كيف يُمهّد إضعاف التعليم لوصاية غير معلنة؟

0
4

نبذة

حين تتركّز إيرادات ليبيا في النفط، وتتنازع مؤسساتها على القرار، ويتعطّل تعليم أبنائها، تصبح البلاد أكثر عرضة لنفوذ من يملك المال أو السلاح أو القدرة على فرض شروطه. يبحث هذا المقال في الصلة بين هذه الملفات الثلاثة، وفي مسؤولية الداخل عن الظروف التي تسمح للخارج بتوسيع نفوذه.

يمكن أن يبقى العلم الليبي مرفوعًا، وتظل للدولة مقاعدها وسفاراتها، فيما تضيق قدرتها الفعلية على اتخاذ قراراتها. يبدأ ذلك حين تعتمد أطراف داخلية على سند خارجي في صراعها على السلطة، وحين تعجز المؤسسات عن تقديم حساب موحّد للثروة العامة، وحين تفقد المدرسة قدرتها على إعداد جيل يستطيع إدارة تلك الثروة ومحاسبة من يتصرّف فيها. وإذا استمر هذا المسار، فقد تجد ليبيا نفسها أمام وصاية تُمارَس بالنفوذ والاعتماد من دون إعلان رسمي.

عائد النفط مصدر للسلطة

في الأشهر التسعة الأولى من عام 2026، سجّل مصرف ليبيا المركزي 111.6 مليار دينار من مبيعات النفط وإتاواته، أي نحو 97% من الإيرادات الواردة في بيانه. وحين تعتمد الدولة إلى هذا الحد على مورد واحد، يصبح التأثير في إنتاجه وتصديره وتوريد عوائده وسيلة ضغط على مؤسسات تعتمد عليه لدفع المرتبات وتمويل الخدمات. [1]

وثّق فريق خبراء الأمم المتحدة تغلغل جماعات مسلحة في قطاع النفط، وتحويل إيرادات، واستغلال معاملات وعقود لخدمة شبكات متنافسة. ووثّق أيضًا تهريب وقود ليبي مدعوم إلى أسواق الساحل عبر شبكات عابرة للحدود. وأدان مجلس الأمن محاولات التصدير غير المشروع للخام والمشتقات. هكذا يتحوّل مورد عام إلى أرباح تموّل نفوذًا خارج الرقابة. [2، 3]

وسجّل الاتحاد الأوروبي واردات من الخام الليبي بقيمة تقارب 21.7 مليار دولار في 2025. يوضح الرقم حجم المصلحة التجارية في استمرار تدفّق الخام. وتحديد من استولى على إيراد أو انتفع بعقد يتطلب مراجعة سجلات الشحن والعقود والتحويلات المصرفية. فقد تستفيد دولة مستوردة من استقرار الإنتاج، فيما تستفيد شبكة تهريب من ضعف الرقابة، وتستفيد قوة خارجية من احتياج طرف ليبي إلى دعمها. لكل مصلحة أصحابها، ولكل اتهام أدلته. [2، 4]

كيف يصل أثر المدرسة إلى السيادة؟

ليبيا التي تريد أن تدير نفطها بشروطها تحتاج إلى مهندسين يشغّلون حقولها، ومفاوضين يفهمون عقودها، ومحاسبين يطابقون قيمة الشحنات بما دخل الحسابات، وقضاة يستطيعون مساءلة أصحاب النفوذ. هذه القدرات تبدأ في المدرسة. وإذا تكرّر تعطيلها وتراكم الفاقد، ضعفت قدرة المؤسسات على تقييم الخبرة التي تستعين بها، ومراجعة شروطها، واختيار بديل عنها.

لهذا تمسّ أزمة المعلمين السيادة. شملت مطالبهم فروقات الأجور، وعلاوة الحصة، والتأمين الصحي، وتسوية الأوضاع الوظيفية. وبحلول نهاية أكتوبر، كانت النقابة العامة لا تزال تطلب من وزارة التعليم بيانًا بما نُفّذ. وحين يتأخر الحل، تستطيع بعض الأسر دفع ثمن الدروس والبدائل، فيما يتحمّل الأطفال الذين تعجز أسرهم عن ذلك نصيبًا أكبر من الخسارة. ومع تكرار التعطيل، يمتدّ التفاوت في فرص التعلّم إلى فرص العمل والمشاركة في القرار. [5]

الوصاية الفعلية ومسؤولية الداخل

في أواخر أكتوبر 2026، دعا مجلس الأمن الدول إلى احترام سيادة ليبيا والامتناع عن التدخل، وطالب باستكمال تنفيذ خطة انسحاب القوات الأجنبية والمقاتلين الأجانب والمرتزقة. وتوثّق تقارير الخبراء استغلالًا منظّمًا للنفط والوقود. أما اتهام جهة أجنبية بتوجيه اعتصام المعلمين أو التخطيط لإغلاق المدارس، فيحتاج إلى دليل على التوجيه أو التمويل أو التنسيق. وما يمكن قوله سياسيًا هو أن إضعاف التعليم يهيّئ ظروفًا تستطيع قوى خارجية استغلالها، حتى حين تكون جذور الأزمة داخلية ومطالب المعلمين مشروعة. [2، 6]

الوصاية هنا وصف لتبعية فعلية في القرار. والمادة 78 من ميثاق الأمم المتحدة تستبعد تطبيق نظام الوصاية الدولية على الدول الأعضاء. والسؤال الذي يجب أن يجيب عنه أصحاب السلطة في ليبيا هو من يملك اليوم تعطيل قرار أمني أو مالي؟ ومن يحدد شروط التعاقد؟ ومن يستطيع مراجعة الاتفاق أو رفضه؟ [6، 7]

تبدأ استعادة القرار بنشر حساب يبيّن أين ذهب عائد النفط ومن أجاز إنفاقه، وجدول ممول لتسوية مستحقات المعلمين، وخطة لتعويض ما فات الطلاب. فمن يريد لليبيا أن تفاوض على ثروتها بعد عشرين عامًا، عليه أن يجيب اليوم عمّن يعلّم أبناءها، وكم يومًا تعلّموا، ومن يُحاسَب حين يبقى الفصل مغلقًا.

المصادر

1. مصرف ليبيا المركزي — بيان الإيراد والإنفاق حتى سبتمبر 2026⁠

2. الأمم المتحدة — تقرير فريق الخبراء بشأن ليبيا S/2026/224⁠

3. مجلس الأمن — القرار 2819 بشأن التصدير غير المشروع للنفط⁠

4. البنك الدولي — بيانات استيراد الخام الليبي في 2025⁠

5. وكالة الأنباء الليبية — مخاطبة نقابة المعلمين لوزارة التعليم في 30 أكتوبر⁠

6. بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا — قرار مجلس الأمن 2835⁠

7. ميثاق الأمم المتحدة — المادة 78

The post كيف يُمهّد إضعاف التعليم لوصاية غير معلنة؟ appeared first on عين ليبيا | آخر أخبار ليبيا.