دخلت الحرب الروسية – الأوكرانية عامها الرابع بوصفها حرب استنزاف مفتوحة، إلا أن تطورات الشرق الأوسط، وخاصة الحرب الأمريكية–الإسرائيلية على إيران، أعادت تشكيل أولويات القوى الكبرى، وفتحت المجال أمام تحولات استراتيجية قد تؤثر بشكل مباشر على مسار الصراع في أوروبا الشرقية.
انشغال الولايات المتحدة وحلفائها بالتصعيد في الشرق الأوسط أتاح لروسيا فرصة لتعزيز عملياتها العسكرية في أوكرانيا، في محاولة لفرض شروطها على كييف. في المقابل، تجد أوكرانيا نفسها أمام تحدٍ مزدوج، يتمثل في استمرار الهجوم الروسي من جهة، وتراجع نسبي في تركيز الدعم الغربي نتيجة تحويل الموارد العسكرية، خاصة أنظمة الدفاع الجوي، نحو الشرق الأوسط.
في هذا السياق، تتبنى روسيا والصين قراءة استراتيجية مفادها أن الحرب على إيران لا تستهدف طهران فقط، بل تمس بشكل غير مباشر توازنات القوى المرتبطة بأمنهما الاستراتيجي. وعلى هذا الأساس، اتخذت كل من موسكو وبكين قرارًا استراتيجيًا بدعم إيران، باعتبارها حليفًا إقليميًا يساهم في الحد من النفوذ الأمريكي، مع الحفاظ على هذا الدعم في إطار غير مباشر يشمل التعاون العسكري والتقني والمعلوماتي، دون الانخراط في مواجهة مفتوحة مع الولايات المتحدة.
تعكس هذه المقاربة سياسة “الدعم المحسوب”، حيث تسعى روسيا إلى حماية مصالحها عبر دعم إيران، مع تجنب التصعيد الذي قد يقود إلى صدام مباشر مع الغرب، خاصة في ظل انشغالها بالحرب في أوكرانيا، وحرصها على الحفاظ على توازن علاقاتها في الشرق الأوسط، بما في ذلك مع دول الخليج.
في المقابل، تحاول أوكرانيا الاصطفاف بشكل أكبر مع الولايات المتحدة ودول الخليج، مستفيدة من خبرتها في مواجهة الطائرات المسيّرة، بما في ذلك ذات المنشأ الإيراني. إلا أن هذا التوجه يواجه تحديات واقعية، نظرًا لاستنزاف قدراتها العسكرية والاقتصادية بفعل الحرب المستمرة، ما يحد من قدرتها على لعب دور مؤثر خارج جبهتها الداخلية.
اقتصاديًا، فرضت الحرب في الشرق الأوسط تأثيرًا مباشرًا على أسواق الطاقة العالمية، حيث ارتفعت أسعار النفط من نحو 71 دولارًا للبرميل إلى مستويات تجاوزت 90 دولارًا، ووصلت في بعض الفترات إلى أكثر من 100 دولار، نتيجة المخاوف من تعطل الإمدادات، خاصة عبر مضيق هرمز. هذا الارتفاع يمثل عامل دعم مهم للاقتصاد الروسي، إذ يعزز قدرته على تمويل عملياته العسكرية، رغم العقوبات الغربية.
في المقابل، تواجه الدول الأوروبية تحديات متزايدة، مع احتمالات تفاقم أزمات الطاقة وارتفاع تكاليف المعيشة، ما قد ينعكس على استقرارها الاقتصادي، ويطرح تساؤلات حول مدى قدرتها على الاستمرار في سياسات العقوبات الصارمة ضد روسيا في حال تصاعد الضغوط الداخلية.
المفارقة في هذا المشهد تكمن في أن روسيا، رغم انخراطها في الحرب الأوكرانية، تسعى إلى توسيع نفوذها بشكل غير مباشر في الشرق الأوسط عبر دعم إيران، بينما تحاول أوكرانيا الانخراط في الترتيبات الإقليمية الجديدة، رغم محدودية قدراتها.
إلى أين تتجه الأمور؟
في ظل التباين المتزايد بين الولايات المتحدة والدول الأوروبية بشأن ترتيب الأولويات بين الشرق الأوسط وأوكرانيا، يبرز تساؤل جوهري حول مستقبل التوازنات الدولية. فبينما تميل واشنطن إلى الانخراط في صراعات الشرق الأوسط، ترى أوروبا أن التهديد الروسي يظل الخطر الأكثر إلحاحًا على أمنها.
هذا التباين لا يعني بالضرورة تحول الولايات المتحدة إلى مواجهة مباشرة مع روسيا، إذ يظل هذا السيناريو مستبعدًا في المدى القريب نظرًا لتكلفته العالية واحتمالات التصعيد بين قوى كبرى. لكن في المقابل، قد تتجه الأمور نحو تعزيز المواجهة غير المباشرة عبر دعم أوكرانيا وتوسيع أدوات الضغط الاقتصادي والعسكري.
أما في حال تعثر الولايات المتحدة في إدارة صراعاتها، خاصة في الشرق الأوسط، فقد تجد نفسها مضطرة إلى إعادة توحيد الصف الغربي والعودة بقوة إلى حلفائها الأوروبيين، لبناء تحالف أكثر تماسكًا في مواجهة روسيا والصين، باعتبارهما التحدي الاستراتيجي الأبرز للنظام الدولي.
لكن هذا المسار يظل مرهونًا بقدرة الغرب على تجاوز خلافاته، إذ إن استمرار التباين قد يمنح موسكو وبكين فرصة أكبر لتعزيز نفوذهما، وإعادة تشكيل موازين القوى الدولية بشكل تدريجي.
في المحصلة، لم تعد الحرب الروسية–الأوكرانية معزولة عن تطورات الشرق الأوسط، بل أصبحت جزءًا من صراع دولي أوسع، تتداخل فيه الجبهات وتُعاد فيه صياغة التحالفات، بما يجعل المرحلة القادمة مفتوحة على جميع الاحتمالات.
The post في ظل الحرب على إيران.. أين تتجه الحرب الروسية – الأوكرانية؟ appeared first on عين ليبيا آخر أخبار ليبيا.
