تواجه أوروبا واحدة من أعنف موجات الحر والكوارث المناخية خلال السنوات الأخيرة، بعدما تسببت درجات الحرارة المرتفعة في تسجيل آلاف الوفيات، واندلاع حرائق غابات واسعة في عدد من الدول، خاصة فرنسا وإسبانيا والبرتغال، وسط تحذيرات من استمرار الظروف المناخية الصعبة خلال الأيام المقبلة.
وسجلت بلجيكا أعلى معدل للوفيات الزائدة بين دول الاتحاد الأوروبي خلال موجة الحر التي اجتاحت القارة أواخر يونيو/حزيران الماضي، حيث أظهرت بيانات حديثة صادرة عن “الشبكة الأوروبية لرصد الوفيات” (EuroMOMO) ارتفاع معدل الوفيات في البلاد بنسبة 48 بالمئة مقارنة بالمعدلات الطبيعية.
وأفادت بيانات معهد الصحة العامة البلجيكي بتسجيل 1747 وفاة إضافية بنهاية يونيو، فيما أشارت تقارير أخرى إلى أن عدد الوفيات المرتبطة بموجة الحر تجاوز ألفي حالة، ما جعل بلجيكا الدولة الأكثر تضررا بين الدول الأوروبية التي شملتها المراقبة.
وبالمقارنة، ارتفعت الوفيات خلال الفترة نفسها بنسبة 23 بالمئة في فرنسا و13 بالمئة في هولندا، رغم تعرض الدول الثلاث لدرجات حرارة متقاربة. ويرى خبراء أن تأثير موجة الحر كان أكبر في بلجيكا بسبب الكثافة العمرانية المرتفعة، وقلة المساحات الخضراء في المدن، إضافة إلى تأثر المناطق الأكثر فقرا بشكل أكبر.
وأوضح متخصصون أن ظاهرة “القبة الحرارية” كانت من أبرز أسباب موجة الحر، إذ تؤدي أنظمة الضغط المرتفع إلى احتجاز الهواء الساخن فوق القارة ومنع تشتته، ما يرفع درجات الحرارة إلى مستويات قياسية. كما أكد الخبراء أن انبعاثات الغازات الدفيئة والتغير المناخي يسهمان في زيادة شدة هذه الظواهر وتكرارها.
وفي فرنسا، تواصل فرق الإطفاء مواجهة حرائق ضخمة في منطقة جيروند جنوب غرب البلاد، قرب مدينة بوردو، حيث تجددت بؤر النيران رغم الجهود المكثفة للسيطرة عليها.
وزار الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مركز إدارة الأزمات في بوردو، ودعا إلى “الحفاظ على الوحدة” لمواجهة ما وصفها بالمعركة الطويلة الأمد، مؤكدا أن الأسابيع المقبلة ستكون صعبة، وداعيا إلى إعادة بناء الغابات بطريقة تتكيف مع تداعيات تغير المناخ.
وقال مسؤولون في فرق الإطفاء إن نحو 500 هكتار احترقت خلال 24 ساعة فقط في جيروند، فيما تمكنت الفرق من احتواء بعض البؤر الجديدة دون إنهاء الخطر بشكل كامل. وشاركت في عمليات الإخماد طائرات ومروحيات متخصصة، بينها مروحيات “بلاك هوك” وقاذفات مياه، إضافة إلى طائرة عسكرية من طراز “A400M” لإسقاط مواد مثبطة للحرائق.
وأكدت وزارة الداخلية الفرنسية أن مساحة الأراضي التي التهمتها الحرائق منذ بداية العام تجاوزت 116 ألف هكتار، وهو رقم قياسي جديد، فيما أجبرت الحرائق في منطقة حوض أركاشون بإقليم جيروند نحو 220 ألف شخص على الإجلاء، في واحدة من أكبر عمليات الإخلاء في تاريخ البلاد.
وتشارك في مكافحة الحرائق الفرنسية أعداد كبيرة من القوات، بينهم 2750 إطفائيا و1500 عسكري و1440 عنصرا من قوات الأمن، إضافة إلى 18 وسيلة جوية. كما ارتفع عدد رجال الإطفاء المصابين إلى 88 شخصا، بينما دمرت النيران نحو 240 منزلا، دون تسجيل وفيات بين السكان.
وحذرت هيئة الأرصاد الجوية الفرنسية من موجة حر جديدة تبدأ الثلاثاء، قد تصل فيها درجات الحرارة إلى 40 درجة مئوية، مع رياح أقل قوة لكنها أكثر جفافا، ما يزيد مخاطر اندلاع حرائق جديدة.
وفي إسبانيا، تواجه السلطات حرائق واسعة وصفت بأنها من الأسوأ منذ عقود، خصوصا في مناطق أفيلا ومدريد وطليطلة وكاستيون، حيث التهمت النيران عشرات الآلاف من الهكتارات وأجبرت السلطات على إجلاء عشرات الآلاف من السكان.
وقال رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز إن ما يحدث ليس سلسلة أحداث عابرة، بل نتيجة مباشرة لحالة طوارئ مناخية تزيد من خطورة ما يعرف بـ”حرائق الجيل السادس”، وهي حرائق شديدة التعقيد قادرة على تغيير ظروف الطقس المحلية والانتشار بسرعة كبيرة.
وأعلنت وزيرة التحول البيئي الإسبانية أن أكثر من 170 ألف هكتار تضررت من الحرائق منذ بداية العام، أي نحو ستة أضعاف المساحة المتضررة خلال عام 2025. كما حذرت هيئة الأرصاد من موجة حر جديدة قد ترفع درجات الحرارة إلى أكثر من 40 درجة في مناطق واسعة.
وفي البرتغال، بدأت البلاد تتحول إلى بؤرة جديدة للحرائق في غرب أوروبا، مع اندلاع حرائق في مناطق شمال ووسط البلاد، ما استدعى مشاركة أكثر من ألف عنصر إطفاء مدعومين بنحو 20 طائرة ومروحية.
وسجلت أكبر الحرائق في مقاطعة فيزيو وسط البرتغال، حيث التهمت نحو 13 ألف هكتار من الغطاء النباتي، ما دفع لشبونة إلى طلب المساعدة من آلية الحماية المدنية الأوروبية.
ومع تصاعد الأزمة، أعلنت المفوضية الأوروبية أن دول الاتحاد تواجه صعوبات متزايدة في السيطرة على حرائق الغابات، مشيرة إلى أن سرعة انتشار النيران أصبحت في بعض المناطق تفوق قدرة فرق الإطفاء على احتوائها بعشرات المرات.
وأوضح مسؤول أوروبي أن بعض الحرائق تنتشر بسرعة تصل إلى 20 ضعفا مقارنة بسرعة تدخل فرق الإطفاء، مستشهدا بحريق في جنوب إسبانيا امتدت فيه النيران بسرعة ستة كيلومترات في الساعة، بينما لا تستطيع الفرق التعامل إلا مع نحو 300 متر في الساعة.
ودعت المفوضية الأوروبية إلى تطوير خطط جديدة لإدارة الغابات والأراضي الزراعية، تشمل إزالة النباتات الجافة والأخشاب التي تساعد على انتشار النيران وتقليل مخاطر الكوارث مستقبلا.
وفي إطار التضامن الأوروبي، أرسلت عدة دول مساعدات إلى فرنسا وإسبانيا، بينها طائرات ومروحيات لمكافحة الحرائق، حيث وصلت إلى فرنسا وسائل جوية من جمهورية التشيك وكرواتيا والبرتغال وسلوفاكيا والسويد، إضافة إلى مساعدات من ألمانيا وتركيا، فيما تلقت إسبانيا دعما من اليونان وإيطاليا وتركيا.
وتؤكد السلطات الأوروبية أن استمرار موجات الحر والجفاف المرتبط بتغير المناخ يزيد من خطورة حرائق الغابات، ويجعل السيطرة عليها أكثر صعوبة، وسط توقعات باستمرار الظروف الجوية القاسية خلال الفترة المقبلة.
The post موجة الحر والحرائق تضرب أوروبا بقوّة.. آلاف الوفيات وحرائق قياسية في فرنسا وإسبانيا appeared first on عين ليبيا | آخر أخبار ليبيا.
