاً يُعدّ من أهم شروحه المعاصرة، لما امتاز به من قوة التأصيل، ودقة الترجيح، وربط المسائل بأصولها الشرعية. وقد نشأ الشيخ المختار الشنقيطي في المدينة المنورة، وكان أخوه أبو بكر زميلي في كلية الدعوة وأصول الدين، وهو ما قرّبني من أسرته العلمية الكريمة، وعرفتُ عن قرب بيئة نشأته الأولى.
الشيخ محمد بن محمد المختار الشنقيطي في رحاب المسجد النبوي
نشأ شيخنا محمد بن محمد المختار الشنقيطي في رحاب المسجد النبوي، وبين حلقات العلم، على يد والده الشيخ محمد المختار الشنقيطي، فتربى في مدرسة الفقه المالكي الأصيلة، واعتنى منذ صغره بعلوم الآلة، وأصول الفقه، والدراسات الحديثية، فترسّخ فيه المنهج الفقهي الدقيق القائم على احترام أقوال العلماء، والترجيح بالدليل، ونبذ التعصب المذهبي. وكان يُربينا عملياً على هذا المنهج، لا نظرياً فحسب، حتى تدرّج في مدارج العلم، وأصبح من كبار علماء الحرمين الشريفين، وممن يُشدّ إليهم الرحال في طلب العلم والفتوى.
وفي هذا السياق المنهجي، كان الشيخ يقرر في عدد من دروسه العلمية بالمدينة المنورة قاعدةً كبرى في فهم العلم والدعوة، حيث قال في أحد دروسه المسجلة: “المنهج العلمي الصحيح هو أن ندعو إلى الله بالدليل، وأن نبني منهجنا على الكتاب والسنة، وأن نبتعد عن التعصب والهوى… فالعلم يُبنى ولا يُنتزع” (محمد بن محمد المختار الشنقطي، درس مسجّل، فوائد المختار، 2013).
وهذه العبارة تختصر مدرسة الشيخ العلمية؛ إذ تُبرز التدرج، والبناء، والتأصيل، لا الصدام ولا الانتزاع، وهو ما لمسته واقعاً في طريقته في التدريس والتوجيه.
ولقد اشتهر الشيخ بين طلبة الجامعة الإسلامية، وأحبّوه وتنافسوا على حضور حلقاته، لما وجدوه فيه من جمعٍ بين عمق الفقه، وسلامة المنهج، وحسن الخلق. وكان باراً بوالدته، لطيف المعشر، قريباً من طلابه، حتى اختير عضواً في هيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية عام 2009م، وله حضور علمي معروف في الحرمين الشريفين وفي المؤلفات والبحوث الفقهية المعاصرة. وقد كانت اختياراته الفقهية تميل بوضوح إلى الدليل الشرعي، مع سعة أفق في فهم الواقع، وبُعدٍ ظاهر عن التعصب، وهو ما يظهر جلياً في مؤلفه المهم أحكام الجراحة الطبية والآثار المترتبة عليها، حيث جمع فيه بين التراث الفقهي، والاستنباط المنضبط، والتنزيل المعاصر.
وما يلفت الانتباه هو حديثه عن المدينة المنورة وأثرها في تكوين العلماء، قال الشيخ في أحد دروسه المسجلة بالحرم النبوي: “المدينة المنورة مدرسة العلم الأولى بعد القرآن والسنة، ففي رحابها يتجمع العلماء، ويتربى طلاب العلم على السكينة، والفهم، وحسن التلقي” (محمد بن محمد المختار الشنقيطي، درس فضائل المدينة، 16 سبتمبر 2013).
وهذا يفسّر كثيراً من ملامح شخصيته العلمية؛ إذ لم تكن المدينة عنده مكان إقامة فحسب، بل مدرسة تربية ومنهج.
وكنتُ – بفضل الله – من الملازمين لدروسه، محافظاً عليها ما استطعت، وقد أجازني في التدريس فيما أخذتُ عنه. ولا أنسى موقفاً بقي حياً في ذاكرتي: ففي أحد مواسم الحج، حين كنت طالبًا بالمملكة، التقيت بشيخي يوم عرفة في مسجد نمِرة، فذكّرني بالإخلاص لله، وبالحرص على هداية الناس، وبالاستعداد للرحيل، ثم قرأ عليّ قول الله تعالى: ﴿فَلَنَسۡـَٔلَنَّ ٱلَّذِينَ أُرۡسِلَ إِلَيۡهِمۡ وَلَنَسۡـَٔلَنَّ ٱلۡمُرۡسَلِينَ* فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيۡهِم بِعِلۡم وَمَا كُنَّا غَآئِبِينَ* وَٱلۡوَزۡنُ يَوۡمَئِذٍ ٱلۡحَقُّۚ فَمَن ثَقُلَتۡ مَوَٰزِينُهُۥ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ* وَمَنۡ خَفَّتۡ مَوَٰزِينُهُۥ فَأُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ خَسِرُوٓاْ أَنفُسَهُم بِمَا كَانُواْ بِـَٔايَٰتِنَا يَظۡلِمُونَ﴾ [الأعراف: 6–9]. ولا تزال هذه الآيات، مقرونةً بنبرة صوته ومقامها، حاضرة في قلبي إلى اليوم. وكنت في تلك الحلقات رفقة الإخوة الكرام الشيخ الدكتور سالم الشيخي والشيخ الدكتور ناصر عاقوب. وكان أيام مليئة بالخير والمثابرة، وارتباط طلبة العلم بهذه الدروس والحلقات للشيخ الجليل وغيره من علماء المدينة المنورة.
ومن تجربتي مع الشيخ محمد المختار الشنقيطي، فإنه من الشيوخ الزهاد المتواضعين، لا يتكلف في مظهره، ولا تصنّع في علمه، وسَمْته يذكّرك بفقه القدوم على الله عز وجل. وقد كان يؤكد في غير ما مجلس أن العلم بلا أخلاق عبءٌ على صاحبه، حيث قال في أحد دروسه التربوية: ”طلب العلم ليس جمعاً للمعلومات، بل تربية للنفس، فمن لم يتخلق بأخلاق العلم، لم ينتفع بعلمه” (محمد بن محمد المختار الشنقيطي، من فضائل المدينة المنورة، 09/05/2021).
تجربة الشيخ محمد بن محمد مختار الشنقطي في طلب العلم
تحدّث شيخنا العلامة الفقيه محمد بن محمد المختار الشنقيطي عن تجربته في طلب العلم حديثَ الصادق المتحرّج من تزكية النفس، فقال ما معناه: “إن الحديث عن النفس مُحرِج، وقد يُخشى منه أن يُثبِّط طلاب العلم، فيكون كالمستجير من الرمضاء بالنار، غير أنه ذكر بعض ما مرّ به رجاءَ النفع، وسأل الله ألا يؤاخذه على ذلك”.
وبيّن أن الفضل في بداياته العلمية بعد توفيق الله تعالى يرجع إلى والده رحمه الله، الذي كان حريصًا على أخذه منذ الصغر إلى مجالس العلم في الحرم النبوي، وعلى حضور دروسه في البيت، حتى إنه كان – لصغر سنه – ينام أحيانًا في حجره أثناء الدرس، لكثرة ملازمته له. وكان والده يدرّس بعد أكثر الصلوات، وأحيانًا بعد العصر في البيت.
ولما بلغ الخامسة عشرة من عمره، أمره والده أن يجلس بين يديه ويقرأ عليه دروس الحرم، فابتدأ بقراءة سنن الترمذي في جمعٍ كبيرٍ من الناس في مسجد النبي ﷺ، وكان ذلك تشجيعًا له وشحذًا لهمته، وحسنَ ظنٍّ من والده به. ثم قرأ عليه الموطأ فختمه، ثم سنن ابن ماجه، ولم يُكمله لوفاة والده، ورجا أن يُكتب له أجر إتمامه.
وكان بعد المغرب يقرأ درس الحديث، ثم يحضر دروس اللغة والفقه التي تُقرأ على والده. وبعد العشاء كان يقرأ عليه صحيح مسلم حتى ختمه، وابتدأ ختمةً ثانيةً، وتوفي والده في آخرها، وكان موضع الوفاة عند باب فضل الموت والدفن في المدينة، في مشهدٍ له دلالته العميقة. وذكر أن والده دعا في آخر مجلسٍ له دعاءً مؤثّرًا، ولم تكن عادته الدعاء في هذا الموضع، فكان تأمين الحاضرين لافتًا لكثرتهم وتأثرهم.
وأما بعد الفجر فكان يقرأ حتى تطلع الشمس، وبعد الظهر كان يقرأ عليه صحيح البخاري حتى ختمه، ثم شرع في ختمة ثانية لم تُستكمل لوفاة والده. وذكر أنه قرأ عليه في الفقه متن الرسالة كاملاً، وجملةً كبيرةً من مسائل بداية المجتهد، وكان يحررها، مع سعة باع والده في علم الخلاف، وورعه عن الترجيح.
وفي علم الأصول، قرأ عليه بعضه، غير أن والده كان لا يحب كثرة الجدل والمنطق، وكان يرى تحريم الاشتغال بالمنطق، وهو قول معمول به عند بعض العلماء، فكان يمنعه من التوسّع فيه، مما دفعه إلى استكمال هذا الفن على مشايخ آخرين. وأما علم المصطلح فقرأ عليه منظومات، منها البيقونية والطلعة، وقرأ تدريب الراوي. وفي السيرة والتاريخ كان لوالده درسٌ في رمضان في البداية والنهاية، حتى شهد له العلماء بقوة حفظه، ومنهم الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله. وكان لوالده عناية بعلم الأنساب، غير أنه آثر عدم التوسع فيه خشية التبعات، واكتفى بما حصّله في الفقه والحديث وسائر العلوم الشرعية. ومن ثم ختم الشيخ حديثه بالإشارة إلى أنه يشغل اليوم عضوية هيئة كبار العلماء واللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء، سائلاً الله القبول والسداد (موقع الشيخ محمد بن محمد المختار، عن الشيخ، شوهد في: 11 يناير 2026م).
أبرز مؤلفات محمد محمد المختار الشنقيطي (حفظه الله)
اشتهر مؤلفه “أحكام الجراحة الطبية والآثار المترتبة عليها”، وهو كتاب فقهي معاصر في النوازل الطبية، اعتمدته جهات علمية، ويُدرَّس في بعض الكليات الشرعية والطبية. فضلاً عن عشرات البحوث الفقهية والأصولية المنشورة في مجلات علمية محكَّمة، وفي أعمال مؤتمرات فقهية (خاصةً في فقه النوازل والقضايا الطبية والمالية). وكذلك سلاسل صوتية مطوّلة في شرح زاد المستنقع”، ودروس في أصول الفقه وقواعد الترجيح، ومحاضرات في فقه الواقع والنوازل.
خلاصة القول
لا يزال – حفظه الله – يُدرّس ويُفتي، ويشارك في المجالس العلمية والدروس والمحاضرات، ويدل الناس على الخير، ويدعوهم إلى صراط الله المستقيم، جامعًا بين فقه النص، وفقه الواقع، وصدق التربية.
وفي ختام هذه الشهادة، فإن الحديث عن الشيخ الدكتور العلامة محمد بن محمد المختار الشنقيطي حديثٌ عن العلم إذا اقترن بالعمل، وعن الفقه إذا صاحَبَهُ الزهد، وعن الدعوة إذا تزيَّنت بالإخلاص. وهو نموذجٌ للعالِم الرباني الذي لم يكن علمه حبيس الكتب، ولا فقهه أسير القاعات، بل كان علمًا يُربّي، وفقهًا يُهذّب، ودعوةً تُحْيي القلوب قبل العقول.
لقد علّم الشيخ طلابه – بلسان حاله قبل مقاله – أن طريق العلم أمانة ومسؤولية، وأن الفتوى دين يُدان الله به، وأن العالم الحق هو من يحمل همَّ الأمة، ويزن أقواله بميزان الآخرة. فكان مجلسه مدرسةً في السكينة، وكلامه تذكرةً بالوقوف بين يدي الله، ومنهجه شاهدًا على أن الجمع بين الدليل، وحكمة التنزيل، وحسن الخلق، هو السبيل الأمثل لخدمة الإسلام في هذا الزمان.
نسأل الله العظيم أن يبارك في عمر شيخنا الجليل، وأن يجزيه عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء، وأن يجعل ما قدّمه في ميزان حسناته، وأن ينفع بعلمه الأجيال القادمة، ويُخرِج من مدرسته رجالًا ونساءً يحملون هذا الدين علمًا وعملاً ودعوةً وصبراً. قال تعالى: ﴿رَبَّنَا ٱغۡفِرۡ لَنَا وَلِإِخۡوَٰنِنَا ٱلَّذِينَ سَبَقُونَا بِٱلۡإِيمَٰنِ وَلَا تَجۡعَلۡ فِي قُلُوبِنَا غِلّا لِّلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ رَبَّنَآ إِنَّكَ رَءُوف رَّحِيم﴾، والحمد لله رب العالمين.
المراجع:
القرآن الكريم.
سيرة الشيخ محمد بن محمد المختار، وفهارس الدروس الصوتية في المدينة المنورة (الأرشيف الدعوي)، موقع الشيخ، شوهد في: 11 يناير 2026م.
علي محمد الصلابي، مسودة كتاب “مذكرات وذكريات في طلب العلم والإصلاح والسياسة”، قيد التأليف، 1447ه/ 2026م. تسجيلات دروس الفقه والأصول – قناة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة.
محمد بن محمد المختار الشنقيطي، أرشيف صوتي “من فضائل المدينة المنورة”، موقع الشيخ الشنقيطي، 09/05/2021م.
محمد بن محمد المختار الشنقيطي، المدينة المنورة، موقع فوائد المختار، 16 سبتمبر 2013م.
The post الشيخ الدكتور محمد بن محمد المختار الشنقيطي.. من رجال الفقه الراسخين وعلماء المدينة العاملين appeared first on عين ليبيا آخر أخبار ليبيا.
