من نزلات البرد إلى نقص الحديد.. فوائد «المكملات» وأخطاء استخدامها

0
4

لطالما ارتبط فيتامين سي بنزلات البرد في النصائح الصحية المتداولة، حتى أصبح تناول جرعات مرتفعة منه عند ظهور أعراض الزكام ممارسة شائعة لدى كثيرين. لكن الأدلة العلمية لا تدعم الفكرة القائلة إن الفيتامين يوفر حماية مؤكدة من نزلات البرد لدى الجميع، بل تشير إلى تأثير أكثر محدودية يرتبط بمدة المرض وشدة أعراضه.

وتوصلت مراجعة منهجية منشورة في قاعدة كوكرين إلى هذه النتيجة بعد تحليل 29 مقارنة تجريبية شملت 11,306 مشاركين، إذ لم يجد الباحثون انخفاضًا واضحًا في معدل الإصابة بنزلات البرد لدى عامة السكان الذين تناولوا فيتامين سي بانتظام. في المقابل، أظهرت المراجعة نفسها أن الاستخدام المنتظم للفيتامين يرتبط بتقصير مدة نزلة البرد بصورة متواضعة، بنحو 8% لدى البالغين و14% لدى الأطفال.

وتساعد هذه النتائج على تفسير سبب استمرار الجدل حول فيتامين سي؛ فهو لا يعمل كوسيلة تمنع العدوى بصورة مباشرة لدى معظم الناس، لكن تناوله بانتظام يمكن أن يجعل فترة المرض أقصر قليلًا. وتؤكد المعاهد الوطنية للصحة في الولايات المتحدة أن تناول فيتامين سي بصورة وقائية لا يقلل خطر الإصابة بالزكام لدى عامة السكان، بينما يمكن أن يؤدي الاستخدام المنتظم إلى تقليل مدة الأعراض وشدتها بدرجة محدودة.

ولا تبدو الفائدة متساوية لدى جميع الفئات. فقد وجدت مراجعة كوكرين أن الأشخاص الذين يتعرضون لفترات من الإجهاد البدني الشديد، مثل عدائي الماراثون والمتزلجين وبعض الجنود العاملين في ظروف قاسية، شكلوا استثناءً لافتًا، إذ أظهرت خمس تجارب شملت 598 شخصًا انخفاضًا في خطر الإصابة بنزلات البرد لدى هذه الفئة مع الاستخدام المنتظم لفيتامين سي.

ومن هنا تظهر أهمية التمييز بين تناول الفيتامين بصورة منتظمة وبين اللجوء إليه بعد ظهور الأعراض. فبحسب مراجعة كوكرين، لم تظهر التجارب التي اختبرت استخدام جرعات مرتفعة من فيتامين سي بعد بداية أعراض الزكام تأثيرًا ثابتًا على مدة المرض أو شدته. وتصل المعاهد الوطنية للصحة إلى النتيجة نفسها تقريبًا، مشيرة إلى أن البدء بالمكمل بعد ظهور أعراض البرد لا يوفر فائدة ثابتة.

وهذا لا يعني أن الحصول على فيتامين سي غير مهم؛ فالفيتامين يؤدي أدوارًا أساسية في الجسم، بينها دعم وظائف المناعة والعمل كمضاد للأكسدة. لكن وجود حاجة بيولوجية إلى عنصر غذائي لا يعني أن تناول جرعات أكبر منه سيؤدي تلقائيًا إلى حماية أكبر من المرض، وهي نقطة أساسية عند التعامل مع المكملات الغذائية.

وتشير المعاهد الوطنية للصحة إلى أن بعض الأشخاص الذين يكون مستوى فيتامين سي لديهم منخفضًا أصلًا يمكن أن يحصلوا على فائدة أكبر من المكملات مقارنة بالأشخاص الذين يحصلون على كفايتهم من الغذاء. كما تشير إلى أن الخضروات والفواكه تمثل مصادر مهمة للفيتامين، ما يجعل النظام الغذائي المتنوع أساسًا للحصول على الاحتياجات اليومية.

وفي المقابل، فإن رفع الجرعة بصورة عشوائية لا يعني رفع الفائدة. فالجرعات المرتفعة من فيتامين سي يمكن أن تسبب الإسهال والغثيان وتقلصات المعدة، ولهذا تحدد المعاهد الوطنية للصحة حدًا أعلى للبالغين يبلغ 2,000 مليغرام يوميًا من جميع المصادر.

وإذا كان فيتامين سي يرتبط في النقاش الشعبي بالوقاية من نزلات البرد، فإن الحديد يرتبط بمشكلة مختلفة؛ فهنا لا يتعلق الأمر عادةً بإضافة عنصر غذائي بهدف تحسين الصحة العامة فحسب، بل بتعويض نقص يمكن أن يؤدي إلى اضطرابات صحية، وعلى رأسها فقر الدم الناجم عن نقص الحديد.

والحديد عنصر أساسي لتكوين الهيموغلوبين، وبالتالي فإن انخفاض مخزونه يمكن أن يؤثر في قدرة الجسم على نقل الأكسجين. لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول الاعتقاد بوجود نقص إلى سبب لتناول المكملات من دون فحوص، خصوصًا لدى الأشخاص الذين يعانون التعب أو الإرهاق ويعتبرون هذه الأعراض دليلًا كافيًا على نقص الحديد.

وتؤكد منظمة الصحة العالمية أن تحديد حالة الحديد يحتاج إلى مؤشرات مخبرية مناسبة، وتعد الفيريتين مؤشرًا جيدًا لمخزون الحديد لدى الأشخاص الأصحاء ظاهريًا. كما تحذر المنظمة من أن تفسير الفيريتين يحتاج إلى مراعاة وجود الالتهاب أو العدوى، لأن مستويات الفيريتين يمكن أن ترتفع في هذه الحالات وتؤثر في تقييم مخزون الحديد.

ومن هنا، فإن تناول الحديد لمجرد الشعور بالتعب يمثل أحد الأخطاء التي ينبغي تجنبها؛ لأن التعب ليس عرضًا خاصًا بنقص الحديد، كما أن معالجة الحديد لا تعالج الأسباب الأخرى التي يمكن أن تقف وراء الإرهاق. والأهم من تعويض النقص نفسه هو معرفة السبب الذي أدى إليه، خصوصًا عندما يكون النقص مرتبطًا بفقدان الدم أو ضعف الامتصاص أو زيادة الاحتياجات.

ويزداد الأمر أهمية لأن الحديد ليس مكملًا يمكن رفع جرعته بلا حدود. فالجرعات المرتفعة يمكن أن تسبب آثارًا جانبية، كما أن سوء تحمل المكملات، بما في ذلك اضطرابات الجهاز الهضمي، يمكن أن يجعل الشخص يتوقف عن العلاج أو يستخدمه بصورة غير منتظمة.

ولا تتوقف المشكلة عند الجرعة، إذ يمكن لبعض الأدوية والمكملات أن تتداخل مع امتصاص الحديد أو مع امتصاص أدوية أخرى. وتوضح المعاهد الوطنية للصحة أن الحديد يمكن أن يقلل امتصاص ليفودوبا، كما يمكن أن يقلل فعالية ليفوثيروكسين عند تناولهما معًا، بينما يمكن لبعض أدوية خفض حموضة المعدة أن تقلل امتصاص الحديد غير الهيمي. كذلك يمكن للكالسيوم أن يتداخل مع امتصاص الحديد، ولذلك قد يكون الفصل بين توقيت تناولهما مفيدًا.

وهنا تظهر أهمية عدم التعامل مع المكملات بصورة منفصلة عن بقية الأدوية والنظام الغذائي. فالشخص الذي يستخدم أدوية بصورة منتظمة يحتاج إلى معرفة التداخلات المحتملة قبل البدء بالحديد، بدل افتراض أن المكمل آمن لمجرد أنه متاح من دون وصفة في بعض الأماكن.

ويرتبط ذلك أيضًا بفكرة شائعة أخرى، وهي ضرورة تناول فيتامين سي مع الحديد لزيادة الامتصاص. صحيح أن فيتامين سي يمكن أن يساعد في امتصاص الحديد غير الهيمي، لكن هذا لا يعني أن كل شخص يتناول الحديد يحتاج إلى جرعات كبيرة إضافية من فيتامين سي، ولا أن زيادة الجرعة ستؤدي بالضرورة إلى فائدة أكبر.

وبالمثل، فإن تحسن الأعراض بعد بدء مكمل الحديد لا يعني بالضرورة انتهاء المشكلة. فاستعادة مخزون الحديد تحتاج إلى متابعة مناسبة، وقد يتطلب الأمر إعادة الفحوص للتأكد من الاستجابة للعلاج، خصوصًا إذا كان النقص شديدًا أو ترافق مع فقر دم.

وتشير منظمة الصحة العالمية إلى أن الفيريتين يمكن استخدامه لمتابعة مخزون الحديد وتأثير التدخلات العلاجية، لكنها تؤكد في الوقت نفسه ضرورة تفسير النتائج في السياق السريري المناسب، خصوصًا عند وجود التهاب أو عدوى.

وتقود هذه الأدلة إلى نتيجة مشتركة في التعامل مع كلا المكملين: الجرعة الأكبر ليست مرادفًا للفائدة الأكبر، والمكمل الغذائي لا ينبغي أن يحل محل التشخيص أو النظام الغذائي المتوازن.

ففي حالة فيتامين سي، لا تشير الأدلة إلى أنه يمنع نزلات البرد لدى عامة السكان، لكنها تظهر فائدة محدودة في تقصير مدة المرض وتخفيف شدته لدى من يتناولونه بانتظام، مع احتمال استفادة أكبر لدى بعض الفئات التي تتعرض لإجهاد بدني شديد أو تعاني انخفاضًا في مستواه.

أما الحديد، فتكون فائدته أكثر وضوحًا عندما يكون هناك نقص حقيقي يحتاج إلى العلاج، لكن استخدامه ينبغي أن يستند إلى تقييم مناسب، ومعرفة سبب النقص، وتحديد الجرعة وطريقة الاستخدام، ومراعاة التداخلات الدوائية والغذائية. وتضع توصيات منظمة الصحة العالمية قياس الفيريتين ضمن الأدوات الأساسية لتقييم مخزون الحديد، مع مراعاة تأثير الالتهاب في النتائج.

لذلك، فإن التعامل الصحيح مع المكملات لا يبدأ من السؤال «ما الجرعة الأكبر؟»، وإنما من سؤال أكثر أهمية: «هل أحتاج أصلًا إلى هذا المكمل؟». وتجيب الدراسات عن هذا السؤال بصورة مختلفة بحسب العنصر والحالة؛ فالشخص السليم الذي يحصل على احتياجاته الغذائية من فيتامين سي لا يملك سببًا علميًا قويًا للاعتقاد بأن الجرعات المرتفعة ستمنع عنه نزلات البرد، بينما الشخص الذي يعاني نقص الحديد يحتاج إلى معرفة سبب النقص وعلاجه بطريقة مدروسة بدل تناول الحديد بصورة عشوائية.

وبذلك، لا تكمن المشكلة في استخدام المكملات بحد ذاته، وإنما في تحويلها إلى بديل عن التشخيص والغذاء المتوازن والمتابعة الطبية. وتشير الأدلة المتاحة إلى أن الفائدة تكون أكبر عندما يُستخدم المكمل في الحالة المناسبة، وبالجرعة المناسبة، وللسبب الصحيح.

The post من نزلات البرد إلى نقص الحديد.. فوائد «المكملات» وأخطاء استخدامها appeared first on عين ليبيا | آخر أخبار ليبيا.