أثار إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وقف المساعدات المالية والأمنية لإسرائيل بنهاية عام 2026 تساؤلات بشأن مستقبل أحد أقدم برامج الدعم الخارجي الأمريكي، بعدما تجاوزت قيمة المساعدات الأمريكية المقدمة لإسرائيل منذ تأسيسها عام 1948 نحو 300 مليار دولار وفق تقديرات معدلة حسب التضخم، فيما فوجئت المؤسستان الأمنية والمالية في تل أبيب بالإعلان الذي يسبق موعد انتهاء مذكرة التفاهم الحالية بين البلدين بعامين.
وقال ترامب، الثلاثاء 3 نوفمبر، خلال مقابلة مع شبكة «فوكس نيوز» الأمريكية، إن واشنطن ستوقف تقديم المساعدات المالية لإسرائيل بحلول نهاية العام الجاري، مشيراً إلى أن الاتفاق على ذلك جرى مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو قبل أشهر، وقدّر قيمة التمويل بنحو 4 مليارات دولار سنوياً، وأضاف أن إسرائيل لم تعد بحاجة إلى هذه المساعدات، مع تأكيده استمرار الدعم الأمريكي إذا اقتضت الضرورة.
ونقلت هيئة البث الإسرائيلية عن مسؤول رفيع في المؤسسة الأمنية قوله إن الإعلان لم يكن متوقعاً، وإن الحوار مع الجانب الأمريكي لا يزال مستمراً، مضيفاً أن الجهات الإسرائيلية فوجئت بالتصريح وستدرس تداعياته، خصوصاً أن القرار لم يصل بعد إلى الجهات المهنية المختصة.
وأشارت هيئة البث إلى أن وزارة الدفاع الإسرائيلية ستخسر نحو 12 مليار شيكل سنوياً نتيجة وقف المساعدات، على أساس أن الدولار يعادل نحو 3 شواكل، ما يعني اضطرار الخزانة الإسرائيلية إلى تعويض المبلغ من أموال دافعي الضرائب.
وتختلف قيمة المساعدات التي أشار إليها ترامب عن المخصصات السنوية المحددة في مذكرة التفاهم الحالية، إذ تبلغ 3.8 مليار دولار سنوياً، وتشمل 3.3 مليار دولار ضمن برنامج التمويل العسكري الأجنبي، و500 مليون دولار لبرامج التعاون في مجال الدفاع الصاروخي، فيما يستمر العمل بالمذكرة خلال الفترة من 2019 إلى 2028، وفق بيانات وزارة الخارجية الأمريكية.
وبحسب ورقة لمجلس العلاقات الخارجية الأمريكي، وهو معهد بحثي مستقل، صدرت في أكتوبر 2025، تجاوز إجمالي المساعدات الاقتصادية والعسكرية الأمريكية لإسرائيل منذ تأسيسها عام 1948 نحو 300 مليار دولار بعد تعديل الأرقام وفق معدلات التضخم، ما يجعلها أكبر متلق تراكمي للمساعدات الخارجية الأمريكية منذ قيامها.
وفي ورقة تفصيلية نشرتها وزارة الخارجية الأمريكية في أبريل 2025، تجاوزت قيمة المساعدات الثنائية المقدمة لإسرائيل منذ عام 1948 نحو 130 مليار دولار، بينما تشير بيانات خدمة أبحاث الكونغرس إلى تحويل نحو 175 مليار دولار بالقيم الاسمية خلال الفترة من 1946 إلى 2025، موزعة على نحو 124.5 مليار دولار مساعدات عسكرية، و34.3 مليار دولار مساعدات اقتصادية، و16.1 مليار دولار لبرامج الدفاع الصاروخي.
وتصل قيمة هذه المساعدات إلى نحو 298 مليار دولار عند احتسابها وفق قيمة الدولار في عام 2024، بحسب بيانات وزارة الخارجية الأمريكية، فيما يرفعها تقدير مجلس العلاقات الخارجية إلى نحو 330 مليار دولار عند احتساب تمويل الدفاع ضد الصواريخ، وفق المنهجية التي اعتمدها المجلس.
وقالت وزارة الخارجية الأمريكية إن إسرائيل تعد المتلقي الأول عالمياً للمساعدات الأمنية الأمريكية، ووصفت دعم أمنها بأنه ركيزة أساسية في السياسة الخارجية الأمريكية، تبنتها الإدارات المتعاقبة منذ عهد الرئيس هاري ترومان، مشيرة إلى أن المساعدات تستهدف مواجهة التهديدات الأمنية وسد الفجوات في القدرات الإسرائيلية، وتعزيز التعاون العملياتي والتدريبات المشتركة، ودعم احتفاظ إسرائيل بتفوقها العسكري النوعي.
وبدأ الدعم الأمريكي لإسرائيل عام 1949، بعد عام واحد من تأسيسها، عبر قرض بقيمة 100 مليون دولار من بنك التصدير والاستيراد الأمريكي، وظل خلال نحو عقدين محدوداً نسبياً، وتركز معظمه على المساعدات الاقتصادية في صورة قروض، بينما كانت فرنسا المورد العسكري الرئيسي لإسرائيل، إذ زودتها بمعدات وتقنيات عسكرية متقدمة.
وفي عام 1962، اشترت إسرائيل للمرة الأولى منظومة أسلحة متقدمة من الولايات المتحدة، تمثلت في صواريخ أرض جو من طراز «هوك»، ثم أقرت إدارة الرئيس الأمريكي ليندون جونسون عام 1968، بعد عام من حرب الأيام الستة، بيع طائرات «فانتوم» لإسرائيل، وهو ما شكل تحولاً في دور واشنطن كمورد رئيسي للسلاح، بعد تراجع الدور الفرنسي خلال عهد الرئيس شارل ديغول، ورسخ سابقة الدعم الأمريكي للتفوق العسكري النوعي الإسرائيلي على دول المنطقة.
وشهد عام 1971 تحولاً آخر مع بدء إسرائيل تلقي منح اقتصادية كبيرة، وتخصيص الكونغرس الأمريكي للمرة الأولى مبلغاً محدداً لها ضمن التشريعات المالية.
وبعد عامين، اندلعت حرب أكتوبر 1973، المعروفة في إسرائيل باسم حرب يوم الغفران، وطلب الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون من الكونغرس في 19 أكتوبر 1973 إقرار مساعدات طارئة بقيمة 2.2 مليار دولار لتعويض خسائر الجيش الإسرائيلي وموازنة الدعم العسكري السوفيتي لمصر وسوريا.
وخصص من المبلغ نحو 1.5 مليار دولار في صورة منحة عسكرية، وهي أكبر حزمة منح عسكرية تلقتها إسرائيل حتى ذلك الوقت، فيما قدم الجزء المتبقي في صورة قروض، وشكلت الحرب نقطة انطلاق لجهود منظمة داخل الولايات المتحدة لتعزيز الدعم الحزبي المشترك في الكونغرس للمساعدات المقدمة لإسرائيل.
ومع توقيع اتفاق السلام بين مصر وإسرائيل عام 1979، دخل الدعم الأمريكي مرحلة جديدة، إذ نقلت واشنطن إلى البلدين 7.5 مليار دولار بنسبة 3 إلى 2 لصالح إسرائيل، بهدف دعم ترتيبات إنهاء حالة الحرب والانسحاب من سيناء.
واستمرت المساعدات الاقتصادية خلال سنوات لاحقة في دعم الاقتصاد الإسرائيلي، قبل أن تتغير طبيعتها مع نمو قطاع التكنولوجيا العالية خلال تسعينيات القرن الماضي، إذ أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، خلال ولايته الأولى، في خطاب أمام مجلسي الكونغرس في يوليو 1999، أن إسرائيل ستبدأ خفض المساعدات الاقتصادية تدريجياً.
وبدأ خفض المساعدات الاقتصادية اعتباراً من عام 1999 بمعدل 120 مليون دولار سنوياً، مقابل زيادة المساعدات العسكرية بمقدار 60 مليون دولار سنوياً، إلى أن توقفت المنح الاقتصادية الأمريكية لإسرائيل عام 2008، وأصبح الدعم يتركز بصورة شبه كاملة على الجانب العسكري.
ومنذ أواخر التسعينيات، أصبحت المساعدات تحدد من خلال مذكرات تفاهم تمتد لعشر سنوات، إذ غطت المذكرة الأولى خلال إدارة الرئيس بيل كلينتون الفترة من 1999 إلى 2008، وضمنت لإسرائيل ما لا يقل عن 26.7 مليار دولار.
وفي عام 2007، اتفقت إدارة الرئيس جورج بوش على حزمة مساعدات عسكرية بقيمة 30 مليار دولار للفترة من 2009 إلى 2018، وسمحت الترتيبات لإسرائيل بإنفاق ما يصل إلى 26.3% من المخصصات على المشتريات من الصناعات المحلية.
أما مذكرة التفاهم الحالية، فوقعتها إدارة الرئيس باراك أوباما في 14 سبتمبر 2016، بقيمة 38 مليار دولار للفترة من 2019 إلى 2028، موزعة على 33 مليار دولار منحاً عسكرية و5 مليارات دولار لبرامج الدفاع الصاروخي.
وتنص المذكرة على توجيه الجزء الأكبر من التمويل إلى شراء المنتجات الدفاعية الأمريكية، مع تقليص إمكانية استخدام المخصصات لشراء معدات من الصناعات الإسرائيلية، وهو ما أثار انتقادات داخل قطاع الصناعات الأمنية في إسرائيل.
وشملت برامج الدعم تمويل منظومات الدفاع الصاروخي، إذ قدمت الولايات المتحدة منذ عام 2011 أكثر من 6 مليارات دولار لمنظومة «القبة الحديدية» وحدها، شملت البطاريات والصواريخ الاعتراضية والإنتاج المشترك والصيانة، إلى جانب مشاركتها في تطوير منظومتي «سهم» و«قضيب سحري».
ووفق بيانات وزارة الخارجية الأمريكية، قدمت واشنطن منذ السنة المالية 2009 نحو 3.4 مليار دولار لتمويل الدفاع الصاروخي الإسرائيلي، منها 1.3 مليار دولار لدعم منظومة «القبة الحديدية» بدءاً من السنة المالية 2011.
وتتيح المساعدات العسكرية الأمريكية لإسرائيل الحصول على معدات متطورة، من بينها مقاتلات «إف-35»، كما تسمح آليات التمويل باستخدام المخصصات السنوية لشراء المعدات الدفاعية والخدمات والتدريبات عبر نظام المبيعات العسكرية الأجنبية، واتفاقيات العقود التجارية المباشرة، وآلية المشتريات خارج الولايات المتحدة.
وكانت مذكرة التفاهم السابقة تسمح لإسرائيل باستخدام جزء من المخصصات لشراء معدات دفاعية من إنتاج صناعتها المحلية، وبلغت هذه النسبة 25% في السنة المالية 2019.
وتكشف بيانات وزارة الخارجية الأمريكية عن وجود 751 صفقة مبيعات عسكرية أجنبية قائمة بين البلدين حتى أبريل 2025، بقيمة إجمالية بلغت 39.2 مليار دولار، شملت مقاتلات «إف-35»، ومروحيات النقل «CH-53K»، وطائرات التزود بالوقود «KC-46A»، والذخائر الموجهة بدقة.
وبين عامي 2018 و2022، وافقت واشنطن أيضاً على تصدير معدات دفاعية بقيمة تجاوزت 12.2 مليار دولار عبر آلية المبيعات التجارية المباشرة، وشملت محركات توربينية ومركبات إطلاق وصواريخ موجهة وصواريخ باليستية وقذائف صاروخية وطوربيدات وقنابل وألغاماً وطائرات.
ولا يقتصر التعاون الدفاعي بين البلدين على المساعدات المالية وصفقات السلاح، بل يشمل التدريبات العسكرية والأبحاث المشتركة وتطوير الأسلحة، إلى جانب اتفاقيات ثنائية، بينها اتفاقية المساعدة الدفاعية المتبادلة عام 1952، والاتفاقية العامة لأمن المعلومات عام 1991، واتفاقية الدعم اللوجستي المتبادل عام 1991، واتفاقية وضع القوات عام 1994.
ومنذ عام 1983، يعقد البلدان اجتماعات دورية ضمن المجموعة السياسية العسكرية المشتركة، بهدف تنسيق السياسات ومعالجة التهديدات والمخاوف المتبادلة وتحديد مجالات جديدة للتعاون الأمني.
وشهد الدعم الأمريكي لإسرائيل زيادة استثنائية عقب هجمات 7 أكتوبر 2023 والحرب على قطاع غزة، إذ أقرت إدارة الرئيس جو بايدن مساعدات إضافية لمرة واحدة بقيمة تقارب 14 مليار دولار، ارتفعت لاحقاً إلى 17.6 مليار دولار.
ووفق مجلس العلاقات الخارجية، وفرت تشريعات أمريكية منذ اندلاع الحرب على غزة ما لا يقل عن 16.3 مليار دولار من المساعدات العسكرية المباشرة لإسرائيل، من خلال ثلاثة تشريعات شملت 8.7 مليار دولار في أبريل 2024، ومخصصات لعامي 2024 و2025 بقيمة 3.8 مليار دولار لكل سنة، وخصص من إجمالي الدعم 6.7 مليار دولار لأنظمة الدفاع الصاروخي.
وبحسب البيانات الواردة في التقارير، تلقت إسرائيل خلال السنة المالية 2024 نحو 12.5 مليار دولار، أي أكثر من ثلاثة أضعاف ما تلقته في السنة السابقة، في ظل المساعدات الإضافية التي أقرتها واشنطن عقب اندلاع الحرب.
كما يشير مجلس العلاقات الخارجية إلى أن إسرائيل استخدمت أسلحة أمريكية الصنع على مدى عقود في مواجهاتها مع خصومها، بينهم حركة حماس وحزب الله وإيران، إلى جانب حصولها على شحنات أسلحة عاجلة من مخزون استراتيجي أمريكي موجود داخل إسرائيل منذ ثمانينيات القرن الماضي.
وفي السنوات الأخيرة، أصبح حجم المساعدات الأمريكية لإسرائيل موضوعاً مثيراً للجدل داخل الولايات المتحدة، إذ يدعو الجناح التقدمي في الحزب الديمقراطي إلى تقليصها، بينما يعارض بعض أعضاء الحزب الجمهوري استمرار إنفاق أموال دافعي الضرائب على تمويل دول أجنبية.
وكانت صحيفة «يديعوت أحرونوت» الإسرائيلية قد ذكرت أن البلدين كانا يتفاوضان على اتفاق شراكة جديد يحل محل مذكرة التفاهم الحالية، مع توقعات بأن يركز التمويل المستقبلي على البحث والتطوير الأمني المشترك، بدلاً من استمرار آلية المساعدات بصيغتها الحالية.
وأشارت الصحيفة إلى أن نتنياهو قال لمجلة «الإيكونوميست» في يناير إنه لا يعتزم طلب تجديد الحزمة الحالية بالكامل، وإنه يريد تقليص المساعدات الأمريكية خلال عقد من الزمن، فيما بقي موعد التحول موضع خلاف بين ما كان مقرراً في عام 2028 وما أعلنه ترامب بشأن نهاية العام الجاري.
ونقلت الصحيفة عن مسؤولين اقتصاديين إسرائيليين تحذيرات من أن وقف المساعدات قبل موعد انتهاء مذكرة التفاهم سيشكل عبئاً كبيراً على الخزانة الإسرائيلية، وقال أحدهم إن التخلي عن عامين من المساعدات يعني خسارة نحو 8 مليارات دولار، متسائلاً عن مصدر تعويض هذا المبلغ، ومشيراً إلى أن المواطنين سيتحملونه عبر الضرائب.
كما نقلت عن مسؤول اقتصادي إسرائيلي رفيع انتقاده للموقف الأمريكي، معتبراً أن الإدارات الديمقراطية التي يتهمها بعض الإسرائيليين بأنها أقل دعماً لإسرائيل قدمت مساعدات سخية، بينما يتجه ترامب والجمهوريون إلى إنهائها.
ورأت الصحيفة أن إعلان ترامب المتزامن مع انتخابات التجديد النصفي للكونغرس يمكن أن يقدم للناخبين الأمريكيين باعتباره خفضاً لمليارات الدولارات من الإنفاق الخارجي، فيما يستطيع نتنياهو تسويق التحول باعتباره خطوة نحو تقليص الاعتماد على واشنطن وتعزيز الاستقلال الأمني الإسرائيلي.
وفي السياق ذاته، قالت صحيفة «هآرتس» إن توقيت إعلان ترامب تزامن مع توجه الأمريكيين إلى صناديق الاقتراع لاختيار أعضاء الكونغرس الذين سيحددون أجندة العامين الأخيرين من ولايته، مشيرة إلى أن التصريح بشأن إنهاء الدعم المالي جاء في وقت تتزايد فيه التحفظات داخل بعض الأوساط الجمهورية بشأن العلاقات الأمريكية الإسرائيلية، خصوصاً بعد المواجهة مع إيران.
وبحسب وكالة رويترز، لم يتضح بعد ما إذا كان إعلان ترامب يشمل المساعدات العسكرية المنصوص عليها في مذكرة التفاهم الحالية، التي تبلغ 3.8 مليار دولار سنوياً ويستمر العمل بها حتى عام 2028، فيما تحدث نتنياهو في أواخر أكتوبر عن ضرورة استعداد إسرائيل لإنهاء اعتمادها على المساعدات العسكرية الأمريكية بصيغتها الحالية.
وتضع هذه التطورات مستقبل التمويل الأمريكي لإسرائيل أمام مرحلة تفاوضية جديدة، بين إعلان ترامب وقف المساعدات بنهاية 2026، واستمرار مذكرة التفاهم الحالية حتى 2028، ومقترح إسرائيلي سابق لتقليص الاعتماد على التمويل الأمريكي تدريجياً خلال عشر سنوات، مع بقاء تفاصيل نطاق القرار وآليات تنفيذه غير واضحة حتى الآن.
The post 75 عاماً من التمويل الأمريكي إلى إسرائيل.. أين ذهبت مليارات الدعم؟ appeared first on عين ليبيا | آخر أخبار ليبيا.