فخ الوجبيات والمقارنات الظالمة

0
16

ظاهرة استشراف المثقف على المجتمع والتعالي عليه بدلا من النزول للواقع وقيادته للأفضل أصبح لا يطاق، يشرق بنا مثقفنا المفكر ويغرب في أغلب اللقاءات والظهور الإعلامي بضرب نماذج تبدأ من أمريكا وبريطانيا وسويسرا وتنتهي في الصين.، في محاولة لإيجاد مقارنة مع واقعنا العربي والليبي والذي يختلف شكلا وموضوعا ومضمونا.

يقول المثل الإنجليزي: لا تقارن تفاح بالموز بل قارن تفاح بتفاح وموز بموز. بمعنى أن المقارنة يجب أن تكون لنفس المادة أو الموضوع وفي نفس الظروف أو أقربها على الأقل وليس بين شيئين مختلفين وأحيانا متنافرين وإلا سندخل في متناقضات على سبيل السؤال: هل الزرافة أطول أم الفهد اسرع؟

وددت الاستدلال بهذا المثل كمدخل لما ألاحظ كثير من مقارنات ظالمة على المستوى السياسي والاقتصادي بين دول متقدمة وبيننا ، فمثلا من يريد التحول إلى اقتصاد السوق الحر الذي نشأ ويعيش في أمريكا ويريد إسقاطه على ليبيا.

فهل تجوز هنا المقارنة؟ فأمريكا أكبر اقتصاد في العالم ودولة قارة قامت على اكتشاف الأوربيين الأرض الجديدة وإبادة سكانها بالبارود ونهبت ثرواتها وأسست نظام خاص لهؤلاء المغامرون الجدد. فأصبح من يملك الأرض يملك ما فوقها وما تحتها من ثروات سواء كانت نفط أو ذهب وهذا لا يمكن نقله في دولة صغيرة من العالم القديم تقوم على اقتصاد فيه مال مشاع مثل النفط يخص كل الليبيين.

اقتصاد السوق الحر تم فشله خارج بيئته عندما جرب في أمريكا اللاتينية وأفلست الأرجنتين قديما تم اليوم نشهد نموذج فاشل للاقتصاد السوق في لبنان مثلا.

أوربا وبريطانيا تحديدا وهي الأخت الكبرى لأمريكا لا تطبق اقتصاد السوق الحر بل أقرب إلى الاقتصاد المختلط، فشركة النفط العملاقة BP كانت إلى تاريخ قريب تملكها الدولة بالكامل. مثل الصحة العامة في بريطانيا NHS والتي تدعمها الدولة من خزانتها بقيمة تفوق مائة مليار باوند سنويا لتقدم خدمة مجانية.

النرويج تقوم على الاقتصاد المختلط وهي الدولة التي يقوم اقتصادها على النفط، فشركة Statoil تملكها الدولة والصندوق السيادي الأكبر في العالم تملكه الدولة وليس الخواص.

طبعا هذا لا يعني أن الحل في الاقتصاد الاشتراكي الذي سقط في الاتحاد السوفيتي وتم تطويره مؤخرا في الصين بفصل الملكية عن الإدارة وأصبحت تحقق في مؤشرات تصل إلى 10% نموا اقتصاديا في السنة ورفع دخل الفرد الصيني أضعاف مضاعفة.

مثل آخر للمقارنات الظالمة هي دول صغيرة مثل سويسرا وسنغافورة ودبي فالدول الثلات هي دول يطلق عليها نموذج Special purpose Vehicle ،(SPV) العربة ذات الهدف الخاص أو الحالة الخاصة.

سويسرا نشأت حيث اتفقت الدول المتصارعة أن تكون ملاذا أمن لأموالها وتحيدها من الصراع لمصلحة جميع الأطراف.

سنغافورة دولة زرعتها بريطانيا في خاصرة ماليزيا الناجحة كنموذج هونكونج في الصين. وهي نموذج المدينة/الدولة City State.

مثل دبي أيضا التي نسمع كثيرا الاستدلال به في مقارنة ظالمة . فدبي نشأت كبديل لهونج كونج التي رجعت للبلد الأم الصين بعد الاتفاق في الإعلان الصيني البريطاني المشترك حول قضية هونغ كونغ، الذي تم توقيعه في ديسمبر 1984 نهاية عقد الإيجار.

تلاقت إرادة شيوخ دبي مع إرادة الشركات العابرة للقارات العملاقة لتكون بديلا لهونج كونج خاصة وأن الموقع الجغرافي لدبي كان عبقريا ومميزا، فهي تتوسط كل العالم، وساعدتها الظروف السياسية من تفكك الاتحاد السوفيتي ونقل رجال الأعمال الروس مشاريعهم وأموالهم لدبي كمكان آمن، ولذلك لم تستطع الإمارات الأخرى في نفس الدولة مجاراة نموذج دبي الناجح. ولايمكن نقل نموذج دبي إلى ليبيا أو أي مكان آخر لان القصة ليست رغبة إنما تلاقي إرادات الطرفين (الشركات الكبرى والحكام) وظروف تاريخية وموضعية قد لا تتكرر.

العديد من الأمثلة الأخرى يمكن سردها التي تصنف أنها مقارنات ظالمة وهي نتيجة عقلية تمارس التفكير بالتمني وليس التفكير المنهجي الموضوعي.

خطاب المثقف وفخ الوجبيات.

بعد أن ناقشنا في الجزء الأول “فخ المقارنات الظالمة” الذي يقع فيه بعض المثقفين، نأتي اليوم إلى فخ آخر أكثر دقة وخطورة، وهو “فخ الوجبيات” في الخطاب.

المثقف الذي اعتاد على المقارنة غير الموضوعية، غالباً ما ينتقل بسلاسة إلى الحديث بلغة “يجب” و”لابد”، فيرسم صوراً مثالية للمجتمع والدولة وكأنه يخطط لمدينة فاضلة على الورق. يقول: “يجب أن يكون لدينا تعليم راقٍ كفنلندا”، و”لابد أن نطبق نظاماً صحياً كالنظام الألماني”، و”يجب أن نتحول إلى اقتصاد معرفي كسنغافورة”. كلها أهداف نبيلة ومطلوبة، لكن المشكلة ليست في “الغاية” بل في غياب “الآلية”.

هذا الخطاب يقع في فخ “الوجبيات” لأنه يكتفي بإعلان الهدف النهائي (What should be) دون تقديم أي تصور واقعي ومنطقي عن كيفية الوصول إليه من نقطة الصفر أو حتى من تحت الصفر (How to get there).

إنه يشبه من يخاطب مريضاً مصاباً بحمى شديدة قائلاً: “يجب أن تكون درجة حرارتك 36.6″، دون أن يصف له الدواء أو يشرح له كيفية خفض حرارته في ظل غياب المستشفيات والأدوية.

هذا النمط من التفكير يخلق عدة مشاكل: مثل الإحباط وتعزيز الشعور بالفشل: عندما تُلقن المجتمعات يومياً بأنها “يجب” أن تكون في مصاف الدول المتقدمة بينما هي غارقة في مشاكلها الوجودية، فإن النتيجة تكون غالباً إحساساً مضاعفاً بالإحباط والفشل والعجز، وليس حافزاً للتغيير.

والهروب من التعقيد: الواقع الاجتماعي والاقتصادي والسياسي معقد وشائك، ومليء بالمتناقضات والمصالح المتشابكة. الحديث عن “الوجبيات” المثالية هو هروب من هذا التعقيد، لأنه لا يتطلب الغوص في تفاصيله المؤلمة، ولا يقدم حلولاً وسطاً أو مراحل انتقالية قابلة للتطبيق.

وغياب الأولويات: خطاب “يجب” يتعامل مع كل الأمور على قدر واحد من الأهمية. فهو يطالب بتعليم عالمي وصحة متطورة واقتصاد حر وعدالة اجتماعية في وقت واحد، وكأن المجتمع يمكنه القفز دفعة واحدة إلى العالم الأول. يغيب هنا مفهوم “الهندسة العكسية للفشل”، أي تفكيك المشكلات الحالية وفهم أولويات الحلول الممكنة.

المتفرج في المباراة، كما يقول المثل، يرى دائماً أن الحل هو تسجيل هدف مباشر في مرمى الخصم. إنه لا يشعر بضغط الخصم، ولا برطوبة أرضية الملعب، ولا بإرهاق الفريق، ولا بالحاجز النفسي. هو فقط يرى المرمى ويصرخ: “سجل!”.

المطلوب من خطاب المثقف اليوم أن ينتقل من “التشخيص النخبوي” و”الاستشراف المثالي” إلى “الهندسة الواقعية”. أن ينزل من علياء “يجب” إلى أرض “كيف”. أن يشرح لنا ليس فقط شكل الحلم، بل أيضاً تفاصيل الخريطة التي ستقودنا إليه، معترفاً بالعوائق، ومحدداً الأولويات، وقابلاً للحلول التدرجية التي قد لا تكون مثالية لكنها قابلة للتحقيق.

فخ الوجبيات هو الوجه الآخر لعملة المقارنات الظالمة. كلاهما ينتج خطاباً باهتاً، لا يمس الواقع، ولا يقدم رؤية، بل يزيد الطين بلة بإضفاء شرعية أخلاقية على المثالية المستحيلة، تاركين وراءهم مجتمعات تائهة بين حلم لا تدركه وواقع لا تقوى على تغييره.

The post فخ الوجبيات والمقارنات الظالمة appeared first on عين ليبيا آخر أخبار ليبيا.