Site icon bnlibya

مبادرة “بولس”.. الفخ الأمريكي الثاني لليبيا

” معظم محطات التغيير السياسي الكبرى في ليبيا يشكلها العامل الخارجي مستغلاً ومستثمراً في تعقيدات الوضع الداخلي نتيجة حالة غير مفهومة في ليبيا من الجهوزية للاستعمار.. ولا تنتبه النخبة ويدرك الشعب الليبي الأمر إلا متأخراً “.

مبادرة صهر الرئيس الأميركي ترامب ومستشاره للشئون الأفريقية مسعد بولس لحل الأزمة السياسية في ليبيا ليست استثناءًا من محطات استغفال ليبيا.. ظاهرها تسوية وخروج من المأزق لكن باطنها (فخاً) سيسقط الجميع من أطراف الصراع إلى النخبة إلى عموم الشعب في وحله لاحقاً.. فمقترح بولس هو إعادة ترسيم لدولة ليبية جديدة تُلغي الصيغة التأسيسية الثلاثية التاريخية (طرابلس وبرقة وفزان) وتُنهي دولة المركز في طرابلس وسيكون ثمن هذا التحول باهظاً ليس أقله حرباً وتفكيكاً لتماسك الدولة والأمة الليبية”.

الوصفة الأميركية لليبيا: (1963) النفط مقابل الاحتواء

ما أن إنتهى العِقد الأول لتأسيس الدولة الليبية أواخر العام عام 1951 حتى كان للولايات المتحدة الأميركية رأياً وقولاً ثقيلاً في إعادة هيكلة النظام السياسي آنذاك .. ففي عام 1963 وعلى وقع إنضمام ليبيا لمنظمة (أوبك) كمُصدِر للنفط كان الثمن لإعادة هيكلة قطاع النفط توافقاً مع رؤية ومصالح شركات النفط الأميركية وعلى رأسها شركة (أيسو) هو الإجهاز على النظام الاتحادي وتقويض التجربة الفيدرالية والضغط باعتماد نظام سياسي وإداري شديد المركزية باحتواء المكونات الجغرافية الثلاث لليبيا وذلك بدعوى توحيد ليبيا وتهييج عواطف شعب قليل العدد والتجربة.. فلم تلبث ليبيا أن نزعت ثوب تصنيفها كأحد أفقر دول العالم حينها ولم يشتد عود مؤسساتها بعد للبدء في بناء الدولة حتى وقعت المملكة الليبية في الفخ الأميركي بتحويلها لدولة شديدة المركزية تعيد تشكيل حوكمة قطاعها النفطي ليتوافق مع رغبة الشريك النفطي الأميركي على حساب التوازن التنموي والإداري والعدالة الاجتماعية والشراكة السياسية المتوازنة بين أقاليمها التاريخية التي أنتجها تاريخ نضالي مشترك بين مكونات ليبيا الثلاث.

الوصفة الأميركية لليبيا (2026): النفط مقابل البقاء

للمفارقة.. الآن بعد 63 عاماً من فخ عام 1963 الأميركي تتربص الإدارة الأميركية مجدداً بالكيان الليبي بتصميم (الفخ) الثاني لليبيا في صورة مبادرة للحل وإنهاء الانسداد السياسي.. هذه المرة تبدو الإدارة الأميركية أكثر نعومة في المقاربة السياسية للحل عبر تسويق فرضية توحيد السلطة والتمهيد لتنظيم الانتخابات المؤجلة كطريق لاستقرار ليبيا ولكنها في الحقيقة أكثر توحشاً في تغليب حسابات المصالح الضيقة والفئوية وحتى (العائلية) بشكل غير مسبوق لسادة البيت الأبيض .. فقد ضربت عُصبة (ترامب) بعرض الحائط حاجة الدولة الليبية المفككة وشعبها المنهك للسلام والاستقرار أمام مغريات الصفقات والبزنس ونهب الأموال والموارد.

تبدلت ليبيا كثيراً بين 1963 واليوم من حيث تماسك الدولة ووحدة الشعب وتطلعات الأمة.. لكن النوايا الأميركية تجاهها لم تتبدل فالحسابات الجيوسياسية والأمنية لم تبتعد عن ملف الطاقة والموارد والمعادن.. هذا النفط الذي كان وسيظل مصدر حياة ووحدة الليبيين ومصدر رخائهم سيظل أيضاً مصدر شقائهم وتفرقهم وحروبهم.. إنتاج النفط أنتج معادلة قاسية على الليبيين المنهكين فرضتها الطبيعة (المافيوزية) للمرحلة الانتقالية حيث تزاوجت الأدوات المنحرفة داخل السلطات المتعاقبة في ليبيا مع مصالح شبكات الفساد العالمي خلف صفقات ومبادرات وتسويات سياسية مزعومة في غياب أي تقدير وطني للمآلات الكارثية لهذا التزاوج.

العالم تحكمه المصالح وحينما تخفق دولة في حسابات السيادة فتلك مسئولية حكامها ونخبها وشعبها.. ليبيا اليوم (المترنحة) والمنقسمة والهشة والعاجزة عن تقرير مصيرها صارت سهلة التشكيل والتوجيه حسب أهواء وأجندات القوى الدولية النافذة ذات الماضي الاستعماري والإمبريالي.. هناك حالة غريبة ومؤسفة للنخب الحاكمة في ليبيا من (الجهوزية) للاستعمار عبر البقاء في السلطة بأي ثمن.. ومن هذه الثغرة وبخلفيته التجارية وجذوره (الأوسطية) وفهمه للسلوك السياسي الليبي اخترق بولس الملف الليبي وصمم خطته بوسم إنهاء الانقسام وتوحيد السلطة التنفيذية والتمهيد لإنجاز الاستحقاقات الانتخابية.. خلق بولس الشرعية لخطته من مرتكز إخفاق كل المسارات لحل الأزمة سواء المحلية أو الإقليمية أو حتى مقترحات وخطط البعثة الأممية للدعم (UNSMIL) وهذا يحسب له.. لكن تقييم وفلترة مقترحاته من منظور وطني وواقعي يقود إلى جملة من الصعوبات الفنية والتحديات الإستراتيجية لتمريرها ويقوض فرص نجاحها.. فمبادرة بولس اصطدمت أولاً مع التاريخ والجغرافيا الليبية حيث أغفلت التأسيس ثلاثي الأقاليم للدولة الليبية الحديثة واستبدلت تلك الحقيقة بتحول بنيوي (راديكالي) بطرح صيغة ثنائية للحكم (مجلس رئاسي للشرق وحكومة للغرب) وطمس للجنوب وذلك تماهياً مع رغبات القوة الرئيسية المسيطرة على القرار الوطني في شرق ليبيا وغربها مقابل صفقات ومشروعات استثمارية وعقود تجارية ضخمة.

مبادرة بولس تبدو في ظاهرها قابلة للتطبيق بشكل أو آخر.. بالعصا أو الجزرة.. لكن المآلات ستكون وخيمة.. فصيغة بولس لم تعتمد مشاركة متعددة للأطراف السياسية والأخطر أنها لم تنتج عبر تفاهمات قطبي السلطة بل تم نسجها وتصميمها في غياب أي مستوى من الثقة والضمانات وبالتالي لن ينتظر أحد الطرفين طويلاً للانقضاض على الآخر ومحاولة الاستحواذ على السلطة واندلاع نزاع غير محكوم بأجل أو نتيجة وستدخل ليبيا مجدداً في فوضى أشرس من تجربة 2011.. وستكون فزان بما تملكه من جغرافيا وتاريخ وموارد مجرد مُكمِل (عددي) ضمن حسابات التسوية المحلية والدولية.

The post مبادرة “بولس”.. الفخ الأمريكي الثاني لليبيا appeared first on عين ليبيا | آخر أخبار ليبيا.

Exit mobile version