من أصحاب القرار إلى شهود عليه: هل تصنع البعثة شرعية بأثر رجعي لمسار «4+4»؟

0
5

لم تكن المخاوف من تحوّل بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا عن حدود وظيفتها التيسيرية وليدة التطورات الأخيرة. ففي دراسة بحثية محكّمة نشرتُها في يوليو 2025 بعنوان: «سلطة المبعوث الأممي بين مقتضيات التفويض وانزلاقات الإدارة السياسية: الحالة الليبية أنموذجًا»، تناولتُ بالدراسة والتحليل انتقال دور المبعوث الأممي من الوساطة المحايدة إلى الإدارة الفعلية للعملية السياسية، وما يثيره ذلك من إشكالات قانونية ودستورية تمس مبدأ السيادة ومكانة المؤسسات الوطنية وشرعية المخرجات السياسية.

ولم تكن الدراسة حكمًا مسبقًا على أداء البعثة، وإنما محاولة لرصد تحول تراكمي في طبيعة وظيفتها؛ إذ أوضحت أن الإشكالية لا تبدأ عندما تجمع البعثة الأطراف أو تقرّب وجهات النظر بينها، وإنما حين تنتقل من تيسير الإرادة الوطنية إلى إعادة تشكيلها، ومن مساعدة المؤسسات على التوافق إلى اختيار من يتحدث باسمها، ومن دعم المسار السياسي إلى إدارته وتحديد أطرافه ومراحله ومخرجاته.

ثم عدتُ إلى هذه المسألة في مقالة نشرتُها في مايو 2026 بعنوان: «من يُدير ليبيا اليوم: المؤسسات الوطنية أم المسارات التي تصنعها البعثة؟»، وحذّرتُ فيها بصورة أكثر تحديدًا من أن تتحول مجموعة «4+4» من مساحة تشاور غير ملزمة إلى مسار سياسي موازٍ، يناقش اختصاصات المؤسسات الليبية من خلال أشخاص لم يحصلوا على تفويض صريح منها، ثم يضع تلك المؤسسات أمام مخرجات أُعدت خارجها.

واليوم، لم يعد ذلك التحذير مجرد افتراض بحثي أو احتمال سياسي. فقد واصلت المجموعة اجتماعاتها، ووقّعت بالأحرف الأولى على ما سُمّي بمسودة الاتفاق النهائي، وسارعت دول أجنبية إلى الترحيب بمخرجات لم تكن قد نُشرت كاملة، في الوقت الذي أعلن فيه المجلس الأعلى للدولة أنه لم يكن طرفًا في الاجتماعات ولا في نتائجها، وأن الترحيب الدولي لا يمنحها شرعية دستورية أو أثرًا قانونيًا.

أما التطور الأكثر دلالة، فهو دعوة البعثة الأطراف والمؤسسات الليبية إلى حضور مراسم التوقيع النهائي. وهنا لم يعد السؤال متعلقًا فقط بحدود دور البعثة أو بشرعية لجنة «4+4»، فقد سبق أن تناولنا ذلك، وإنما أصبح السؤال: هل تحاول البعثة استدراك غياب التفويض الوطني من خلال صناعة قبول سياسي لاحق؟ وهل يمكن لحضور المؤسسات مراسم توقيع اتفاق لم تشارك في صناعته أن يمنحه شرعية بأثر رجعي؟

إننا ننتقل، على ما يبدو، من مرحلة صناعة المسار الموازي إلى مرحلة تثبيت الأمر الواقع؛ ومن تجاوز المؤسسات أثناء التفاوض إلى استدعائها في النهاية لتشهد على نتائج تجاوزها.

من التحذير إلى الواقعية

حين بدأت اجتماعات «4+4»، كان دفاع البعثة يقوم ضمنيًا على أن الأمر لا يتجاوز حوارًا مصغرًا يساعد على تجاوز بعض العقبات الفنية والسياسية. غير أن المسار لم يتوقف عند حدود التشاور، بل انتقل تدريجيًا إلى صياغة ترتيبات تمس الإطار القانوني للانتخابات، وإعادة تشكيل مجلس إدارة المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، ومستقبل السلطة التنفيذية، ثم انتهى إلى إعداد ما وصفته البعثة بمسودة اتفاق نهائي والتوقيع عليها بالأحرف الأولى.

وهذا التطور يؤكد أن الخطر لم يكن في اسم اللجنة ولا في عدد أعضائها، وإنما في الوظيفة التي أُسندت إليها. فما بدأ بوصفه آليةً مساعدة أصبح يُنتج اتفاقًا سياسيًا، وما قُدّم على أنه حوار استشاري أخذ يضطلع عمليًا بوظائف تقريرية، وما كان يفترض أن يعود إلى المؤسسات المختصة صار يُقدَّم أمامها بوصفه مخرجًا مكتملًا ينتظر التوقيع والإعلان.

لقد انتقل المسار من جمع الأفكار إلى صناعة القواعد، ومن استطلاع المواقف إلى إعادة ترتيب المؤسسات، ومن الوساطة بين الأطراف إلى إنتاج أطراف جديدة ومنحها أدوارًا تتجاوز صفاتها القانونية الأصلية.

من المبادئ المستقرة في التمثيل أن التفويض يسبق التصرف ولا يُفترض لمجرد المشاركة. فمن يتفاوض باسم مؤسسة وطنية في مسائل تمس اختصاصها ومركزها القانوني يحتاج إلى تكليف واضح منها، يحدد صفته وحدود مهمته ومدى قدرته على الالتزام أو التوقيع.

أما إذا نفت المؤسسة أصل التفويض وأعلنت أنها لم تكن طرفًا في الاجتماعات، فإن العيب يصيب العملية منذ بدايتها. ولا يكفي لتصحيحه أن تُدعى المؤسسة بعد انتهاء التفاوض إلى حضور مراسم التوقيع.

فالحضور اللاحق لا ينشئ تفويضًا سابقًا، ولا يحول الأشخاص الذين اختارتهم البعثة إلى ممثلين مؤسسيين بأثر رجعي، ولا يجعل المؤسسة شريكة في مفاوضات لم تشارك في تحديد أطرافها أو جدول أعمالها أو صياغة نتائجها.

وكان المسار الصحيح، بعد اعتراض المجلس الأعلى للدولة على التمثيل، أن تتوقف البعثة عند هذا الاعتراض، وتتحقق من صفات المشاركين، وتعيد المخرجات إلى المؤسسات المختصة، وتطلب منها تسمية ممثليها أو تحديد موقفها قبل الاستمرار. أما مواصلة التفاوض والتوقيع بالأحرف الأولى، ثم دعوة المؤسسات إلى حضور المرحلة الأخيرة، فهي محاولة لمعالجة الخلل عند نهايته بدل إزالة سببه عند البداية.

صناعة الشرعية على مراحل

لا تبدو الشرعية التي تبحث عنها مخرجات «4+4» مستمدة من إجراء وطني واحد واضح، وإنما يجري بناؤها سياسيًا على مراحل متتابعة:

بدأ الأمر باختيار مجموعة محدودة من المشاركين، ثم استمرار اجتماعاتها تحت الرعاية الأممية، ثم وصف مناقشاتها بالمثمرة والبناءة، ثم التوقيع بالأحرف الأولى على المسودة، ثم صدور ترحيب دولي بها، وأخيرًا دعوة المؤسسات والأطراف إلى حضور مراسم التوقيع النهائي.

كل خطوة في هذه السلسلة تُستخدم لإسناد الخطوة التالية، إلى أن تتراكم الوقائع السياسية والإعلامية حول الاتفاق، فيصبح الاعتراض عليه أكثر صعوبة، ويُقدَّم رفضه لاحقًا باعتباره تعطيلًا لمسار دولي مكتمل، لا اعتراضًا مشروعًا على أصل التمثيل والاختصاص.

وهنا تكمن خطورة الأمر الواقع السياسي: فهو لا ينشأ بقرار واحد يمكن مواجهته، بل يتكوّن تدريجيًا؛ اجتماعًا بعد آخر، وبيانًا بعد آخر، وتوقيعًا بعد آخر، حتى تتحول المخرجات غير الملزمة إلى مرجعية سياسية يصعب تجاوزها.

وبهذه الطريقة لا تُطلب الشرعية من المؤسسات عند بداية المسار، وإنما يُصنع حول الاتفاق مناخ دولي وسياسي، ثم تُدعى المؤسسات إلى الالتحاق به بعد أن أصبحت كلفة رفضه مرتفعة.

في الظروف العادية، قد يكون حضور مراسم التوقيع تعبيرًا دبلوماسيًا أو بروتوكوليًا لا يرتب التزامًا قانونيًا مباشرًا. لكن في الحالة الراهنة، لا يمكن فصل الحضور عن النزاع القائم حول صفة المشاركين ومشروعية المسار.

فحين تعلن مؤسسة أنها لم تكن ممثلة في المفاوضات، ثم تظهر لاحقًا في مراسم توقيع نتائج تلك المفاوضات، يمكن توظيف حضورها سياسيًا وإعلاميًا بوصفه قبولًا ضمنيًا أو تراجعًا عن اعتراضها السابق، حتى لو لم توقع على الوثيقة.

والخطورة لا تتوقف عند أثر الحضور داخل ليبيا، بل تمتد إلى التقارير والإحاطات الدولية اللاحقة؛ إذ قد يُشار إلى أن الاتفاق وُقع «بحضور الأطراف الليبية»، بما يخلق انطباعًا بأن المؤسسات الأساسية كانت حاضرة وموافقة أو غير معترضة.

لذلك فإن دعوة المؤسسات إلى الحضور ليست تفصيلًا بروتوكوليًا منفصلًا، بل حلقة في بناء مشهد الشرعية. فالصورة الجماعية قد تؤدي في المجال السياسي وظيفة لا تقل عن وظيفة التوقيع، وقد تُستخدم لاحقًا لإثبات توافق لم يحدث بالطريقة المؤسسية الصحيحة.

وبالتالي ننتقل من أصحاب القرار إلى شهود على القرار

تكشف مراسم التوقيع المرتقبة عن تحول أعمق في مكانة المؤسسات الوطنية. فبدل أن تكون هذه المؤسسات صاحبة القرار، يُراد لها أن تصبح شاهدة على قرار صيغ خارجها.

وهذا يقلب ترتيب العملية السياسية. فالمؤسسات المختصة يفترض أن تحدد ممثليها، وتناقش الخيارات، وتقر المخرجات، ثم تطلب من البعثة دعم تنفيذ ما اتفقت عليه. أما في المسار الحالي، فتختار البعثة المشاركين، وتيسر وصولهم إلى اتفاق، وتحشد الترحيب الدولي به، ثم تدعو المؤسسات إلى الحضور أو الدعم.

وبذلك تنتقل المؤسسات من موقع الفاعل إلى موقع المتلقي؛ ومن صناعة القرار إلى التعامل مع نتائجه؛ ومن تحديد من يمثلها إلى مواجهة أشخاص نُسبوا إليها دون تكليف منها.

ولا يعني ذلك أن المؤسسات القائمة تحتكر الشرعية إلى الأبد أو أنها معفاة من المسؤولية عن الانسداد. لكنها، إلى أن تُستبدل وفق قاعدة دستورية أو انتخابية صحيحة، تظل صاحبة الاختصاص القانوني. ولا يجوز علاج قصورها بإنشاء مؤسسات سياسية بديلة من خلال الاختيار الأممي.

يبدو ان البعثة تعيد ترتيب أطراف الاتفاق السياسي

أقرّ الاتفاق السياسي الليبي بنية مؤسسية محددة، وجعل مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة والمجلس الرئاسي والسلطة التنفيذية جزءًا من ترتيب قانوني وسياسي معروف. كما قام في جوهره على التوافق بين المؤسسات المدنية والسياسية، وعلى معالجة الخلافات من خلال آلياته.

أما مسار «4+4» فيعيد تشكيل خريطة الأطراف على أساس مختلف؛ أساس يجمع بين الصفة المؤسسية والسلطة التنفيذية والنفوذ العسكري والاختيار الأممي، ثم يضع الجميع على طاولة واحدة كما لو كانت مراكزهم القانونية متساوية.

ولعل أخطر ما في ذلك، كما تناولتُ في مقالة سابقة عن تحول القوة العسكرية إلى مصدر للشرعية السياسية، أن الاعتراف بالقدرة الفعلية على الأرض يتحول تدريجيًا إلى اعتراف بحق تقرير مستقبل الدولة.

لكن التطور الراهن يضيف خطرًا آخر: أن البعثة لا تكتفي بإدخال أطراف جديدة، بل تعيد تحديد وزن الأطراف القائمة. فمن تمنحه مقعدًا في المجموعة المصغرة يصبح شريكًا في صناعة الاتفاق، ومن تُدعوه في النهاية إلى مراسم التوقيع يصبح مجرد حاضر أو مؤيد أو شاهد.

إنها إعادة توزيع للشرعية لا تستند إلى تعديل دستوري أو انتخاب شعبي أو اتفاق بين المؤسسات، وإنما إلى تصميم البعثة لطاولة التفاوض.

هل تغير البعثة الاتفاق السياسي من دون إعلان؟

لا تعلن البعثة أنها ألغت الاتفاق السياسي أو استبدلت أطرافه، لكنها قد تفعل ذلك عمليًا من خلال إنشاء مسار يختلف في أطرافه وآلياته ومرجعياته.

وهذه صورة من التغيير الوظيفي غير المعلن: يبقى الاتفاق السياسي قائمًا في الخطاب الرسمي، بينما تُنقل وظائفه تدريجيًا إلى لجان ومسارات لم ينص عليها. وتبقى المؤسسات موجودة، بينما تُتخذ القرارات الكبرى خارجها. وتظل البعثة تصف نفسها بالميسّر، بينما تصبح هي التي تحدد من يتفاوض وفي أي موضوع وإلى أي نتيجة.

ومع تكرار هذا النهج، قد يتحول الاتفاق السياسي من مرجعية حاكمة للعملية إلى مجرد وثيقة يُستشهد بها عند الحاجة، بينما تتحكم المسارات الأممية المتعاقبة في صناعة الواقع السياسي.

إن مخالفة الاتفاق السياسي لا تقع فقط عند إلغاء نص من نصوصه صراحة، بل قد تتحقق أيضًا عند تعطيل بنيته المؤسسية، أو تجاوز آلياته، أو نقل اختصاصات أطرافه إلى جهات موازية، أو إعادة تعريف من يملك صفة المشاركة في تقرير مستقبل الدولة.

هل ما يحدث وصاية مقنعة وتحولت إلى إجراء؟

سبق أن وصفنا توسع دور البعثة بأنه صورة من صور الوصاية الناعمة أو الفراغ السيادي المقنّع. أما اليوم، فلم تعد الوصاية مجرد وصف عام لتضخم الوجود الأممي، بل أصبحت قابلة للرصد في إجراء محدد: مؤسسة وطنية تنفي تمثيلها، ومع ذلك يستمر المسار ويُوقّع على مخرجاته، ثم تُدعى المؤسسة إلى حضور الإعلان النهائي.

فالوصاية لا تحتاج دائمًا إلى إلغاء مؤسسات الدولة أو تولي إدارتها مباشرة. قد تتحقق بصورة أكثر هدوءًا حين تظل المؤسسات موجودة، لكنها تفقد تدريجيًا قدرتها على تحديد مسارها السياسي، بينما تنتقل هذه القدرة إلى جهة دولية تختار المشاركين، وتصوغ المراحل، وتحشد الاعتراف بالنتائج.

إن أخطر صور الوصاية هي التي لا تقدم نفسها بهذا الاسم، بل تعمل تحت عناوين الدعم والتيسير والتوافق، في الوقت الذي تنقل فيه مركز صناعة القرار من المؤسسات الوطنية إلى طاولة تديرها البعثة.

ومع كل هذا لا يمكن إنكار ما تملكه البعثة من قدرة سياسية أو ما تحظى به من دعم دولي، كما لا يمكن التقليل من حاجة ليبيا إلى مساعدة حقيقية تنهي الانقسام وتقود إلى الانتخابات. لكن الفاعلية السياسية لا تساوي المشروعية القانونية، والغاية الصحيحة لا تصحح الوسيلة المعيبة.

فالاتفاق الذي يُنتج من خلال أشخاص غير مفوضين لا يصبح مؤسسيًا لمجرد دعوة المؤسسات إلى مراسم توقيعه. والترحيب الدولي لا يحل محل الاعتماد الوطني. والحضور لا ينشئ قبولًا قانونيًا ما لم يصدر عن الجهة المختصة وفق إجراءات واضحة. كما أن الحاجة إلى الانتخابات لا تمنح أي جهة، وطنية أو دولية، الحق في تجاوز قواعد الاختصاص والتمثيل.

وقد كان واضحًا في بيان المجلس الأعلى للدولة الصادر في 26 أغسطس 2026 أن المجلس لم يكن طرفًا في اجتماعات المجموعة أو مخرجاتها، وأن الترحيب الدولي لا ينشئ بذاته شرعية دستورية أو أثرًا قانونيًا، وأن دور البعثة يظل داعمًا وميسرًا لا بديلًا عن المؤسسات الوطنية أو مصدرًا للتشريع.

وبعد هذا الإعلان، تصبح البعثة على علم صريح بانعدام التفويض محل النزاع. ومن ثم، فإن المضي في التوقيع مع استمرار نسبة المشاركين إلى مؤسساتهم لا يمكن اعتباره مجرد سوء فهم؛ بل استمرارًا في مسار اعترضت عليه المؤسسة صاحبة الصفة.

ماذا بعد التوقيع؟

قد تنجح البعثة في تنظيم مراسم التوقيع، وقد تحضرها شخصيات ليبية ودولية، وقد يصدر بعدها بيان ترحيب واسع. لكن السؤال الذي سيبقى قائمًا هو: من يملك تنفيذ الاتفاق داخل الدولة؟

فإذا كانت القوانين الانتخابية تحتاج إلى إصدار أو تعديل من السلطة المختصة، وإذا كانت إعادة تشكيل المفوضية تخضع لإجراءات قانونية، وإذا كان تغيير السلطة التنفيذية يتطلب توافقًا مؤسسيًا، فإن التوقيع وحده لن ينقل الاتفاق من المجال السياسي إلى المجال القانوني.

وقد يؤدي تجاهل هذه الحقيقة إلى إنتاج وثيقة جديدة تضاف إلى قائمة الاتفاقات والمبادرات الليبية التي حظيت بالرعاية الدولية، لكنها اصطدمت عند التنفيذ بغياب السند القانوني أو التوافق المؤسسي.

فالاختبار الحقيقي ليس القدرة على جمع الموقّعين في قاعة واحدة، وإنما القدرة على تحويل ما يوقّعونه إلى قواعد قابلة للتنفيذ من دون هدم ما تبقى من شرعية المؤسسات.

ما حذرنا منه قبل أشهر قد وقع بالفعل. فقد تجاوزت مجموعة «4+4» حدود التشاور، وانتقلت إلى إنتاج اتفاق سياسي، وبدأت حوله عملية متدرجة لصناعة الشرعية: توقيع بالأحرف الأولى، وترحيب دولي، ثم دعوة المؤسسات إلى حضور التوقيع النهائي.

غير أن دعوة المؤسسات بعد اكتمال الاتفاق لا تجعلها شريكة في صناعته، ولا تصحح انعدام تفويض المشاركين، ولا تمنح المخرجات شرعيةً بأثر رجعي. بل تكشف أن المسار يحتاج إلى المؤسسات التي حاول تجاوزها، وأن الشرعية الوطنية لا يمكن تعويضها بصورة جماعية أو بيان دولي.

المشكلة لم تعد أن البعثة تصنع مسارًا موازيًا؛ فقد أصبح ذلك واقعًا. المشكلة اليوم أنها تحاول نقل هذا المسار من كونه واقعًا سياسيًا إلى مرجعية ملزمة، من خلال استدعاء المؤسسات في اللحظة الأخيرة لتشهد على نتائج إبعادها.

إن الأمم المتحدة تستطيع أن تساعد الليبيين على صناعة اتفاقهم، لكنها لا تستطيع أن تصنعه نيابةً عنهم، ثم تطلب منهم الحضور لإكمال صورته. فالشرعية لا تُستعار من الوسيط، ولا تُنتج في مراسم، ولا تعمل بأثر رجعي.

The post من أصحاب القرار إلى شهود عليه: هل تصنع البعثة شرعية بأثر رجعي لمسار «4+4»؟ appeared first on عين ليبيا | آخر أخبار ليبيا.