جدول المرتبات الموحد.. هل يحقق «العدالة الاجتماعية» أم يعيد توزيع التضخم؟

0
7

في ظل تراجع قيمة الدينار الليبي وارتفاع الأسعار وتآكل القوة الشرائية، يتواصل الجدل حول مقترح توحيد جدول المرتبات وزيادتها، وسط تساؤلات عن قدرة المالية العامة على تحمّل التزامات إضافية، ومصادر تمويلها، وانعكاساتها على التضخم والإنفاق التنموي والاستقرار النقدي، وبينما تتجه الأنظار إلى فاتورة الأجور، تبرز قضية دعم الطاقة والمحروقات بوصفها أحد أكبر بنود الإنفاق العام، وما تطرحه من تساؤلات بشأن كفاءة توزيع الموارد وإمكانية إعادة توجيهها لتحسين معيشة المواطنين.

وفي هذا السياق، يرى رجل الأعمال الليبي ومتابع الشأن الاقتصادي، حسني بي، في إجابات صحفية على ثمانية أسئلة لشبكة «عين ليبيا»، أن التعامل مع تراجع الدينار وارتفاع الأسعار باعتبارهما أزمتين منفصلتين يتجاهل جانباً أساسياً من المشكلة، المتمثل في حجم الإنفاق العام ومكوناته، ومدى توافقه مع الإيرادات الحقيقية، وكيفية تمويل العجز، ولا سيما عندما يجري تمويله بخلق نقود جديدة لا يقابلها إنتاج أو موارد حقيقية.

ويؤكد حسني بي أن زيادة المرتبات قد تكون مطلباً اجتماعياً مشروعاً، لكن السؤال الاقتصادي لا يتعلق فقط بحجم الزيادة، بل بمصدر تمويلها وقيمتها الشرائية بعد عام، محذراً من أن النقاش حول الأجور يتزامن مع هدر جزء كبير من موارد الدولة في منظومة دعم الطاقة والمحروقات، التي تُقدّر تكلفتها بنحو 35% من الإنفاق العام، وقد تقترب، وفق طريقة احتساب القيمة الاقتصادية للنفط والغاز المستخدمين محلياً، من 40% من قيمة الإنتاج.

ويشير إلى أن هذه النسب تقديرية وتختلف باختلاف السنة وطريقة احتساب الدعم، لكنها تكشف حجم الاختلال وأولوية الإصلاح.

توحيد المرتبات بين العدالة الاجتماعية ومخاطر التضخم

من حيث المبدأ، يرى حسني بي أن توحيد أسس المرتبات خطوة مطلوبة لإنهاء التفاوت غير المبرر بين موظفين يؤدون أعمالاً متشابهة، وتحقيق العدالة والشفافية في الأجور.

لكنه يوضح أن العدالة في الأجور لا تعني بالضرورة زيادة جماعية للمرتبات، ولا تتحقق بمجرد رفع الأرقام الاسمية، إذ تقتضي العدالة الحقيقية ربط المرتبات بطبيعة العمل والكفاءة والمسؤولية والإنتاجية، مع ضمان حد أدنى لائق للدخل.

ويحذر من أن تحول الجدول الموحد إلى زيادة شاملة غير ممولة بإيرادات حقيقية أو وفورات مقابلة قد يجعله، بدلاً من أن يكون أداة لتحقيق العدالة، وسيلة لتوزيع تضخم جديد على جميع المواطنين، بمن فيهم غير العاملين بالدولة.

ويشدد على أن الموظف لا يعيش بعدد الدنانير التي يتقاضاها، وإنما بما يستطيع شراءه بها.

فاتورة الأجور والتزامات الخزانة العامة

وفي ما يتعلق بتأثير الجدول الموحد على الباب الأول من الميزانية، يقول حسني بي إن أي زيادة تترتب عليها زيادة إجمالي فاتورة المرتبات تمثل توسعاً في الإنفاق الجاري.

ويشير إلى أن الأجور الحكومية تستهلك بالفعل عشرات المليارات سنوياً، وتُقدّر بنحو 70 إلى 75 مليار دينار، وفق نطاق التقديرات المستخدمة، أي ما يقارب ربع الإنفاق العام الشامل لدعم الطاقة.

ويضيف أن كل زيادة دائمة في المرتبات تنشئ التزاماً دائماً على الخزانة، في وقت تعتمد فيه الإيرادات الليبية بصورة شبه مطلقة على النفط والغاز، وهما موردان يتأثران بالأسعار العالمية وحجم الإنتاج والانقطاعات.

وللتوضيح، يضرب مثالاً حسابياً بزيادة فاتورة المرتبات بنسبة 20%، إذا كان أساسها 75 مليار دينار، موضحاً أن ذلك يعني إضافة 15 مليار دينار سنوياً، تتكرر كل عام، دون احتساب أي التزامات أخرى.

ويؤكد أنه لا يجوز إنشاء التزام دائم اعتماداً على إيراد متقلب أو تمويل استثنائي، مشدداً على أن ذلك لا يعني رفض تحسين المرتبات، وإنما اشتراط وجود تمويل مستدام لها.

مصدر تمويل الزيادة هو العامل الحاسم في تأثيرها على الأسعار

وعن انعكاسات زيادة المرتبات على القوة الشرائية والأسعار، يوضح حسني بي أن الزيادة لا تؤدي حتماً إلى التضخم، إذ يتوقف الأمر على حجمها ومصدر تمويلها ومدى قدرة الاقتصاد على الاستجابة للطلب الإضافي.

فإذا جرى تمويل الزيادة من خلال إعادة ترتيب الإنفاق أو إيرادات حقيقية إضافية، فقد تتحسن القوة الشرائية دون ضغوط تضخمية كبيرة.

أما إذا مُولت بالعجز وخلق النقود، فإنها تزيد الطلب بالدينار، وفي اقتصاد يعتمد بصورة واسعة على الاستيراد، تتحول زيادة الطلب إلى زيادة في الطلب على الدولار.

ومع محدودية النقد الأجنبي المتاح، تتسع الفجوة بين سعر الصرف الرسمي والموازي، وترتفع تكلفة الواردات، وتتآكل الزيادة الاسمية في المرتبات.

ويلخص حسني بي هذه الحلقة في تسلسل يبدأ بزيادة المرتبات، ثم عجز مالي ممول نقدياً، فزيادة الطلب على النقد الأجنبي، وما يتبع ذلك من ضغوط على الدينار والأسعار، وصولاً إلى مطالبات جديدة بزيادة المرتبات.

ويؤكد أن المطلوب هو زيادة الدخل الحقيقي للمواطن، لا مجرد زيادة عدد الدنانير التي يحملها.

القدرة على دفع المرتبات لا تعني القدرة على حماية قيمتها

وفي ما يتعلق بقدرة السلطات المالية والنقدية على تغطية التزامات جدول المرتبات في ظل تراجع الدينار، يدعو حسني بي إلى التمييز بين القدرة على دفع المرتبات بالدينار، والقدرة على المحافظة على قيمتها الشرائية.

ويوضح أن الدولة تستطيع، من الناحية الاسمية، دفع المزيد من الدنانير إذا لجأت إلى التمويل النقدي، لكنها لا تستطيع بقرار إداري خلق المزيد من الدولارات أو السلع والخدمات.

ويضيف أن مصرف ليبيا المركزي ليس مصدراً مستقلاً للثروة، ولا يستطيع الدفاع عن سعر صرف معين إلى ما لا نهاية إذا كانت الالتزامات المالية والطلب على النقد الأجنبي يتجاوزان الموارد المتاحة بصورة مستمرة.

كما يشير إلى أهمية الاحتياطيات الأجنبية في امتصاص الصدمات، لكنه يؤكد أنها ليست بديلاً دائماً عن الانضباط المالي.

وبحسب حسني بي، فإن معيار القدرة الحقيقية على التمويل يتمثل في توافق الإنفاق العام مع الإيرادات المستدامة، وحجم العجز وطريقة تمويله، ومدى تغطية الموارد الدولارية للطلب الفعلي على النقد الأجنبي.

ويختصر موقفه بالقول إن المشكلة ليست في قدرة الدولة على إصدار الدينار، بل في قدرتها على حماية قيمته.

الإنفاق الجاري والسيولة المصرفية والإنفاق التنموي

وفي ما يتعلق باحتمال أن تؤدي زيادة المرتبات إلى تهميش الإنفاق التنموي والضغط على سيولة المصارف، يقول حسني بي إن ذلك ممكن إذا جاءت الزيادة على حساب الاستثمار المنتج أو توسعت دون موارد إضافية.

ويوضح أن كل دينار إضافي يُخصص للإنفاق الجاري دون تمويل مقابل يحد من الموارد المتاحة للبنية التحتية والتعليم والصحة والمياه والكهرباء، أو يرفع العجز.

ويحذر من أن الإنفاق الجاري يتحول إلى التزام متكرر، بينما يمكن أن يخلق الإنفاق الاستثماري المدروس طاقات إنتاجية وفرص عمل وإيرادات مستقبلية.

أما أزمة السيولة المصرفية، فيرى أنها لا تختزل في حجم المرتبات، بل ترتبط أيضاً بالثقة في المصارف، وتوزيع النقد بين المصارف، والطلب على العملة الورقية، وانتظام المدفوعات.

ويشير إلى أن زيادة المرتبات قد ترفع الطلب على السحب النقدي، لكنها لا تعني بالضرورة نقص السيولة الإجمالية في الجهاز المصرفي.

ويؤكد أن الحل لا يتمثل في تقييد المرتبات، وإنما في إصلاح المالية العامة، وتوسيع المدفوعات الإلكترونية، وتعزيز الثقة في النظام المصرفي.

إغلاق النفط وتراجع الإيرادات يضعان سياسة الأجور أمام تحديات مستمرة

وعن كيفية التوفيق بين زيادة الأجور وتكرار إغلاق النفط وتراجع الموارد، يشدد حسني بي على أنه لا يمكن بناء سياسة دائمة للأجور على افتراض استمرار إنتاج النفط دون انقطاع.

ويبين أن كل إغلاق لحقول النفط أو موانئ التصدير يعني انخفاضاً في الإيرادات الدولارية، بينما تظل المرتبات والدعم والالتزامات الحكومية قائمة، وهو ما يوسع فجوة التمويل ويضع المصرف المركزي أمام خيارات صعبة، تشمل استخدام الأصول الأجنبية، أو تقييد الطلب على الدولار، أو السماح بتعديل سعر الصرف، أو تمويل العجز محلياً.

ويرى أن ذلك يفرض ضرورة حماية إنتاج النفط وتصديره باعتباره مورداً وطنياً، إلى جانب بناء احتياطيات مالية وآليات استقرار تسمح بمواجهة الانقطاعات المؤقتة.

لكنه ينبه إلى أن حماية الإنتاج وحدها ليست كافية إذا استمر التوسع غير المنضبط في الإنفاق، مؤكداً أن استقرار الدينار يحتاج إلى استقرار الإيرادات، والأهم إلى انضباط الالتزامات.

إصلاح دعم الطاقة بديل لتمويل زيادة المرتبات

وفي رده على سؤال بشأن البدائل المتاحة لتمويل جدول المرتبات دون طباعة النقود أو فرض رسوم على الدولار، يقول حسني بي إن البدائل الحقيقية موجودة داخل هيكل الإنفاق العام نفسه.

ويضع إصلاح دعم الطاقة والمحروقات في مقدمة القضايا التي يرى أنها لا تحظى بالاهتمام الكافي، موضحاً أن تكلفة هذا البند الاقتصادية والمالية قد تتراوح، بحسب منهجية التقييم، حول 100 مليار دينار سنوياً أو أكثر، بين المحروقات المستوردة، والنفط الخام المخصص للتكرير المحلي، والغاز المستخدم في الكهرباء والطاقة.

ويشير إلى أن هذه التكلفة تعادل تقريباً 35% من إنفاق عام شامل يقترب من 280 مليار دينار، وفق أحد السيناريوهات التقديرية.

ويطرح حسني بي تساؤلاً حول ما تعنيه تكلفة دعم تبلغ 100 مليار دينار سنوياً، موضحاً أن الأرقام التوضيحية الناتجة عن قسمة إجمالي التكلفة على عدد السكان لا تمثل مبالغ نقدية يتلقاها المواطن، ولا تعني أن كامل التكلفة قابل للتوفير أو التوزيع.

ويضيف أن المواطن لا يحصل فعلياً على هذه القيمة نقداً أو في صورة منفعة متساوية، إذ يذهب جزء من الدعم إلى الاستهلاك غير الرشيد، ويستفيد كبار المستهلكين من جزء منه أكثر من محدودي الدخل، فيما يتسرب جزء آخر عبر التهريب والسرقات واستغلال فروق الأسعار بين ليبيا والدول المجاورة.

ولهذا، يقول إنه يدعو منذ سنوات إلى الانتقال من دعم السلعة إلى دعم المواطن، من خلال برنامج تدريجي ومدروس يستبدل جزءاً من الدعم السلعي بتعويض نقدي مباشر وعادل، مع حماية الفئات الضعيفة والخدمات الأساسية والنقل والإنتاج.

ولشرح إمكانية الاستفادة من إعادة هيكلة هذا البند، يطرح مثالاً حسابياً، مفاده أنه إذا أمكن تحقيق وفر صافٍ ومستدام بنسبة 20% من تكلفة سنوية قدرها 100 مليار دينار، فإن ذلك يعني 20 مليار دينار سنوياً.

ويشير إلى أن هذا المبلغ يفوق الزيادة الافتراضية البالغة 15 مليار دينار الناتجة عن رفع فاتورة المرتبات بنسبة 20%.

لكنه يشدد على ضرورة أن تكون الوفورات صافية بعد احتساب التعويضات النقدية وتكاليف الانتقال والآثار الاقتصادية، لا مجرد تخفيض محاسبي في بند الدعم.

ويؤكد أن الموارد اللازمة لإصلاح الأجور وتحسين معيشة المواطن موجودة، لكن ذلك يتطلب أولاً وقف الهدر وإعادة توزيع الموارد بصورة أكثر عدالة وكفاءة.

إصلاح المرتبات جزء من سياسة اقتصادية شاملة

وفي ما يتعلق بإمكانية إصلاح المرتبات بمعزل عن سياسة اقتصادية شاملة، يؤكد حسني بي أن ذلك غير ممكن، موضحاً أن جدول المرتبات ليس سياسة اقتصادية، وإنما أحد عناصرها.

ويرى أنه لا يمكن معالجة أزمة القوة الشرائية بمعزل عن إصلاح المالية العامة، وإعادة هيكلة دعم الطاقة، واستقرار سوق النقد الأجنبي، وتوحيد القرار المالي، وإصلاح المؤسسات الاقتصادية العامة.

ويحدد خمس أولويات مترابطة للإصلاح:

  1. الانضباط المالي: حصر جميع أوجه الإنفاق العام، بما فيها الالتزامات خارج الموازنة، ووقف التمويل النقدي غير المغطى بإيرادات حقيقية.
  2. إصلاح الدعم: استبدال الدعم السلعي تدريجياً بتعويض مباشر للمواطن، وتقليص الهدر والتهريب.
  3. إصلاح الأجور: توحيد المعايير، ومعالجة التشوهات، وربط التعويضات بالمسؤولية والكفاءة والإنتاجية، مع مراعاة القدرة المالية.
  4. إصلاح سوق الصرف: تقليص الفجوة بين الأسعار الرسمية والموازية، وتحسين الوصول المنظم والعادل للنقد الأجنبي، دون الاعتماد على الرسوم كحل دائم.
  5. إصلاح الاقتصاد المنتج: إعادة هيكلة المؤسسات العامة، ورفع كفاءة قطاع النفط والغاز والكهرباء، وتشجيع الاستثمار الخاص وفرص العمل خارج الجهاز الحكومي.

ويشدد على ضرورة الإقرار بأن الأزمة ليست مجرد أزمة سعر صرف، بل أزمة نموذج اقتصادي يعتمد على توزيع الريع النفطي أكثر مما يعتمد على إنتاج الثروة.

حسني بي: النقاش الاقتصادي ينشغل بالأعراض ويتجنب أسباب الأزمة

وفي ختام إجاباته، يقول حسني بي إن ما يؤسفه هو استمرار النقاش الاقتصادي في ليبيا حول الأعراض أكثر من الأسباب، موضحاً أن الحديث ينصب على انخفاض الدينار والمضاربة والسوق الموازية وغلاء الأسعار ونقص السيولة والمطالبة بزيادة المرتبات، بينما يجري تجنب السؤال الأساسي:

كم تنفق الدولة؟ وعلى ماذا تنفق؟ وكم تحقق من إيرادات حقيقية؟ وكيف تمول الفرق بين الاثنين؟

ويعتبر أن هذه الأسئلة تمثل جوهر الأزمة، موضحاً أنه إذا تجاوز الإنفاق العام قدرة الاقتصاد على تمويله، وأصبح العجز يُغطى بخلق النقود أو باستنزاف الأصول الأجنبية بصورة مستمرة، فإن النتيجة المتوقعة هي الضغط على الدينار وتآكل القوة الشرائية، مهما تغير المحافظون أو تبدلت أسعار الصرف الرسمية.

ويلفت إلى المفارقة المتمثلة في امتلاك الدولة مجالاً واسعاً لإصلاح منظومة دعم الطاقة التي تستهلك حصة ضخمة من الموارد العامة، مع استمرار البحث عن حلول أسهل سياسياً وأعلى تكلفة اقتصادياً.

ويؤكد أنه ليس ضد زيادة المرتبات، بل مع زيادة الدخل الحقيقي للمواطن والعدالة في توزيع الموارد الوطنية، لكنه يعارض منح المواطن زيادة اسمية في مرتبه اليوم، ثم استردادها منه غداً من خلال انخفاض قيمة الدينار وارتفاع الأسعار.

ويختتم بالقول إن العدالة الاجتماعية لا تتحقق بتوزيع دنانير إضافية تفقد قيمتها، وإنما بحماية القوة الشرائية، وترشيد الإنفاق، وتوجيه الثروة الوطنية إلى المواطن بدلاً من الهدر والتهريب.

ويشدد على أن الاقتصاد لا يستجيب للرغبات ولا يخضع للقرارات الإدارية، بل تحكمه الموارد الحقيقية والإنتاج والتوازنات المالية والنقدية.

The post جدول المرتبات الموحد.. هل يحقق «العدالة الاجتماعية» أم يعيد توزيع التضخم؟ appeared first on عين ليبيا | آخر أخبار ليبيا.