قد يبدو الإرهاق المستمر نتيجة طبيعية لقلة النوم أو ضغوط العمل والحياة اليومية، لكن الدراسات العلمية ترسم صورة أكثر تعقيدًا، إذ يمكن أن يرتبط التعب المزمن باضطرابات النوم، والاكتئاب، وفقر الدم، والأمراض الالتهابية والمزمنة، إضافة إلى حالات مرضية محددة مثل متلازمة التعب المزمن وكوفيد طويل الأمد.
وفي مراجعة منهجية وتحليل شمولي نُشرا عام 2023، جمع باحثون نتائج 91 دراسة شملت أكثر من 623 ألف مشارك، لفحص انتشار الإرهاق في عموم السكان.
وخلصت الدراسة إلى أن متوسط انتشار الإرهاق المزمن، الذي يستمر لأكثر من ستة أشهر، بلغ 7.7% في إجمالي البيانات، بينما ارتفع إلى 11.7% بين البالغين.
وأظهرت المراجعة كذلك أن الإرهاق كان أكثر شيوعًا لدى النساء مقارنة بالرجال، مع اختلاف معدلات الانتشار بين الدراسات تبعًا للعمر وتعريف الإرهاق وطريقة قياسه.
لكن السؤال الأهم يبقى: لماذا يستمر التعب لدى بعض الأشخاص لأشهر، رغم النوم أو الراحة؟
تجيب مراجعة منهجية تناولت التشخيص التفريقي للإرهاق عن جزء من هذا السؤال، بعدما حلل الباحثون 26 دراسة أجريت في مجال الرعاية الصحية الأولية.
وأظهرت الدراسات عالية الجودة التي شملتها المراجعة أن الاكتئاب كان من أكثر الحالات المرتبطة بالتعب، إذ بلغ معدل انتشاره 18.5%، مقابل 2.8% لفقر الدم، و0.6% للأورام الخبيثة، و4.3% للأمراض العضوية الخطيرة.
ولا تعني هذه الأرقام أن الإرهاق يشير تلقائيًا إلى الاكتئاب أو إلى مرض عضوي محدد، وإنما توضح أن التعب عرض مشترك بين حالات صحية متعددة، وأن تحديد سببه يحتاج إلى تقييم طبي بدل افتراض أنه نتيجة قلة النوم أو الضغط النفسي فقط.
وتحتل اضطرابات النوم موقعًا مهمًا في هذه الصورة، خصوصًا انقطاع النفس الانسدادي أثناء النوم، الذي يتسبب في تكرار اضطراب التنفس وتقطع النوم لدى المصابين به.
وأظهرت مراجعة منهجية وتحليل شمولي حديثان أن النعاس المفرط خلال النهار شائع بين المصابين بانقطاع النفس الانسدادي أثناء النوم، وهو ما يفسر جزئيًا شعور بعض الأشخاص بالإرهاق رغم قضاء عدد ساعات يبدو كافيًا في السرير.
وهنا يظهر فرق مهم بين قلة النوم والإرهاق المرتبط باضطراب النوم، إذ لا تكون المشكلة دائمًا في عدد الساعات، وإنما في جودة النوم واستمراريته وما إذا كان الجسم والدماغ يحصلان على الراحة المطلوبة.
ولا يقتصر الإرهاق على اضطرابات النوم والحالة النفسية، إذ يرتبط أيضًا بعدد كبير من الأمراض المزمنة.
وفي مراجعة منهجية تناولت الآليات البيولوجية للإرهاق لدى المصابين بأمراض مزمنة، راجع الباحثون 26 دراسة تناولت حالات بينها قصور القلب، والتصلب المتعدد، ومرض الكلى المزمن، والتهاب المفاصل الروماتويدي، ومرض الانسداد الرئوي المزمن.
ووجدت المراجعة أدلة تربط الإرهاق بمجموعة من الآليات البيولوجية، بينها الالتهاب، واضطراب محور الوطاء والغدة النخامية والكظرية، وتغيرات الجهاز العصبي اللاإرادي.
وأكد الباحثون أن هذه الآليات تختلف باختلاف المرض، وأن الصورة البيولوجية الكاملة للإرهاق لا تزال غير محسومة.
وتقدم الأمراض الالتهابية مثالًا واضحًا على هذا التعقيد.
فمراجعة علمية منشورة في مجلة «Nature Reviews Rheumatology» تناولت الإرهاق لدى المصابين بأمراض روماتيزمية التهابية مثل التهاب المفاصل الروماتويدي، والتهاب المفاصل الصدفي، ومتلازمة شوغرن، والذئبة الحمامية الجهازية.
وأشارت المراجعة إلى أدوار محتملة للجهاز المناعي والجهاز العصبي المركزي والجهاز العصبي اللاإرادي والجهاز العصبي الصماوي، إلى جانب اضطرابات النوم والعوامل الأيضية والنفسية والاجتماعية.
وتشير أبحاث أخرى إلى أن الالتهاب يمكن أن يؤثر في مسارات عصبية مرتبطة بالطاقة والدافعية والمزاج.
وفي مراجعة تناولت الآليات المرضية للإرهاق في الأمراض المناعية والالتهابية، ناقش الباحثون دور السيتوكينات الالتهابية، والإجهاد التأكسدي، والتغيرات في وظيفة الميتوكوندريا، والاضطرابات العصبية، باعتبارها مسارات يمكن أن تتداخل في ظهور الإحساس بالإرهاق.
لكن هذه النتائج لا تعني وجود مادة واحدة داخل الجسم مسؤولة عن التعب، بل تشير إلى شبكة من العمليات البيولوجية المتداخلة.
ويظهر حجم المشكلة بصورة لافتة لدى مرضى السرطان.
ففي تحليل شمولي شمل 129 دراسة وأكثر من 71 ألف مشارك، بلغ انتشار الإرهاق بين المصابين بالسرطان نحو 49%، وارتفعت النسبة إلى 60.6% لدى المرضى المصابين بمراحل متقدمة من المرض.
كما بلغ انتشار الإرهاق 62% في الدراسات التي تناولت المرضى أثناء العلاج.
وتوضح هذه النتائج أن الإرهاق لدى مرضى السرطان لا يرتبط بالمرض وحده بالضرورة، إذ يمكن أن تتداخل معه عوامل أخرى مثل الألم، واضطرابات النوم، والالتهاب، وتأثيرات العلاج، والحالة النفسية.
وتظهر العلاقة بين الألم والإرهاق أيضًا في عدد من الأمراض المزمنة.
فمراجعات بحثية تناولت العرضين وجدت أن الألم والإرهاق يترافقان بصورة متكررة، وأن وجود الألم المزمن إلى جانب الإرهاق يمكن أن يجعل تحسن الحالة أكثر صعوبة لدى بعض المرضى.
لكن هناك نوعًا من الإرهاق يختلف عن التعب المعتاد، وهو متلازمة التعب المزمن، أو التهاب الدماغ والنخاع العضلي، المعروفة اختصارًا بـ ME/CFS.
وفي مراجعة منهجية وتحليل شمولي نُشرا عام 2020، جمع الباحثون بيانات من 46 دراسة شملت أكثر من مليون مشارك، ووجدوا اختلافًا كبيرًا في تقديرات انتشار المتلازمة تبعًا للمعايير التشخيصية المستخدمة.
وبحسب التحليل، بلغ التقدير المجمع للانتشار 0.68%، بينما وصل التقدير إلى نحو 0.89% عند استخدام تعريف تشخيصي واسع الاستخدام، ما يعكس صعوبة مقارنة الدراسات التي اعتمدت معايير مختلفة.
ووجد الباحثون كذلك أن النساء أكثر عرضة للإصابة بالمتلازمة من الرجال بنحو مرة ونصف إلى ضعفين في الفئات التي تناولها التحليل.
ولا يشبه ME/CFS مجرد الشعور بالتعب بعد يوم شاق.
فمن أبرز سماته التوعك التالي للمجهود، أي تدهور الأعراض بعد بذل جهد جسدي أو ذهني، إلى جانب الإرهاق المستمر والنوم غير المنعش وأعراض أخرى تختلف بين المرضى.
وتحاول الدراسات تفسير هذه الحالة من خلال مجموعة من المسارات، بينها اضطراب الجهاز العصبي اللاإرادي.
وفي مراجعة منهجية شملت 27 دراسة قارنت بين مرضى متلازمة التعب المزمن وأشخاص أصحاء، وجد الباحثون اختلافات في بعض استجابات الجهاز العصبي اللاإرادي، بما في ذلك استجابات معدل ضربات القلب عند تغيير وضعية الجسم، مع مؤشرات على زيادة انتشار اضطرابات مثل متلازمة تسارع القلب الانتصابي لدى بعض المرضى.
كما تدرس الأبحاث دور الالتهاب وتنظيم محور الوطاء والغدة النخامية والكظرية والإجهاد التأكسدي في ME/CFS، لكن هذه الآليات لا تزال قيد البحث، ولا يوجد حتى الآن تفسير بيولوجي واحد يفسر جميع حالات المتلازمة.
ويزداد تعقيد الصورة مع كوفيد طويل الأمد.
ففي تحليل شمولي نشر عام 2024، وجد الباحثون أن نحو 30% من الأشخاص الذين أصيبوا بكوفيد-19 ظلوا يعانون عرضًا واحدًا أو أكثر بعد مرور عامين على الإصابة، وكان الإرهاق واضطرابات الإدراك والألم من بين الأعراض الأكثر شيوعًا.
وفي تحليل آخر نشر عام 2024، بلغ انتشار التعب بين المصابين بأعراض ما بعد كوفيد نحو 46.6%، مع ارتباط الإرهاق بعدة عوامل، بينها عدد الأعراض خلال المرحلة الحادة من العدوى وبعض الأمراض المصاحبة والاكتئاب.
واللافت أن بعض الأبحاث وجدت تداخلًا بين كوفيد طويل الأمد ومتلازمة التعب المزمن.
ففي تحليل شمولي شمل 13 دراسة و1973 مريضًا بكوفيد طويل الأمد، استوفى 51% من المشاركين معايير تشخيص ME/CFS، مع ظهور الإرهاق واضطرابات النوم وآلام العضلات والمفاصل ضمن الأعراض الشائعة.
لكن هذه النتيجة لا تعني أن كل شخص يعاني كوفيد طويل الأمد مصاب بمتلازمة التعب المزمن، وإنما تشير إلى وجود تداخل سريري بين الحالتين يستحق مزيدًا من البحث.
وتكشف هذه الأبحاث مجتمعة أن الإرهاق المزمن ليس ظاهرة ذات سبب واحد.
فقد يرتبط اضطراب النوم، أو مرض التهابي، أو فقر الدم، أو اضطراب نفسي، أو مرض مزمن، أو آثار عدوى سابقة باستمرار التعب، كما يمكن أن تجتمع عدة عوامل لدى الشخص نفسه.
وفي بعض الحالات، يترافق الألم مع اضطراب النوم أو الاكتئاب أو مرض مزمن، ما يجعل تحديد العامل الأكثر تأثيرًا أكثر تعقيدًا.
ولهذا يحذر الباحثون من اختزال الإرهاق في تفسير واحد.
وتشير مراجعة حديثة تناولت الإرهاق في الأمراض الروماتيزمية الالتهابية إلى أن العلاقة بين الالتهاب والتعب ليست دائمًا مباشرة، وأن الألم واضطرابات النوم والأعراض المزاجية والأمراض المصاحبة وتأثيرات الأدوية وانخفاض القدرة على النشاط يمكن أن تؤدي أدوارًا مهمة أيضًا.
وهذا يفسر عدم وجود تحليل دم واحد قادر على الكشف عن «سبب الإرهاق» لدى جميع الأشخاص.
فالإرهاق عرض وليس تشخيصًا، وتحديد سببه يعتمد على مدة الأعراض وطبيعتها والأعراض المصاحبة والتاريخ الصحي والأدوية ونمط النوم، إلى جانب الفحوص المناسبة وفقًا للحالة.
وفي الحالات التي يستمر فيها التعب أو يؤثر بصورة واضحة في النشاط اليومي، يصبح البحث عن السبب أكثر أهمية، خصوصًا إذا ترافق مع أعراض أخرى مثل فقدان الوزن غير المبرر، أو ضيق النفس، أو الألم المستمر، أو النزيف، أو الحمى، أو ظهور ضعف جديد.
وتشير الأدلة العلمية في النهاية إلى أن الإرهاق المزمن يقع عند نقطة تقاطع بين أجهزة متعددة في الجسم، من الدماغ والجهاز العصبي إلى المناعة والهرمونات والعضلات والنوم.
ولا تزال بعض الآليات محل بحث، خصوصًا في متلازمة التعب المزمن وكوفيد طويل الأمد، لكن الدراسات المتراكمة تؤكد أن التعامل مع التعب المستمر باعتباره مجرد «كسل» أو نتيجة حتمية لنمط الحياة يمكن أن يتجاهل حالات صحية قابلة للتشخيص.
ولهذا فإن السؤال الأهم ليس «كيف أتخلص من التعب؟»، وإنما «لماذا يستمر هذا التعب؟».
والإجابة العلمية لا تأتي من علاج واحد أو مكمل واحد، بل من تحديد السبب أو مجموعة الأسباب التي تقف خلفه، اعتمادًا على التاريخ الطبي والفحص السريري والأدلة التي توفرها الدراسات والأبحاث.
The post سرّ التعب الذي لا يختفي.. ماذا يحدث داخل الجسم؟ appeared first on عين ليبيا | آخر أخبار ليبيا.

