Site icon bnlibya

من الوفرة إلى الطوابير.. لماذا اختفت «المياه المعدنية» من أسواق تونس؟

تشهد الأسواق التونسية خلال صائفة 2026 أزمة غير مسبوقة في توفر المياه المعدنية والمياه المعلبة، تجلت في اختفاء عدد من العلامات التجارية عن رفوف المحال التجارية، وتشكل طوابير وحالات تدافع بين المواطنين للحصول على القوارير، وسط موجة حر قياسية بلغت 50 درجة مئوية في بعض المناطق.

ووفق ما نقلته وسائل إعلام محلية، تحولت أزمة نقص المياه المعبأة من مجرد صعوبة معيشية إلى مادة للسخرية على منصات التواصل الاجتماعي، إذ انتشرت مقاطع فيديو على تيك توك وفيسبوك يتعامل فيها تونسيون مع قوارير المياه كأنها سلعة نادرة وثمينة، فيما تحول العثور على حزمة مياه إلى مناسبة للتباهي والتندر بين مستخدمي هذه المنصات.

وبحسب صحيفة لابريس التونسية، فإن القلق يتصاعد لدى المستهلكين بين اضطرابات مياه الشبكة العامة وصعوبة العثور على المياه المعبأة في المتاجر، في وقت تمر فيه البلاد بفترة ضغط كبير على الإمدادات.

وأوضحت الغرفة النقابية الوطنية لصانعي المشروبات غير الكحولية أن الارتفاع الكبير في درجات الحرارة أدى إلى قفزة بنحو 30 بالمئة في الطلب على المياه المعبأة مقارنة بالمعدلات الصيفية المعتادة، مبينة أن هذه الزيادة تزامنت مع انقطاعات في الكهرباء أثرت على بعض وحدات الإنتاج والتعبئة.

ونقلت لابريس عن مدير المنافسة والأبحاث الاقتصادية بوزارة التجارة التونسية سمير الخلفاوي، قوله إن السوق كان يتمتع بكميات واحتياطيات مريحة خلال شهر يونيو، قبل أن تتغير الصورة سريعًا في يوليو بفعل موجة الحر واضطراب عمليات التعبئة، ووصف الخلفاوي الأزمة بأنها ظرفية، متوقعًا أن يسهم تراجع درجات الحرارة في عودة الإنتاج والإمدادات تدريجيًا إلى وضعهما الطبيعي.

وفي أريانة، أدى وصول شحنة من المياه المعبأة إلى إحدى نقاط البيع، في 19 أغسطس، إلى تشكل طابور طويل من السكان والمارة الراغبين في شراء القوارير، في مشهد يعكس حجم الضغط على المعروض خلال ذروة الصيف. ومع تفاقم النقص، ظهرت مشكلة إضافية تمثلت في المضاربة، إذ كثفت وزارة التجارة عمليات الرقابة، وأعلنت مصادرة أكثر من 147 ألف لتر من المياه المعبأة بعد تسجيل مخالفات مرتبطة بشفافية المعاملات واحترام الأسعار.

وعلى المستوى الرسمي، دخل الرئيس التونسي قيس سعيد على خط الأزمة، وتفقد منشآت مائية ومواقع إنتاج، معتبرًا أن تكرار انقطاعات المياه والكهرباء أمر غير طبيعي، ومثير لشبهات بشأن وجود أفعال متعمدة تقف خلف بعض الاضطرابات.

واعتبر الرئيس التونسي أن هناك أطرافًا غير مسماة تسعى لتأجيج الأوضاع الداخلية عبر احتكار المياه وافتعال أزمات قطع الإمدادات، مؤكدًا أن الهدف من ذلك تضييع حقوق الشعب وحرمانه من أبسط مقومات الحياة الكريمة.

وفي المقابل، عكست تفاعلات صحفيين تونسيين على منصات التواصل مرارة الواقع، إذ كشف الصحفي فطين حفصية عن اضطراره لشراء مياه معدنية مهربة من ليبيا تحمل اسم دجلة لإرواء عطشه، معلقًا بمرارة على انقلاب المشهد بعدما كان الماء المعدني التونسي يُهرب سابقًا نحو ليبيا.

من جهته، انتقد الصحفي حسام الهمادي بشدة انقطاع الخدمات الأساسية في منتصف الليل وسط رطوبة عالية وحرارة تتجاوز 30 درجة مئوية، معتبرًا أن دولًا تعيش الحروب لا تشهد ما تشهده تونس هذه الصائفة من أزمات متفاقمة يوميًا.

كما سلطت الصحفية وجدان بوعبد الله الضوء على التناقض بين انقطاع الكهرباء والمياه المعدنية في مدينتها وبين أخبار محلية تتحدث عن تقدم تونس في مؤشر الازدهار.

ونفت الغرفة النقابية الوطنية لمنتجي المشروبات غير الكحولية بشكل قاطع وجود أي مسعى من منتجي المياه المعدنية لحجب المنتوج عن الأسواق أو افتعال الأزمة، مؤكدة أن 31 وحدة إنتاج تعمل حاليًا بأقصى طاقاتها الممكنة في مختلف أنحاء البلاد لتزويد الأسواق بشكل مباشر ويومي.

وبحسب معطيات نقلتها وسائل إعلام محلية عن رئيس المنظمة التونسية لإرشاد المستهلك لطفي الرياحي، يضم قطاع المياه المعدنية المعلبة في تونس 31 وحدة تعليب موزعة على 13 ولاية، بطاقة إنتاجية معلنة تبلغ نحو 520 ألف قارورة في الساعة، فيما يقدر حجم الإنتاج السنوي للقطاع بنحو 2.7 مليار لتر مقابل نحو 2.6 مليار لتر في سنة 2024.

وأشار الرياحي إلى أن استهلاك المياه المعلبة خلال شهر يوليو من العام الماضي بلغ نحو 300 مليون لتر، بمعدل يقارب 10 ملايين لتر يوميًا، موضحًا أن فترات ارتفاع الحرارة يمكن أن ترفع الاستهلاك بنحو 30 بالمئة مقارنة بالمستويات الصيفية المعتادة.

من جانبه، أكد عضو الغرفة الوطنية لتجار المواد الغذائية بالجملة علي الفوراتي أن استهلاك المياه المعلبة يرتفع خلال الصيف بين أربع وست مرات مقارنة ببقية فترات السنة، وهو ما يجعل السوق بحاجة إلى استعداد مسبق على مستوى الإنتاج والتخزين والنقل والتوزيع معًا، داعيًا إلى ضمان تزويد تجار الجملة بحصصهم دون الاقتصار على تزويد تجار التفصيل مباشرة.

وقدم الخبير في المياه حسين الرحيلي قراءة مختلفة لحجم القطاع، متحدثًا عن إنتاج يقارب 1.2 مليار قارورة من المياه المعلبة، أي ما يعادل نحو 5 ملايين متر مكعب من المياه، وهو ما يمثل بحسب تقديره نحو 0.05 بالمئة فقط من إجمالي كمية المياه المستهلكة في تونس. ورفض الرحيلي تفسير الأزمة على أنها نتيجة استنزاف استثنائي للمورد المائي من قبل قطاع المياه المعلبة، معتبرًا أن جوهر المشكلة يكمن في كيفية إدارة الإنتاج والتخزين والتوزيع، خصوصًا في ظل غياب منظومة فعالة للتخزين الاستراتيجي.

وتتجاوز جذور الأزمة، بحسب ما نقلته وسائل إعلام محلية عن مختصين، الظروف المناخية الآنية، إذ أوضحت المختصة في السياسات الاقتصادية خلود التومي أن امتلاء السدود لا يعني بالضرورة وصول المياه إلى المواطنين في ظل تهالك البنية التحتية وتهميش الاستثمار العمومي طيلة السنوات الماضية، بينما أشار المحلل السياسي صهيب المزريقي إلى أن شبكة الشركة الوطنية لاستغلال وتوزيع المياه لم تحدَّث منذ عام 1968، وأن قطاع الكهرباء يعاني عجزًا يصل إلى 2000 ميغاواط بسبب التأخر في التحول نحو الطاقات البديلة.

وفي ظل تصاعد الغضب الشعبي، وصف عضو تحرك نفس ربيع قاسم الأوضاع المعيشية الراهنة بأنها تُظهر مقومات دولة منكوبة، فيما وصف الاتحاد الجهوي للشغل في صفاقس خطاب المؤامرة بأنه محاولة للتهرب من المسؤولية وتغطية الفشل الإداري.

وطرحت وسائل إعلام محلية عددًا من الحلول المقترحة لتجاوز الأزمة، من بينها فتح باب التفاوض مع صندوق النقد الدولي لتوفير تمويلات تضمن صيانة القطاعات الحيوية، إلى جانب دعوات لوضع خريطة طريق طويلة ومتوسطة المدى تعالج الخلل الهيكلي في إدارة الإنتاج والتخزين والتوزيع، وتستمع لتوصيات الخبراء في قطاعي المياه والطاقة.

The post من الوفرة إلى الطوابير.. لماذا اختفت «المياه المعدنية» من أسواق تونس؟ appeared first on عين ليبيا | آخر أخبار ليبيا.

Exit mobile version