لم يعد ضعف القانون الدولي اليوم يُقاس فقط بعدد القواعد التي تُنتهك صراحة، بل بات يُقاس – على نحو أخطر – بمدى قدرته على منع تحوّل الطموحات الجيوسياسية إلى خطاب مشروع قبل أن تصبح أفعالًا غير مشروعة. وفي هذا السياق، تبرز مسألة غرينلاند بوصفها حالة اختبار دقيقة، لا لانتهاك مكتمل الأركان، بل لتآكل الوظيفة الردعية للقانون الدولي العام.
القاعدة القانونية: صلابة في النص لا خلاف عليها
من حيث المبدأ، يقوم النظام القانوني الدولي على قواعد آمرة، في مقدمتها:
• حظر استخدام القوة أو التهديد بها في العلاقات الدولية،
• عدم جواز اكتساب الإقليم بالقوة،
• احترام سيادة الدول وسلامة أراضيها،
• وحق الشعوب في تقرير مصيرها.
هذه القواعد، المكرسة في ميثاق الأمم المتحدة، لا تعاني نقصًا في الوضوح أو الشرعية، بل إن الإشكال الحقيقي يكمن في حدود إنفاذها عندما تتقاطع مع مصالح القوى الكبرى.
غرينلاند: من كيان قانوني محمي إلى موضوع نقاش جيوسياسي
أعادت التصريحات التي أطلقها دونالد ترامب بشأن الرغبة في “امتلاك” غرينلاند طرح إشكالية قانونية عميقة:
هل يظل القانون الدولي قادرًا على أداء دوره الوقائي عندما لا تُستخدم القوة بعد، بل يُكتفى بتطبيع فكرة السيطرة أو نقل السيادة ضمن خطاب المصلحة الاستراتيجية؟
من الناحية القانونية البحتة، تتمتع غرينلاند بوضع واضح: إقليم متمتع بالحكم الذاتي تحت سيادة الدنمارك، ولا يمكن تغيير وضعه القانوني إلا وفق آليات تقرير المصير وموافقة الدولة صاحبة السيادة. غير أن إدخال الإقليم في دائرة “التفكير الاستراتيجي” بوصفه أصلًا قابلًا للاقتناء يعكس تحوّلًا مقلقًا: السيادة لم تعد خطًا أحمر، بل باتت تُقدَّم كموضوع تفاوضي محتمل.
بين الانتهاك والتآكل المعياري
تكمن خطورة حالة غرينلاند في أنها لا تمثل انتهاكًا صريحًا للقانون الدولي، كما هو الحال في ضمّ الأراضي الأوكرانية، بل تمثل مرحلة أسبق وأكثر دقة: مرحلة تآكل المعيار قبل كسره.
ففي أوكرانيا، واجه القانون الدولي فعلًا عدوانيًا مكتمل الأركان، فأدان وسمّى وقرّر، لكنه عجز عن الردع الفعلي. أما في غرينلاند، فنحن أمام اختبار مختلف: هل يستطيع القانون أن يمنع تحويل الطموح الجيوسياسي إلى حقٍّ مُتخيَّل قبل أن يتحول إلى واقع مفروض؟
هذا الفرق ليس تفصيليًا، بل جوهري؛ إذ إن تطبيع الخطاب يسبق دائمًا تطبيع الفعل، ومعه تتآكل الحدود المعيارية التي تفصل بين المشروع وغير المشروع.
مجلس الأمن والقضاء الدولي: حضور بلا وظيفة وقائية
يُفترض أن يشكّل مجلس الأمن صمام الأمان في منظومة الأمن الجماعي، غير أن بنيته القائمة على توازنات القوة تجعله يتحرك غالبًا بعد وقوع الانتهاك لا قبله. ففي حالات الضغط الجيوسياسي غير المسلح، يظل المجلس صامتًا، وكأن الردع القانوني لا يبدأ إلا عند سماع صوت المدافع.
أما محكمة العدل الدولية، فرغم دورها التفسيري المهم، فإنها تظل مقيدة بقبول الدول لاختصاصها وبغياب أدوات التنفيذ، ما يجعل العدالة الدولية أقرب إلى وظيفة معيارية أخلاقية منها إلى أداة ردع فعلي.
أزمة إرادة أم أزمة قانون؟
لا يمكن القول إن القانون الدولي فشل بوصفه فكرة أو نظامًا معياريًا، لكن المؤكد أنه يواجه أزمة إرادة سياسية دولية. فحين تُقاس القاعدة القانونية بميزان الكلفة والمنفعة، وحين يصبح السؤال: هل أستطيع تجاوز القاعدة دون ثمن؟، يفقد القانون وظيفته الوقائية ويتحوّل إلى مجرد لغة إدانة لاحقة.
خاتمة: غرينلاند إنذار مبكر
تمثل غرينلاند إنذارًا مبكرًا لا ينبغي الاستهانة به. فخطرها لا يكمن في ضمٍّ وشيك، بل في تدجين فكرة السيادة نفسها، وتحويلها من قاعدة آمرة إلى مفهوم مرن يخضع لحسابات القوة.
وإذا كان القانون الدولي قد وُجد ليكبح منطق الغلبة، فإن أخطر ما قد يواجهه ليس خرقه العلني، بل التشكيك الصامت في حدوده ومعاييره. فحين تُصبح السيادة قابلة للنقاش، يصبح النظام الدولي كله قابلا للاهتزاز.
The post غرينلاند واختبار تآكل الدور الوقائي للقانون الدولي أمام التجاذبات الجيوسياسية appeared first on عين ليبيا آخر أخبار ليبيا.
