Site icon bnlibya

الهوية الليبية.. بين مصير مشترَك وأوهام التقسيم

إن الغوص في سبر أغوار العقلية الليبية وتفكيك شفرات الوعي الجمعي في هذا الفضاء الجغرافي الممتد عبر الصحراء والبحر يفرض علينا مواجهة أسئلة كبرى تحاكي الجذور وتستفز الواقع المعاش: هل نحن حقاً شعب واحد تحركه روابط الانتماء الصادق، أم أننا مجتمع تجمعه المصالح العابرة وتحكمه التوازنات الظرفية؟ وهل نحن شركاء حقيقيون في بناء الوطن أم أجراء في رقعة جغرافية فرضت علينا الظروف التاريخية والجغرافية أن نعيش فيها سوياً تحت مسمى واحد؟

ويتساءل الكثيرون عن سر نشأة هذا الكيان وتشكله: هل كان اسم “ليبيا” مجرد مظلة إدارية وضعتها الأقدار والتقلبات الاستعمارية لتجمع تحت سقفها أهل برقة وأقاليم طرابلس وفزان، أم أنه كان تعبيراً عن جوهر تاريخي مكتوم وجد طريقه للظهور حين فرضت الحاجة التكتل والاتحاد؟

ولعل العودة إلى الحقبة الفيدرالية ولحظة تأسيس نظام الولايات المتباعد تُنبئ بوضوح عن خشية مبكرة من الذوبان وتخوف مكتوم من الهيمنة المركزية؛ وهو ما يتضح جلياً اليوم حين تتصفح منصات التواصل الاجتماعي والفضائيات السياسية والنقاشات الثقافية التي تنفجر يومياً بسجالات حامية تطفو فيها الهويات الضيقة والجهوية فوق كل اعتبار وطني جامع.

وهذا يضعنا أمام مفارقة عجيبة تتجلى في وحدة النسيج الثقافي والديني والاجتماعي العريض؛ المتمثل في كون غالبية هذا الشعب ترجع أصوله إلى قبائل بني سليم الهلالية العريقة مع اختلاط كريم وعميق بالأندلسيين والأشراف، بالإضافة إلى المكونات الأصيلة من الأمازيغ والطوارق والتبو الذين يمثلون البُعد الأفريقي والمتوسطي لهذه الأرض.

ورغم هذا التنوع الثقافي الفريد الذي يعتبر في الدول المتقدمة مصدر ثراء وقوة، تجد العقلية الليبية في كثير من أبعادها النفسية تحول التنوع إلى ثغرة والخلاف إلى قطيعة بفعل تراكمات العقود الماضية التي أضعفت مفهوم المواطنة لحساب مفهوم المكون الاجتماعي أو الانتماء الإقليمي والقبلي المباشر.

ومع ذلك، فإن ما يربط الليبيين أعمق بكثير من مجرد الجغرافيا؛ إذ تتداخل في هذا النسيج أواصر المصاهرة والنسب والعلاقات التجارية الممتدة والمواقف والتضامن الفعلي في الملمات والأزمات. غير أن المشكلة تكمن فيمن يتصدرون المشهد اليوم—دون تعميم—إذ ينظر بعضهم من زاوية ضيقة تهمش أقاليم الشرق والجنوب وتراها أقل شأناً أو تصر على إبقائها تحت وطأة المركزية المقيتة.

إن الشراكة الحقيقية لا تكون بالاستحواذ أو الإقصاء، بل بالمشاركة العادلة في كل شيء: في القرار، وفي إدارة الثروة وتوزيعها العادل، وفي إرساء نظام فيدرالي عادل يضمن توزيع المناصب والوظائف الإدارية العامة وفق معايير الكفاءة والنزاهة والشفافية المطلوبة، بعيداً عن المحاصصة الجهوية والمناطقية الضيقة. ولا يمكن تحقيق ذلك إلا بمكاشفة صريحة وتنازلات شجاعة ومتبادلة من أجل عبور سفينة الوطن إلى بر السلام؛ وصياغة عقد اجتماعي ووثيقة شرف وطنية جامعة تنقذ البلاد من التدهور الاقتصادي المستمر، وتضع حداً للانهيار الذي لا يدفع ثمنه إقليم دون آخر، بل يقع ضحيته جميع الليبيين بلا استثناء.

وسط كل هذا الضجيج الرقمي والتراشق الإعلامي، تشير الحقيقة الغائبة إلى أن الشعب الليبي -ورغم كل خطابات التشكيك والتقسيم- يجمعه عرق الحياة اليومية المشترك والذاكرة التاريخية الضاربة في عمق المعاناة والمقاومة والنضال ضد الغزاة، حيث امتزجت دماء أهل برقة وطرابلس وفزان في معارك الجهاد واقتسموا الخبز والمرارة والتهجير في أحلك الظروف.

وتظل المصلحة الوطنية الشاملة والشراكة الحقيقية في الموارد والقرار هي طوق النجاة الوحيد لإعادة رسم معالم الدولة الحديثة التي تعتمد إدارة عادلة تحفظ لكل ذي حق حقه وتضمن عدم الحرمان أو التهميش لأي شبر في ليبيا الحبيبة.

“إن القرار اليوم لم يعد ملكاً للساسة وحدهم، بل هو مسؤولية تاريخية يتوجب على كل ليبي وليبية تحملها لصياغة هذا العقد الاجتماعي الجديد قبل أن يفوت الأوان.”

The post الهوية الليبية.. بين مصير مشترَك وأوهام التقسيم appeared first on عين ليبيا | آخر أخبار ليبيا.

Exit mobile version