الكحول أو المشروبات الكحولية تحتوي على الإيثانول، وهو مادة نفسانية التأثير وسامة وقابلة للتسبب في الاعتماد، ولذلك لا تقتصر آثارها على حالة السكر المؤقتة أو الأعراض التي تظهر بعد تناول كميات كبيرة في وقت قصير، بل تمتد إلى أجهزة متعددة في الجسم مع الاستهلاك المتكرر، وتزداد المخاطر كلما ارتفعت كمية الكحول وتكرر تناولها وطالت فترة التعرض، فيما تربط منظمة الصحة العالمية استهلاك الكحول بأكثر من 200 مرض وإصابة وحالة صحية.
وتشير منظمة الصحة العالمية إلى أن استهلاك الكحول ارتبط بنحو 2.6 مليون وفاة حول العالم في عام 2019، منها 1.6 مليون وفاة بسبب أمراض غير سارية و700 ألف وفاة مرتبطة بالإصابات و300 ألف وفاة بسبب أمراض سارية، كما تشير تقديرات المنظمة إلى أن نحو 400 مليون شخص ممن تبلغ أعمارهم 15 عامًا فأكثر كانوا يعيشون مع اضطرابات مرتبطة بتعاطي الكحول، بينهم نحو 209 ملايين شخص يعانون الاعتماد على الكحول.
ولا تبدأ المخاطر عند مرحلة الاعتماد أو الشرب الشديد فقط، إذ تؤكد منظمة الصحة العالمية أن حتى المستويات المنخفضة من استهلاك الكحول تحمل مخاطر صحية، مع ارتفاع الخطر كلما زادت الكمية، بينما ترتبط نسبة كبيرة من الأضرار الأكثر خطورة بأنماط الشرب بنهم أو الشرب بكثافة وبصورة مستمرة.
ولفهم كمية الكحول المستهلكة، تستخدم المؤسسات الصحية مفهوم «المشروب القياسي»، مع اختلاف تعريفه من دولة إلى أخرى، ويعرّف المعهد الوطني الأمريكي لتعاطي الكحول وإدمانه المشروب القياسي في الولايات المتحدة بأنه 14 غرامًا من الكحول النقي، وهي كمية توجد تقريبًا في 355 مل من البيرة بتركيز 5% أو 148 مل من النبيذ بتركيز 12% أو 44 مل من المشروبات الروحية بتركيز 40%. ويستخدم المعهد مصطلح «الشرب بنهم» لوصف نمط يصل فيه تركيز الكحول في الدم إلى 0.08% أو أكثر، وهو ما يعادل عادة تناول 5 مشروبات أو أكثر للرجال أو 4 مشروبات أو أكثر للنساء خلال نحو ساعتين.
وعلى المدى القصير، يؤثر الكحول في وظائف الدماغ والتنسيق الحركي والحكم على الأمور، ويرفع احتمالات السقوط وحوادث المرور والغرق والحروق والإصابات والعنف، كما يمكن أن يؤدي الإفراط الشديد إلى التسمم الكحولي الذي يهدد التنفس وضربات القلب والوعي، وقد يصل إلى التشنجات والغيبوبة والوفاة في الحالات الشديدة.
وتزداد خطورة التسمم الكحولي عندما تصل كمية الكحول إلى مستويات تؤثر في المناطق الدماغية المسؤولة عن التنفس وتنظيم ضربات القلب ودرجة حرارة الجسم، وتشمل علامات الخطر صعوبة الاستيقاظ والارتباك الشديد والتقيؤ المتكرر والتشنجات وبطء التنفس أو عدم انتظامه وفقدان الوعي، وهي حالات تستدعي تدخلًا طبيًا عاجلًا.
أما على المدى الطويل، فيؤثر الكحول في الجهاز العصبي والدماغ، إذ يغير مسارات الاتصال العصبي ويمكن أن يؤثر في الذاكرة والمزاج والسلوك والتنسيق والقدرة على التفكير، كما يرتبط الاستهلاك الشديد بزيادة خطر السكتة الدماغية واعتلال الأعصاب الطرفية وبعض الاضطرابات المعرفية.
ويرتبط الاستهلاك المزمن كذلك باضطراب تعاطي الكحول، وهو حالة تستمر فيها أنماط الشرب رغم الأضرار الصحية أو النفسية أو المشكلات التي يسببها في الحياة اليومية، ويتدرج هذا الاضطراب من الخفيف إلى الشديد، فيما يرتبط الاعتماد بالتغيرات التي يسببها التعرض المتكرر للكحول في دوائر المكافأة والتحكم والرغبة في الشرب.
ولا يقتصر تأثير الكحول على الدماغ، إذ يرتبط أيضًا باضطرابات النوم، ويمكن أن يسبب الشعور بالنعاس في البداية لكنه يضعف استمرارية النوم وجودته لاحقًا، كما ترتبط اضطرابات النوم بصورة شائعة باضطراب تعاطي الكحول. وتزداد مخاطر القلق والاكتئاب وإيذاء النفس والانتحار والحوادث والعنف مع أنماط الشرب الضارة والتسمم الكحولي.
ويظهر أحد أكثر الأضرار وضوحًا في الكبد، إذ يبدأ مرض الكبد المرتبط بالكحول في كثير من الحالات بتراكم الدهون داخل الكبد، وهي مرحلة يمكن أن تتحسن مع الامتناع عن الشرب، لكن استمرار استهلاك كميات كبيرة من الكحول لدى بعض الأشخاص يرتبط بالتهاب الكبد وتليف أنسجته ثم تشمعه، وفي المراحل المتقدمة يمكن أن يصل الضرر إلى فشل الكبد وسرطان الكبد.
ويمتد تأثير الكحول إلى البنكرياس والجهاز الهضمي، إذ يرتبط الاستهلاك الشديد بالتهاب البنكرياس الحاد والمزمن، كما يمكن أن يضر بطانة الجهاز الهضمي ويزيد الالتهاب والنزيف ويرتبط بارتجاع المريء وتغيرات في ميكروبيوم الأمعاء وزيادة خطر سرطان القولون والمستقيم وسرطان المريء وسرطان الفم.
ويؤثر الكحول كذلك في جهاز المناعة، إذ يمكن للشرب الشديد أن يضعف دفاعات الجسم ضد العدوى، سواء عند تناول كمية كبيرة في جلسة واحدة أو مع الاستهلاك المزمن، وتشير الأبحاث إلى أن هذه التأثيرات يمكن أن تعيق التعافي من الإصابات وتزيد القابلية لبعض الالتهابات والأمراض.
أما القلب والأوعية الدموية، فقد انتشرت خلال عقود فكرة أن المستويات المنخفضة أو المعتدلة من الشرب، وخصوصًا النبيذ، توفر حماية للقلب، لكن جمعية القلب الأمريكية تقول إن الأدلة الحديثة لا تثبت علاقة سببية واضحة تسمح باعتبار الكحول وسيلة للوقاية القلبية، كما تشير إلى أن الشرب الشديد والشرب بنهم يرتبطان بصورة ثابتة بارتفاع ضغط الدم ومرض الشريان التاجي والسكتة واضطرابات نظم القلب واعتلال عضلة القلب وفشل القلب.
وتشير الجمعية الأمريكية للقلب إلى أن استهلاك مشروبين أو أكثر يوميًا يمكن أن يرفع ضغط الدم، بينما يؤدي خفض الاستهلاك الشديد إلى انخفاض ضغط الدم لدى كثير من الأشخاص، كما ارتبط الاستهلاك المرتفع بزيادة خطر الرجفان الأذيني واضطرابات القلب الأخرى.
ولهذا تؤكد جمعية القلب الأمريكية أن الأشخاص الذين لا يشربون الكحول لا ينبغي لهم البدء في تناوله بهدف الحصول على فائدة صحية للقلب، فيما توصي من يختارون الشرب بالحد منه وفق إرشاداتها، مع التأكيد على وجود فجوات بحثية ما زالت قائمة بشأن بعض آثار المستويات الخفيفة والمتوسطة على القلب.
ويبرز السرطان باعتباره أحد أكثر الأضرار الصحية ثبوتًا في علاقة الكحول بالمرض، فالوكالة الدولية لأبحاث السرطان تصنف الكحول مادة مسرطنة من المجموعة الأولى، وهي الفئة التي تضم العوامل المسببة للسرطان لدى البشر بناءً على أدلة كافية.
وتثبت الأدلة وجود علاقة سببية بين استهلاك الكحول وسبعة أنواع رئيسية من السرطان هي سرطان الفم والبلعوم والحنجرة والمريء والكبد والقولون والمستقيم وسرطان الثدي لدى النساء، فيما تشير الوكالة الدولية لأبحاث السرطان إلى وجود أدلة محدودة بشأن سرطانات أخرى مثل البنكرياس والرئة.
ولا يتعلق الخطر بنوع المشروب، لأن العامل الأساسي هو الإيثانول ومادة الأسيتالديهيد التي ينتجها الجسم أثناء استقلاب الإيثانول، وتربط الآليات المعروفة لتطور السرطان بالكحول بتلف الحمض النووي والإجهاد التأكسدي والتغيرات الهرمونية واضطرابات استقلاب الفولات وتغيرات ميكروبيوم الأمعاء.
وتؤكد منظمة الصحة العالمية أن خطر الإصابة بالسرطان يرتفع مع زيادة كمية الكحول، لكن حتى الكميات الصغيرة ترتبط بزيادة خطر بعض السرطانات، ولذلك لا توجد كمية يمكن اعتبارها خالية تمامًا من الخطر في ما يتعلق بالسرطان.
وتشير بيانات منظمة الصحة العالمية إلى أن 4.4% من حالات السرطان المشخصة عالميًا في عام 2019، ونحو 401 ألف وفاة بالسرطان في العام نفسه، كانت منسوبة إلى استهلاك الكحول.
وخلال الحمل، تصبح المخاطر أكثر حساسية، إذ تؤكد المؤسسات الطبية أنه لا توجد كمية أو فترة أو نوع من الكحول ثبت أنه آمن للجنين، ويرتبط التعرض للكحول قبل الولادة باضطرابات طيف الكحول الجنيني التي يمكن أن تؤثر في نمو الدماغ والتعلم والانتباه والسلوك والنمو الجسدي، إضافة إلى زيادة مخاطر الإجهاض والإملاص والولادة المبكرة.
ويزداد الخطر أيضًا لدى كبار السن، لأن تغيرات الجسم المرتبطة بالعمر يمكن أن تزيد تركيز الكحول في الدم وتضاعف تأثيره على التوازن والانتباه، كما ترتفع احتمالات السقوط والإصابات والتداخلات الدوائية وتفاقم بعض الأمراض المزمنة لدى هذه الفئة.
وتتداخل مخاطر الكحول مع عدد كبير من الأدوية، ويمكن أن يؤدي الجمع بينه وبين بعض العقاقير إلى زيادة النعاس أو النزيف أو تلف الكبد أو خفض التنفس، لذلك يحتاج الأشخاص الذين يتناولون أدوية بصورة منتظمة إلى مراجعة الطبيب أو الصيدلي قبل شرب الكحول.
ولا تقتصر الأضرار على الشخص الذي يشرب، إذ تربط منظمة الصحة العالمية الكحول بحوادث المرور والسقوط والغرق والعنف الجنسي والعنف بين الشركاء والانتحار، كما يمكن أن تنتقل آثاره إلى الأسرة والعمل والوضع المالي والحياة الاجتماعية، وهو ما يجعل الكحول قضية صحية واجتماعية في الوقت نفسه.
ويُعد اضطراب تعاطي الكحول من أكثر المشكلات التي تحتاج إلى تدخل طبي ونفسي، ولا يقتصر علاجه على الإرادة الشخصية، إذ تشمل الخيارات العلاجية العلاج السلوكي والدعم النفسي وبعض الأدوية المخصصة للمساعدة على تقليل الاستهلاك أو منع الانتكاس، ويحدد الطبيب المسار المناسب وفق شدة الاضطراب والحالة الصحية والأدوية المستخدمة.
أما التوقف عن الكحول بعد فترة طويلة من الشرب الشديد، فيحتاج إلى الحذر، لأن الانسحاب لدى الأشخاص الذين لديهم اعتماد جسدي يمكن أن يسبب القلق والارتجاف والتعرق والغثيان وتسارع القلب واضطرابات النوم، وفي الحالات الشديدة يمكن أن تظهر التشنجات والهلوسة والهذيان الارتعاشي، ولذلك يحتاج بعض الأشخاص إلى إشراف طبي أثناء التوقف لتجنب المضاعفات الخطرة.
وتبرز هنا نقطة أساسية في التعامل مع فكرة «الشرب المعتدل»، فبعض الدراسات الرصدية القديمة أشارت إلى فوائد محتملة للمستويات المنخفضة أو المتوسطة من الاستهلاك، لكن هذا النوع من الدراسات يتأثر بعوامل أخرى مثل النظام الغذائي والنشاط البدني والوضع الاجتماعي والصحي، فيما لا تثبت الأدلة الحديثة أن البدء في شرب الكحول يحسن الصحة أو يحمي القلب.
وتقول منظمة الصحة العالمية إن العلاقة بين كمية الكحول والمخاطر الصحية مباشرة في عدد كبير من الحالات، فكلما زادت كمية الكحول ارتفع احتمال المرض أو الإصابة أو الوفاة، ولذلك فإن تقليل الاستهلاك يخفض المخاطر مقارنة بمواصلة الشرب بكميات كبيرة، بينما يبقى عدم الشرب الخيار الأقل تعرضًا للمخاطر الصحية.
وتخلص الأدلة العلمية إلى أن الكحول ليس مادة يحتاجها الجسم، وأن الأضرار المحتملة لا تبدأ عند الإدمان فقط، بل تشمل السرطان وأمراض الكبد والقلب والدماغ والبنكرياس والجهاز الهضمي والمناعة والصحة النفسية والإصابات والحوادث، وتزداد هذه المخاطر مع الكمية والتكرار وطول فترة الاستهلاك، بينما يكون الامتناع أكثر أهمية خلال الحمل، وعند الإصابة بأمراض الكبد، وعند وجود أدوية تتفاعل مع الكحول، أو تاريخ مع اضطراب تعاطي الكحول.
The post من أول كأس إلى الإدمان.. كيف يتطور ضرر «الكحول» داخل الجسم؟ appeared first on عين ليبيا | آخر أخبار ليبيا.

