متى يجهل المثقفون جهلهم؟ (الغباء النخبوي)

0
14

الحديث عن ظاهرة جهل المثقف بدأت في عالم يزداد تعقيداً تحمل اسم تأثير دانينغ-كروجر كإطار لفهم أحد أكثر تناقضات العقل البشري إثارة وهي لماذا يعجز الأفراد عديمو الكفاءة في كثير من الأحيان عن إدراك عدم كفاءتهم ؟ ، بل وقد يبالغون في تقدير مهاراتهم إلى حد الوهم . بينما يقلل الأكفاء أحياناً من شأن قدراتهم. هذه الآلية لا تقتصر على العامّة، بل يمكنها أن تخترق صفوف النخب المثقفة والمتخصصة، مما يخلق ما يمكن تسميته “الغباء النخبوي” حالة من الوهم المعرفي تغلفها شهادات أكاديمية ومراكز اجتماعية مرموقة.

يصف هذا التأثير، الذي صاغه عالما النفس الاجتماعي ديفيد دانينغ وجوستن كروجر عام 1999، انحيازاً معرفياً منهجياً. خلاصته أن الشخص غير الكفء يميل إلى المبالغة الكبيرة في تقدير مهاراته بسبب عجزه عن إدراك أخطائه ونقاط ضعفه. ببساطة، تفتقر المهارات اللازمة للقيام بشيء ما إلى المهارات ذاتها المطلوبة لتقييم أدائه فيه بدقة.

الشخص الكفء قد يقلل من تقديره لذاته، لأنه يفترض خطأً أن المهام السهلة بالنسبة له هي بنفس السهولة للآخرين.

مظاهر “الغباء النخبوي” يظهر في دوائر النخبة الأكاديميين، السياسيين، الخبراء، قادة الرأي تتخذ المشكلة أبعاداً أشد خطورة مثل الانغلاق داخل فقاعة التخصص ما قد يؤدي التقدم العميق في مجال ضيق إلى وهم الإلمام الشامل، حيث يعتقد المتخصص أن معرفته في حقل ما تعطيه صلاحية الحكم في حقول أخرى بعيدة. جهله بحدود معرفته الحقيقية خارج تخصصه هو عين “الغباء النخبوي”.

والأخطر هو شعور بعض رجال الدين بالتفوق المعرفي الوهمي عن الآخرين.

قال فرعون: ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد.

إسقاط سهولة المعرفة إذ يختبر الشخص ذو الكفاءة العالية الأفكار المعقدة في مجاله كأمر بديهي مع الوقت. وهذا قد يقوده إلى افتراض أن هذه الأفكار بنفس الوضوح للجمهور أو لزملائه من مجالات أخرى، فيفشل في شرحها أو في تقييم صعوبتها بدقة.

الحصانة الوهمية بالنقد قد تمنح المكانة الاجتماعية أو الألقاب الأكاديمية وهم الحصانة فيعتقد النخبوي أن آراءه محصنة من الخطأ لمجرد أنها صادرة عنه، متجاهلاً أن التأثير يخبرنا بأن الافتقار إلى المهارة يحجب عن الشخص الأدوات اللازمة لمراجعة ذاته ونقده.

تاريخيا قال كونفوشيوس: “المعرفة الحقيقية هي معرفة مدى جهل الفرد”.

وقال سقراط: حكمته تكمن في علمه بأنه لا يعرف شيئاً.

أيضا شكسبير قال: “الأحمق يعتقد أنه حكيم، ولكن الرجل الحكيم يعرف نفسه بكونه أحمقاً”.

كما تظهر الأبحاث أن الثقافة تلعب دوراً. ففي حين تركزت الدراسات المبكرة في أمريكا الشمالية، أظهرت دراسات على المجتمع الياباني ميلاً أكبر نحو تواضع التقدير الذاتي ورؤية الفشل كفرصة للتحسن. وهذا يشير إلى أن “الغباء النخبوي” ليس قدراً عالمياً ثابتاً، بل قد يتشكل بالبيئة الاجتماعية التي تشجع النقد الذاتي أو التباهي. لا توجد دراسة حتى الآن عن المجتمع العربي.

المشكل أن العواقب مثل انه عندما يجتمع الوهم المعرفي مع النفوذ الاجتماعي، تكون العواقب أوسع مثل قرارات خاطئة بكلفة عالية، سواء في السياسة، الاقتصاد، الصحة، أو الإدارة. قرار يتخذه مسؤول واثق من معلوماته الناقصة قد يؤثر على حياة الملايين.

تآكل ثقة المجتمع في الخبرة فعندما يكرر “الخبير” المخطئ التنبؤات الفاشلة أو التصريحات المتعالية، تضعف مصداقية المعرفة المؤسسية ككل.

تشكل هذه الظاهرة عائق أمام التعلم. الخطوة الأولى للتعلم هي الاعتراف بالجهل فمن يعتقد أنه قد وصل، يتوقف عن السير.

“الغباء النخبوي” هو ظاهرة أخطر من الغباء العادي، لأنه يختبئ وراء رايات العلم والمكانة، ويصبح من الصعب جداً تمييزه وتفنيده. لذلك حتى يدرك المثقفون جهلهم يبقى تأثير دانينغ-كروجر يذكرنا بأن الجهل الأكثر خبثاً ليس غياب المعرفة بل وهم امتلاكها.

في عصر طغت فيه الثقة أحياناً على الكفاءة، وتفوقت فيه الصخب على الحكمة، تصبح القدرة على تمييز حدود معرفتنا كأفراد ونخب ومجتمعات ليست فضيلة بل ضرورة أخلاقية للمستقبل.

The post متى يجهل المثقفون جهلهم؟ (الغباء النخبوي) appeared first on عين ليبيا آخر أخبار ليبيا.