في وقت لا تزال فيه ليبيا تواجه تحديات مرتبطة بالاعتماد الكبير على النفط، وضعف التنسيق بين المؤسسات، وتداخل الصلاحيات، وصعوبة تحويل الخطط والقرارات إلى نتائج ملموسة، يطرح الباحث المهتم بالتنمية ناصر إدريس بورويص قراءة اقتصادية موسعة عبر شبكة «عين ليبيا»، تنتقل بالنقاش من سؤال «كيف ننوع الاقتصاد؟» إلى سؤال أكثر ارتباطاً بجوهر المشكلة: «كيف نبني دولة قادرة فعلاً على تنفيذ استراتيجية التنويع؟»
وتستند القراءة إلى تقرير أعده الاقتصادي مايكل بورتر ومجموعة Monitor Group عام 2007 بعنوان «الاستراتيجية الاقتصادية الوطنية: لحظة ليبيا للتحرك»، لتعيد طرح الأسئلة الاقتصادية الليبية بعد نحو عقدين من التقرير، ولكن من زاوية مختلفة تركز على قدرة الدولة ومؤسساتها على التنفيذ.
وبحسب بورويص، فإن امتلاك خطة جيدة أو موارد مالية كبيرة لا يضمن تحقيق النتائج، إذا كانت الدولة تفتقر إلى المؤسسات والبيانات والمهارات والصلاحيات وآليات المتابعة والمحاسبة اللازمة لتحويل القرار إلى واقع.
من «ماذا نريد؟» إلى «كيف ننفذ؟»
تنطلق القراءة من أن المشكلة الليبية لا تكمن فقط في نقص الأفكار أو الخطط أو الموارد، وإنما في وجود ما يسميه بورويص «فجوة تنفيذية»، أي المسافة بين معرفة ما ينبغي فعله والقدرة الفعلية على تنفيذه.
فقد تعرف مؤسسة حكومية أنها بحاجة إلى تطوير خدمة، أو رقمنة إجراءات، أو تقليل مدة إصدار التراخيص، أو تحسين إدارة الموارد، أو رفع كفاءة موظفيها، أو تقليل الهدر، لكن معرفة المشكلة لا تعني بالضرورة امتلاك القدرة على حلها.
ويرى بورويص أن دورة العمل التقليدية قد تتحول إلى: خطة، ثم لجنة، ثم قرار، ثم إعلان، ثم تعثر في التنفيذ، فتغيير الأشخاص، ثم خطة جديدة.
أما الإصلاح الفعلي، فيحتاج إلى دورة مختلفة تبدأ بالتشخيص وتحديد الأولوية، ثم تعيين المسؤول ومنحه الصلاحية وتوفير الموارد، وصولاً إلى التنفيذ والقياس والتصحيح والتعلم، ثم تحويل التجربة الناجحة إلى نظام مؤسسي مستقر.
وبمعنى آخر، فإن الإصلاح لا ينتهي عند إصدار القرار، بل يبدأ بعد صدوره.
ماذا كان يقول تقرير بورتر عام 2007؟
يشير بورويص إلى تقرير مايكل بورتر وMonitor Group الصادر في فبراير 2007، والذي تناول الاستراتيجية الاقتصادية الوطنية في ليبيا.
وينطلق التقرير من أن ليبيا لا تعاني من نقص في عناصر القوة الاقتصادية، إذ تمتلك موارد طبيعية، ورأس مال، وموقعاً جغرافياً مهماً، وقرباً من أوروبا، وامتداداً نحو أفريقيا، إضافة إلى أصول ثقافية وتاريخية.
لكن التحدي يتمثل في كيفية تحويل هذه الإمكانات إلى إنتاجية وتنافسية واستثمار وثروة مستدامة.
ومن هنا، فإن امتلاك الموارد لا يعني تلقائياً القدرة على بناء اقتصاد قوي ومتعدد القطاعات.
ماذا تغير بين 2007 و2026؟
بعد نحو عشرين عاماً، يرى بورويص أن السؤال الاقتصادي الليبي لم يعد مقتصراً على كيفية تنويع الاقتصاد، بل أصبح متعلقاً بكيفية بناء الجهاز المؤسسي القادر على تنفيذ هذا التنويع.
فالتنويع يحتاج إلى قوانين ومؤسسات وتمويل ومهارات وبيانات وبنية تحتية وقطاع خاص وقضاء فعال وإدارة عامة قادرة وتنسيق بين الجهات.
وبالتالي، فإن الاقتصاد لا يعمل في فراغ، بل داخل مؤسسات، وإذا كانت المؤسسات ضعيفة فقد تبقى أفضل الاستراتيجيات على الورق.
اقتصاد يعتمد على النفط ومؤسسات تحتاج إلى قدرة أكبر
تستند القراءة إلى بيانات دولية تشير إلى استمرار الاعتماد الكبير للاقتصاد الليبي على المحروقات، التي شكلت في عام 2024 نحو 65% من الناتج المحلي الإجمالي، و93% من الصادرات، و72% من الإيرادات، وفق البيانات الواردة في التقرير.
كما يشير النص إلى استمرار غياب الميزانية الموحدة في 2025 والاعتماد على مخصصات شهرية، وهو ما يحد من كفاءة الإدارة المالية.
ويربط بورويص هذه الأرقام بمشكلة أوسع: ليبيا تمتلك موارد كبيرة، لكن التحدي يتمثل في بناء قدرة مؤسسية تسمح بتحويل تلك الموارد إلى إنتاج مستدام.
لماذا تصبح المؤسسات جزءاً من المشكلة الاقتصادية؟
بحسب القراءة، تظهر المشكلة المؤسسية عندما لا تكون الإجابات واضحة عن أسئلة أساسية مثل: من المسؤول عن القرار؟ ومن يملك الصلاحية؟ وعلى أي أساس يتم اتخاذ القرار؟ وكيف نعرف أن القرار نجح؟ وماذا يحدث إذا لم يتحقق الهدف؟
ومن هنا يربط بورويص بين الأولوية والسلطة والمسؤولية والموارد والتنفيذ والقياس والمحاسبة والتعلم، باعتبارها حلقات مترابطة لا يمكن فصل بعضها عن بعض.
ويطرح في هذا السياق معادلة مبسطة: جودة الاستراتيجية × قدرة التنفيذ = الأثر الوطني.
ويوضح أن هذه ليست معادلة رياضية بالمعنى العلمي، وإنما طريقة لفهم العلاقة بين التخطيط والتنفيذ؛ فالخطة الممتازة لن تحقق نتائج كبيرة إذا كانت قدرة الدولة على التنفيذ ضعيفة.
من دولة الريع إلى دولة الإنتاجية
يدعو بورويص إلى الانتقال من «دولة الريع والتوزيع» إلى «دولة الإنتاجية والجدارة».
والمقصود ليس التخلي عن النفط، وإنما تغيير طريقة استخدام عائداته، بحيث لا تذهب الموارد الطبيعية إلى الاستهلاك فقط، بل تستخدم أيضاً في بناء القدرات الإنتاجية والمهارات والمؤسسات والتكنولوجيا والشركات والاستثمار والتصدير.
وبذلك يتحول النفط من مصدر للإنفاق إلى وسيلة لتمويل بناء اقتصاد يستطيع إنتاج الثروة مستقبلاً.
ثلاثة مفاتيح لفهم الاختناقات
يعتمد التحليل على ثلاثة أطر رئيسية هي نظرية القيود، ومبدأ باريتو، وتحليل سلسلة القيمة.
وتساعد هذه الأدوات في الانتقال من سؤال عام مثل «لماذا لا تتقدم ليبيا؟» إلى أسئلة أكثر تحديداً: ما أكبر عائق؟ أين يضيع الوقت؟ أين تضيع القيمة؟ وما الإجراءات القليلة التي تتسبب في الجزء الأكبر من المشكلة؟
نظرية القيود
تقوم نظرية القيود على البحث عن أكبر عامل يحد من أداء النظام.
ويشرح بورويص ذلك بمثال مصنع يستطيع أربع مراحل فيه إنتاج 100 وحدة يومياً، بينما لا تستطيع المرحلة الخامسة إنتاج أكثر من 30 وحدة. وفي هذه الحالة لن يتجاوز الإنتاج النهائي قدرة المرحلة الأبطأ.
وبتطبيق الفكرة على الدولة، يرى أن محاولة إصلاح كل شيء في الوقت نفسه قد تؤدي إلى تشتيت الموارد والمسؤوليات وإضعاف المتابعة، ولذلك ينبغي تحديد أكبر عنق زجاجة ومعالجته، ثم الانتقال إلى القيد التالي.
مبدأ باريتو
لا تعني قاعدة «20/80» أن النسبة ثابتة في كل الحالات، وإنما تستخدم كطريقة للتفكير في التركيز على الأسباب الأكثر تأثيراً.
فإذا كانت الدولة تواجه مئة إجراء إداري، فقد تكون مجموعة صغيرة منها مسؤولة عن الجزء الأكبر من التأخير والتكلفة وتعقيد الاستثمار وتعطيل الشركات والاحتكاك بين المواطن والإدارة.
ولهذا يقترح بورويص تحديد الإجراءات الأكثر تسبباً في التعطيل، والاستفادة من أدوات قياس الأعباء التنظيمية، ومنها نموذج التكلفة المعياري الذي يقيس الوقت والتكلفة وعدد مرات تنفيذ الإجراء والجهات المتأثرة به.
سلسلة القيمة
لا ينبغي النظر إلى الإنتاج وحده، وإنما إلى جميع المراحل التي تمر بها السلعة أو الخدمة حتى تصل إلى المستهلك.
ففي الزراعة، مثلاً، تبدأ العملية بالإنتاج، ثم النقل والتخزين والتمويل والتأمين والجمارك والتصنيع والتوزيع والتسويق.
وقد يكون الإنتاج جيداً، لكن ضعف التخزين أو ارتفاع تكلفة النقل كفيلاً بإضاعة القيمة وتقليل القدرة على المنافسة.
13 عنصراً لقدرة الدولة على التنفيذ
يحدد بورويص ثلاثة عشر عنصراً يرى أنها تشكل أساس قدرة الدولة على تنفيذ خططها.
- وضوح الأولويات، بحيث تعرف الدولة ما الذي يجب فعله أولاً.
- وضوح السلطة، ومعرفة من يملك القرار.
- وضوح المسؤولية، بحيث يكون لكل نتيجة مسؤول معروف.
- القدرة على اتخاذ القرار في الوقت المناسب وبالمعلومات المناسبة.
- التنسيق بين المؤسسات.
- البيانات الصحيحة والحديثة.
- المهارات اللازمة لتنفيذ المهام.
- الموارد المالية والبشرية المتاحة في الوقت المناسب.
- سرعة الإجراءات وتقليل الوقت الضائع.
- الرقابة لمعرفة اتجاه التنفيذ.
- المحاسبة وربط المسؤولية بالنتائج.
- قياس النتائج باستخدام مؤشرات واضحة.
- التعلم والتصحيح وعدم الانتظار سنوات قبل تعديل ما ثبت فشله.
خمس قواعد للإدارة التحويلية
يقترح بورويص خمس قواعد يرى أنها ضرورية للإصلاح المؤسسي في السياق الليبي.
أولها الحوافز المؤسسية؛ فالمؤسسة تكافئ السلوك الذي تصممه أنظمتها. وإذا كانت الحوافز تشجع العلاقات الشخصية أو الولاء أو تجنب المسؤولية، فمن الصعب توقع الابتكار والمبادرة والأداء.
وثانيها القياس والإدارة، إذ يصعب إدارة شيء لا يمكن قياسه. ولذلك يجب معرفة ماذا تنتج المؤسسة، ولمن، وكم يستغرق العمل، وكم يكلف، وما مستوى جودته، ومن المسؤول عنه.
وثالثها تحديد الأولويات، من خلال التركيز على ثلاث إلى خمس أولويات وطنية رئيسية بدلاً من إطلاق عشرات المبادرات في وقت واحد.
ورابعها أن المؤسسة أهم من الشخص؛ فتغيير الوزير أو المدير لا يكفي إذا بقيت الإجراءات والحوافز والبيانات والصلاحيات والعمليات نفسها.
أما القاعدة الخامسة فتتمثل في تحويل الريع إلى إنتاج، أي استخدام الموارد النفطية لبناء قدرة مستقبلية على إنتاج الثروة.
تحديات الإصلاح في ليبيا
يرصد بورويص ستة مخاطر رئيسية أمام عملية الإصلاح.
أولها الانقسام السياسي والمؤسسي، الذي يجعل السياسات الوطنية أكثر صعوبة في التنفيذ عندما تتعدد مراكز القرار.
ويطرح في مواجهته مجموعة من الإجراءات، من بينها الاتفاق على عدد محدود من الأولويات الوطنية، وحماية المشاريع الحيوية من التغيير المستمر، وربط التمويل بالنتائج، وتحسين التنسيق بين المؤسسات.
وثانيها مقاومة التغيير، التي يمكن مواجهتها من خلال رقمنة الإجراءات، والمشتريات الإلكترونية، وزيادة الشفافية، والإفصاح عن المستفيد الحقيقي، وحماية المبلغين عن الفساد، وإشراك القطاع الخاص في تصميم الإصلاح.
أما الخطر الثالث فهو نقص الكفاءات، ويقترح له التعلم بالممارسة من خلال مشاريع صغيرة وتجريبية، إضافة إلى شراكات دولية هدفها نقل المعرفة وليس الحصول على التمويل فقط.
والخطر الرابع هو الاستدامة المالية بسبب الاعتماد الكبير على النفط وتقلب أسعاره وإنتاجه وصادراته، مع الحاجة إلى تحسين إدارة الموارد السيادية، وضبط الإنفاق، وتنمية الإيرادات غير النفطية، وتحسين إدارة الدعم والحساب الموحد للخزانة وزيادة الشفافية.
والخامس هو فقدان الثقة، ولذلك يركز بورويص على تحقيق نتائج سريعة وملموسة يشعر بها المواطن في الخدمات اليومية.
أما السادس فهو مخاطر التكنولوجيا والأمن السيبراني، بما فيها سرقة البيانات واختراق الأنظمة والاعتماد على مورد واحد وضعف القدرات المحلية، وهو ما يتطلب تنمية الخبرات المحلية وتعدد الموردين وحماية البيانات وبناء بنية رقمية آمنة.
ماذا يمكن أن يحدث خلال أول 100 يوم؟
لا يقترح بورويص إصلاح الدولة الليبية بالكامل خلال مئة يوم، بل استخدام هذه الفترة لإثبات أن الدولة تستطيع الإنجاز.
ويقترح اختيار خمسة اختناقات وطنية، مثل تراخيص الأعمال، وبعض إجراءات الرواتب الإلكترونية، وتشغيل مشروع كهرباء رئيسي، ومعالجة إجراء محدد في سوق الصرف، وملف محدد من أملاك الدولة.
كما يقترح اختيار خمس خدمات عامة يمكن تحسينها بصورة ملموسة، وخمسة إجراءات استثمارية تسبب أكبر قدر من التعطيل، وخمسة مشاريع إنتاجية يمكن إطلاقها بسرعة نسبية.
ويشترط لكل مشروع ستة عناصر: مسؤول واحد واضح، ونتيجة محددة، ومؤشر قابل للقياس، وموعد نهائي، واجتماع متابعة منتظم لإزالة العقبات، وتقرير علني عن مستوى التقدم.
وبذلك تنتقل الإدارة من سؤال «ماذا فعلنا؟» إلى سؤال «ماذا تحقق؟»
من 100 يوم إلى سنة: إنشاء «نظام وطني للتنفيذ»
يقترح بورويص إنشاء «النظام الوطني للتنفيذ»، بحيث تكون مهمته تحويل الأولويات إلى مشاريع، وتحديد المسؤوليات، ومتابعة التنفيذ، واكتشاف الاختناقات، ورفع التقارير، وتصعيد المشكلات، وقياس النتائج.
ويشير إلى أن الفكرة تشبه وحدات التنفيذ التي ظهرت في تجارب حكومية مختلفة، مؤكداً أن وحدة صغيرة للمتابعة والتنفيذ قد تكون أكثر فاعلية من إنشاء لجنة كبيرة جديدة تضاف إلى اللجان القائمة.
وعلى مدى سنة إلى ثلاث سنوات، يقترح أربعة تحولات: من إدارة الأزمات إلى إدارة الأداء، ومن ميزانية حسب الجهات إلى ميزانية مرتبطة بالنتائج، ومن الوظيفة الحكومية إلى المهنة الحكومية، ومن شراء التكنولوجيا إلى إعادة تصميم العمليات ثم رقمنتها.
دور الجامعات ومراكز التفكير
لا يحصر بورويص الإصلاح في الحكومة، بل يدعو الجامعات ومراكز التفكير والباحثين إلى قياس تكلفة التأخير والإجراءات وإغلاق الموانئ وتوقف الخدمات والتعقيد الإداري وضعف الإنتاجية.
والهدف هو الانتقال من الانطباعات إلى بيانات يمكن مناقشتها، مع التركيز على نقد الأنظمة بدلاً من مهاجمة الأشخاص، ودراسة التجارب المحلية الناجحة، وتوثيق النجاحات الصغيرة، وبناء مدرسة ليبية في التفكير المؤسسي، وتطوير مراكز تفكير مستقلة وشبكة للاستشراف الاستراتيجي.
ماذا يمكن أن تتعلم ليبيا من تجارب الدول الأخرى؟
يؤكد بورويص أن المطلوب ليس استنساخ تجارب الدول الأخرى، وإنما فهم «منطق النجاح» وتكييفه مع الواقع الليبي.
فمن سنغافورة يبرز أهمية التركيز والاحترافية والاستمرارية والربط بين الاستثمار والمهارات والصناعة.
ومن اليابان يستفيد من مفهوم «كايزن»، أي التحسين المستمر، ومن فكرة اكتشاف الخلل مبكراً ومعالجته قبل أن يتحول إلى أزمة.
ومن ألمانيا وسويسرا يبرز أهمية التعليم والتدريب المهني المرتبط باحتياجات الشركات.
ومن النرويج يركز على إدارة عائدات النفط وتحويل جزء منها إلى أصول واستثمارات طويلة الأجل.
ومن كوريا الجنوبية يبرز دور الصناعة والتصدير واستخدام الأسواق العالمية لرفع الجودة والإنتاجية والتكنولوجيا.
ومن أيرلندا يركز على جذب الاستثمار الذي ينقل التكنولوجيا والمهارات والتدريب والمعرفة، وليس مجرد جذب أي استثمار.
ومن إستونيا يستخلص أن الدولة الرقمية لا تعني شراء الأجهزة، وإنما إعادة تصميم العلاقة بين المواطن والبيانات والدولة.
ومن رواندا يبرز أهمية تحديد الأهداف والمسؤولين وقياس النتائج والمتابعة، مع التأكيد على أن المقصود هو الاستفادة من أداة إدارية وليس نقل نموذج سياسي.
ومن الإمارات يركز على العلاقة بين الموقع والموانئ واللوجستيات والمناطق الاقتصادية والتكنولوجيا ورأس المال، مع التأكيد على أن الموقع الجغرافي لا يتحول إلى قيمة اقتصادية من دون بنية تحتية ومؤسسات وقوانين وأمن وخدمات.
ومن المملكة المتحدة وماليزيا يبرز تجربة وحدات التنفيذ والمتابعة، وضرورة نشر تقارير دورية توضح ما تم وما لم يتم وأسباب التعثر والخطوة التالية.
أما أدوات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، فتقدم وسائل لقياس الأعباء التي تفرضها القوانين والإجراءات على المواطنين والشركات، بما يساعد على تحديد الإجراءات الأكثر عبئاً وتوجيه جهود الإصلاح إليها.
الإصلاح المؤسسي في ليبيا قائم بالفعل كمسار عمل
يشير بورويص أيضاً إلى وجود مبادرات دولية مرتبطة بالإصلاح المؤسسي في ليبيا، من بينها مشروع «الحوكمة التحويلية في ليبيا» الذي أطلقه برنامج الأمم المتحدة الإنمائي عام 2025، ويجمع بين إصلاح الإدارة العامة والخدمة المدنية والنزاهة والمساءلة والشفافية وصنع السياسات القائمة على الأدلة وإدارة الموارد البشرية والتحول الرقمي.
كما يعمل البرنامج على تطوير خارطة لإصلاح الإدارة العامة وإطار لإصلاح الخدمة المدنية وشبكة وطنية من «وكلاء التغيير».
وبذلك، فإن مسألة بناء قدرة الدولة على التنفيذ ليست مجرد فكرة نظرية، وإنما ترتبط أيضاً بمبادرات وبرامج إصلاح مؤسسي قائمة.
المؤسسات المالية: لا يكفي التعامل مع الأزمة بعد وقوعها
ينتقل بورويص في الجزء المالي من قراءته إلى سؤال آخر مرتبط ببناء المؤسسات، مستنداً إلى كتاب Fragile by Design: The Political Origins of Banking Crises and Scarce Credit للباحثين Charles W. Calomiris وStephen H. Haber، الصادر عن Princeton University Press عام 2014.
ويستعرض الكتاب تجارب مصرفية في الولايات المتحدة وكندا وبريطانيا والمكسيك والبرازيل، ويربط بين تصميم النظام المصرفي والسياسة والمؤسسات والتحالفات والمصالح.
ومن هنا يطرح بورويص سؤالاً يتجاوز كيفية التعامل مع الأزمة بعد وقوعها: لماذا تصمم بعض الأنظمة بطريقة تجعل الأزمات أكثر احتمالاً من غيرها؟
وبهذا المعنى، فإن المؤسسات المالية ليست مجرد قوانين تقنية، وإنما تتأثر بالتاريخ والسياسة والمصالح والتنظيم والحوافز والثقافة المؤسسية.
ويستخدم بورويص تشبيه رجل الإطفاء، مستعرضاً تجربة تيم جايتنر، ليطرح سؤالاً: إذا تكررت الحرائق المالية، فهل يكفي زيادة عدد رجال الإطفاء، أم ينبغي البحث عن أسباب اشتعالها؟
أي: ما الحوافز؟ وما القواعد؟ وكيف تعمل الرقابة؟ وكيف صممت المؤسسات؟ وما الذي يسمح بتكرار السلوك نفسه؟
الدرس المصرفي لليبيا
يرى بورويص أن إصلاح القطاع المصرفي لا يتعلق فقط بتغيير قانون أو تعيين مسؤول، بل بتصميم منظومة متكاملة تشمل الحوافز والرقابة والمسؤوليات والمعلومات وقواعد السوق.
ويتطرق في هذا السياق إلى قاعدة باجهوت المتعلقة بدور البنك المركزي كمقرض أخير للملاذ خلال الأزمات، مع إقراض المؤسسات القادرة على الوفاء مقابل ضمانات وبشروط مناسبة.
والفكرة الأوسع، بحسب القراءة، أن التعامل مع الأزمات المالية يحتاج إلى قواعد واضحة قبل وقوع الأزمة، لا بعد حدوثها.
سبعة انتقالات استراتيجية
يلخص بورويص رؤيته في سبعة انتقالات رئيسية:
- من الحاجة إلى استراتيجية جديدة إلى الحاجة إلى آلة تنفيذ جديدة.
- من دولة العلاقات إلى دولة الجدارة.
- من دولة التوزيع إلى دولة الإنتاجية.
- من كثرة القرارات إلى جودة التنفيذ.
- من إدارة الأشخاص إلى هندسة المؤسسات.
- من محاولة معالجة مئة مشكلة إلى معالجة القيود الأكثر تأثيراً.
- من سؤال «من يحكم؟» إلى سؤال «كيف تعمل الدولة؟».
كما يلخص الرؤية في عشر قواعد: لا استراتيجية بلا قدرة تنفيذ، ولا قدرة تنفيذ بلا مؤسسات، ولا مؤسسات فعالة بلا وضوح مسؤولية، ولا مسؤولية بلا صلاحية، ولا صلاحية فعالة بلا بيانات، ولا إنتاجية بلا قياس، ولا تنويع بلا سلاسل قيمة، ولا إصلاح مستدام بلا حوافز صحيحة، ولا مستقبل آمن بلا استشراف وإدارة مخاطر، ولا نهضة مستدامة بلا تحويل جزء من عائدات الموارد إلى قدرة إنتاجية.
الخلاصة: من الخطة إلى المأسسة
في نهاية القراءة، يعود بورويص إلى السؤال الأساسي: هل تحتاج ليبيا إلى استراتيجية اقتصادية جديدة فقط، أم أنها تحتاج قبل ذلك إلى قدرة جديدة على تنفيذ الاستراتيجية؟
فالخطة قد تكون جيدة، والموارد قد تكون متاحة، والمشكلة قد تكون معروفة، لكن غياب المسؤول والصلاحية والتمويل والبيانات والمهارات والمتابعة والقياس والمحاسبة يجعل أثر الخطة محدوداً.
ويرسم بورويص مساراً متكاملاً يبدأ بالتشخيص، ثم تحديد الأولوية، واختيار المسؤول، ومنح الصلاحية، وتوفير الموارد، والتنفيذ، والقياس، والتصحيح، والتعلم، وصولاً إلى المأسسة.
وبذلك يصبح الإصلاح عملية تعلم مستمرة، وليس حملة مؤقتة.
ويرى أن الإضافة الأساسية في تصور 2026 لا تتمثل في إضافة أرقام جديدة إلى تقرير بورتر، وإنما في تغيير وحدة التحليل؛ ففي عام 2007 كان السؤال الأساسي: كيف تصبح ليبيا أكثر تنافسية؟ أما السؤال الجديد فهو: كيف تبني ليبيا دولة تستطيع إنتاج التنافسية؟
وهذا السؤال يجمع الاقتصاد بالمؤسسات والإدارة والحوكمة والبيانات والتكنولوجيا والمهارات والتمويل وإدارة المخاطر والاستشراف وسلاسل القيمة.
وفي جوهر الرؤية، يقول بورويص إن المشكلة ليست فقط في معرفة ما ينبغي فعله، وإنما في بناء دولة تستطيع فعله، وقياس نتائجه، وتصحيح أخطائه، وتحويل ما تتعلمه إلى مؤسسة مستدامة.
وبذلك ينتقل السؤال من «ماذا نريد؟» إلى «كيف نجعل الدولة قادرة على فعله؟»، ومن دولة رد الفعل إلى دولة الفعل، ومن اقتصاد يعتمد على الريع إلى اقتصاد يركز على خلق القيمة والإنتاجية.
مصطلحات أساسية للقارئ
التنافسية الوطنية: قدرة اقتصاد الدولة على إنتاج سلع وخدمات تنافس في الأسواق وتدعم مستويات معيشة مستدامة.
الإنتاجية: مقدار القيمة التي ينتجها العامل أو المؤسسة مقارنة بالوقت والمال والمواد المستخدمة.
التنويع الاقتصادي: زيادة عدد ومجالات مصادر الإنتاج والدخل وعدم الاعتماد بدرجة كبيرة على قطاع واحد.
اقتصاد الريع: اقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على إيرادات مورد طبيعي، مثل النفط والغاز، بدلاً من الإنتاج المتنوع.
سلسلة القيمة: جميع المراحل التي تمر بها السلعة أو الخدمة من الإنتاج حتى وصولها إلى المستهلك.
نظرية القيود: طريقة إدارية تبحث عن أكبر عامل يحد من أداء النظام وتركز على تحسينه.
عنق الزجاجة: المرحلة الأبطأ أو الأكثر تقييداً التي تحد من النتيجة النهائية.
مبدأ باريتو: طريقة للتفكير تركز على عدد محدود من الأسباب التي قد تنتج الجزء الأكبر من النتائج، مع أن نسبة 80/20 ليست قاعدة ثابتة.
فجوة التنفيذ: الفرق بين معرفة ما يجب فعله والقدرة الفعلية على تنفيذه.
القدرة على التنفيذ: قدرة المؤسسة على تحويل الخطة والقرار إلى نتيجة فعلية في الوقت والجودة المطلوبين.
الهندسة المؤسسية: تصميم الهياكل والصلاحيات والإجراءات والحوافز بحيث تعمل المؤسسة بصورة أكثر وضوحاً واستقراراً.
القدرة المؤسسية: قدرة المؤسسة على اتخاذ القرارات وتنفيذها بصورة منتظمة ومستقرة.
المرونة المؤسسية: قدرة المؤسسة على مواجهة الصدمات والتكيف معها والاستمرار في أداء وظائفها.
الحوكمة: الطريقة التي تتخذ بها القرارات وتنفذ وتراقب داخل الدولة أو المؤسسة.
الجدارة: اختيار الأشخاص وترقيتهم بناء على الكفاءة والأداء والمعايير المهنية، لا العلاقات الشخصية.
الدولة الرقمية: استخدام البيانات والتكنولوجيا وإعادة تصميم الإجراءات لتقديم خدمات حكومية أكثر سرعة وكفاءة وشفافية.
التحول الرقمي: إعادة تصميم طريقة العمل أولاً، ثم استخدام التكنولوجيا لتحسينها، وليس مجرد شراء أجهزة وبرامج.
إدارة المخاطر: تحديد المخاطر المحتملة ودراسة احتمالها وتأثيرها ووضع إجراءات للحد منها.
الاستشراف الاستراتيجي: دراسة الاتجاهات والتغيرات والسيناريوهات المحتملة للاستعداد للمستقبل.
الإدارة التحويلية: إدارة تهدف إلى تغيير طريقة عمل النظام نفسه، وليس فقط تحسين جزء صغير منه.
وحدة التنفيذ: جهاز صغير يتابع تنفيذ عدد محدود من الأولويات، ويحدد التأخير والاختناقات ويرفعها إلى أصحاب القرار.
مؤشر الأداء الرئيسي (KPI): رقم أو معيار يستخدم لمعرفة ما إذا كان الهدف يتحقق أم لا.
سلسلة القيمة العالمية: شبكة إنتاج توزع مراحل تصنيع السلعة أو تقديم الخدمة بين دول وشركات مختلفة.
الاستثمار الأجنبي المباشر: استثمار شركة أو مستثمر من دولة في نشاط إنتاجي بدولة أخرى مع علاقة طويلة الأجل وإدارة أو تأثير في المشروع.
نموذج التكلفة المعياري (SCM): طريقة لحساب الوقت والتكلفة اللذين يتحملهما المواطن أو الشركة بسبب الإجراءات والمتطلبات التنظيمية.
الإصلاح المؤسسي: تغيير القواعد والهياكل والإجراءات والحوافز التي تحدد طريقة عمل المؤسسات.
التعلم المؤسسي: قدرة المؤسسة على تحويل التجارب والأخطاء والنجاحات إلى معرفة تستخدم في تحسين العمل مستقبلاً.
المأسسة: تحويل الممارسة الناجحة من اعتمادها على أشخاص محددين إلى نظام مستقر يستمر بعد تغيرهم.
الحساب الموحد للخزانة: نظام لإدارة الحسابات الحكومية بصورة أكثر توحيداً، بما يساعد على متابعة التدفقات النقدية وتحسين الرقابة عليها.
الاستدامة المالية: قدرة الدولة على تمويل نفقاتها والتزاماتها على المدى الطويل دون الوصول إلى وضع مالي غير قابل للاستمرار.
الخلاصة النهائية
التنمية، وفق هذه القراءة، لا تقوم فقط على امتلاك الموارد ولا على كتابة الاستراتيجيات، وإنما على وجود دولة قادرة على تحويل المعرفة إلى قرار، والقرار إلى تنفيذ، والتنفيذ إلى نتيجة، والنتيجة إلى قياس، والقياس إلى تعلم، والتعلم إلى مؤسسة.
ومن هذا المنظور، لا يتوقف السؤال الاقتصادي الليبي عند «ماذا نملك؟» أو «ماذا نريد؟»، بل يصل إلى سؤال أكثر جوهرية:
«هل نملك الدولة والمؤسسات والمهارات والبيانات والحوافز والصلاحيات التي تمكننا من تحويل ما نريده إلى نتائج فعلية؟»
وهنا تتمحور رؤية أ. ناصر إدريس بورويص حول الانتقال من دولة الأشخاص إلى دولة المؤسسات، ومن كثرة الخطط إلى جودة التنفيذ، ومن توزيع الريع إلى بناء الإنتاجية، ومن إدارة الأزمات إلى بناء القدرة على التعلم، ومن سؤال «ماذا نريد؟» إلى سؤال «كيف نجعل الدولة قادرة على فعله؟».
The post قراءة اقتصادية لـ«عين ليبيا».. كيف تبني الدولة الليبية قدرة حقيقية على تنفيذ خططها؟ appeared first on عين ليبيا | آخر أخبار ليبيا.

