Site icon bnlibya

من أزمة كهرباء إلى غضب سياسي.. خبير يكشف لـ«عين ليبيا» السيناريوهات خلال المرحلة المقبلة

تشهد العاصمة طرابلس وعدد من مدن الساحل الغربي تصاعداً في الاحتجاجات الشعبية على خلفية تراجع مستوى الخدمات والأزمات المتراكمة، وفي مقدمتها أزمة الكهرباء، وسط تساؤلات حول دلالات هذا الحراك سياسياً، ومدى قدرته على التأثير في أداء المؤسسات الرسمية ومسار العملية السياسية في البلاد.

وفي هذا السياق، أكد خبير العلاقات الدولية الدكتور إلياس الباروني، في تصريح لـ«عين ليبيا»، أن اتساع رقعة الاحتجاجات يعكس انتقال حالة السخط من كونها أزمة محلية إلى ظاهرة سياسية عامة، موضحاً أن انتقال الاحتجاجات بين عدة مدن خلال فترة زمنية متقاربة يدل على أن الأزمة أصبحت بنيوية وليست مرتبطة بحدث عابر.

وأشار الباروني إلى أن أهمية هذه الاحتجاجات تكمن في كونها تأتي من مناطق كانت تُعد الحاضنة الأساسية للسلطة التنفيذية، وهو ما يمنحها دلالة سياسية أكبر، باعتبارها مؤشراً على تراجع الرصيد الشعبي للحكومة واتساع فجوة الثقة بينها وبين المواطنين.

وأضاف أن استمرار الاحتجاجات واتساعها من الناحية التنظيمية قد يمثل بداية مرحلة جديدة من الحراك الشعبي، تختلف عن الاحتجاجات السابقة، كونها لا تركز فقط على تحسين الخدمات، وإنما تربط بين فشل الخدمات وفشل المنظومة السياسية بأكملها.

وحول تأثير الاحتجاجات على الحكومة والمؤسسات الرسمية، أوضح الباروني أن التحركات الحالية تشكل ضغطاً سياسياً وإعلامياً على الحكومة، لكنها لا تتحول تلقائياً إلى قوة تغيير، مشيراً إلى أن قدرة أي احتجاج على فرض تغييرات ترتبط بعدة عوامل، من بينها استمرار الزخم الشعبي، ووجود قيادة موحدة للحراك، ووضوح المطالب، وانضمام شرائح اجتماعية واسعة، إضافة إلى موقف القوى الأمنية والعسكرية.

وبيّن أن بقاء الاحتجاجات في إطار عفوي ومتفرق قد يجعل تأثيرها محدوداً، وقد تقتصر نتائجها على تغييرات إدارية أو وعود مؤقتة دون الوصول إلى إصلاحات هيكلية.

وفيما يتعلق بدور الأزمات الخدمية، وعلى رأسها الكهرباء، في تعميق الأزمة السياسية، قال الباروني إن الخدمات العامة تعد من أهم مصادر الشرعية السياسية، موضحاً أن عجز الدولة عن توفير الكهرباء والمياه والوقود والأمن يدفع المواطن إلى التشكيك في كفاءة المؤسسات وشرعيتها.

وأضاف أن أزمة الكهرباء لم تعد مجرد أزمة تقنية، بل تحولت إلى رمز لفشل إدارة الدولة، لافتاً إلى أن استمرار الأزمة رغم الإمكانيات المالية الكبيرة يعزز لدى المواطن الاعتقاد بأن المشكلة سياسية وإدارية أكثر منها فنية، وهو ما يؤدي إلى تآكل الثقة بالمؤسسات الرسمية.

وبشأن الدعوات إلى إغلاق المؤسسات الحكومية، اعتبر الباروني أن هذه الدعوات تعكس انتقال الاحتجاج من مرحلة الاعتراض إلى مرحلة العصيان المدني الجزئي، لكنها في الوقت ذاته تحمل مخاطر كبيرة، لأن تعطيل مؤسسات الدولة قد يؤدي إلى شلل إداري، وتعطيل مصالح المواطنين، وزيادة التوتر الأمني، وخلق مبررات للتصعيد.

وأكد أن نجاح أي حراك شعبي يرتبط بالموازنة بين ممارسة الضغط المشروع والحفاظ على مؤسسات الدولة باعتبارها ملكاً لجميع الليبيين.

وعن مخاوف استغلال الاحتجاجات من قبل أطراف سياسية، أوضح الباروني أن هذا الاحتمال قائم دائماً في البيئات المنقسمة، مشيراً إلى أن الاحتجاجات الشعبية تمثل فرصة للقوى السياسية المختلفة لمحاولة توجيهها بما يخدم أجنداتها.

وأضاف أن بعض الأطراف قد تسعى إلى توظيف الغضب الشعبي لإضعاف خصومها، أو إعادة ترتيب موازين القوى، أو تحسين موقعها في أي تسوية سياسية مقبلة، وهو ما يفرض على منظمي الاحتجاجات الحفاظ على استقلالية الحراك ورفض تحويله إلى أداة للصراع بين النخب السياسية.

وفي ما يتعلق بتأثير استمرار الاحتجاجات على العملية السياسية، خاصة ملف الانتخابات وتوحيد المؤسسات، أكد الباروني أن اتساع الحراك قد يزيد الضغوط على جميع الأطراف السياسية لتقديم تنازلات، لكنه قد يؤدي أيضاً إلى نتيجتين متناقضتين.

وأوضح أن السيناريو الإيجابي يتمثل في دفع القوى السياسية نحو الإسراع في التوافق على خارطة طريق وإجراء الانتخابات وتوحيد المؤسسات، بينما يتمثل السيناريو السلبي في استخدام الاحتجاجات مبرراً لتأجيل الاستحقاقات السياسية بحجة تدهور الوضع الأمني.

وأضاف أن التأثير النهائي للاحتجاجات سيعتمد على كيفية تفاعل المؤسسات والقوى السياسية معها.

وحول كيفية تعامل السلطات مع التحركات الشعبية، شدد الباروني على ضرورة الجمع بين احترام الحقوق والحفاظ على الأمن، وذلك من خلال ضمان حق المواطنين في التظاهر السلمي، وحماية الممتلكات العامة والخاصة، وفتح قنوات للحوار مع ممثلي المحتجين، وإعلان إجراءات عملية لمعالجة الأزمات الخدمية، وتعزيز الشفافية في عرض الحقائق ومحاسبة المقصرين.

وأكد أن الاستجابة السياسية المبكرة غالباً ما تكون أقل تكلفة من المعالجة الأمنية المتأخرة.

وفي حال عدم الاستجابة لمطالب المحتجين، توقع الباروني عدة سيناريوهات سياسية وأمنية خلال المرحلة المقبلة، أولها الاحتواء المؤقت عبر إجراءات خدمية عاجلة وتهدئة نسبية مع بقاء أسباب الأزمة، وثانيها اتساع الحراك الشعبي ليشمل مدناً ومناطق جديدة مع ارتفاع سقف المطالب من تحسين الخدمات إلى المطالبة بإصلاحات سياسية أوسع.

وأشار إلى أن السيناريو الثالث يتمثل في تصاعد التوتر الأمني إذا حدثت مواجهات بين بعض المحتجين والأجهزة الأمنية أو وقعت أعمال تخريب أو عنف، وهو سيناريو يحمل مخاطر كبيرة على الاستقرار، بينما يتمثل السيناريو الرابع في تسريع الضغوط السياسية الداخلية والخارجية للدفع نحو تسوية شاملة تعالج الانقسام وتعيد إطلاق مسار توحيد المؤسسات والانتخابات.

واختتم الباروني بالقول إن المشهد الحالي في ليبيا لا يعكس أزمة كهرباء أو خدمات فقط، بل يكشف عن أزمة ثقة متراكمة بين المواطن ومؤسسات الدولة، مشيراً إلى أن استمرار الأزمات دون حلول فعالة قد ينقل المطالب من تحسين الأداء الحكومي إلى المطالبة بإصلاحات سياسية أعمق.

وأكد أن الحفاظ على سلمية الاحتجاجات، والاستجابة الجادة للمطالب المشروعة، وتجنب تسييس الحراك أو توظيفه في صراعات القوى، تعد عوامل أساسية لتفادي مزيد من الاستقطاب وحماية فرص الوصول إلى تسوية سياسية مستقرة.

The post من أزمة كهرباء إلى غضب سياسي.. خبير يكشف لـ«عين ليبيا» السيناريوهات خلال المرحلة المقبلة appeared first on عين ليبيا آخر أخبار ليبيا.

Exit mobile version