القضاء الدستوري في ليبيا بين الأثر السياسي وضوابط الوظيفة القضائية

0
13

لم يعد الجدل الدائر في ليبيا حول أحكام الدائرة الدستورية مجرد نقاش قانوني تقليدي حول صحة الأحكام أو تفسير النصوص، بل تحوّل إلى سجال أعمق يطرح سؤالًا بالغ الحساسية: هل تمارس المحكمة الدستورية دورًا سياسيًا، أم أن ما يُنسب إليها هو نتيجة خلط بين طبيعة وظيفتها القضائية وبين ممارسات سياسية خارج إطارها؟

هذا السؤال لم ينشأ في فراغ، بل جاء في سياق تصاعد متدرّج في الخطاب العام تجاه المحكمة العليا، حيث بدأت ملامحه في انتقادات صادرة عن السلطة التشريعية، حين وُجّهت اتهامات لرئيس المحكمة العليا بالانخراط في العمل السياسي، قبل أن تتوسع دائرة الجدل لتشمل مواقف من داخل الوسط القضائي ذاته، وصولًا إلى بيان نقابة المحامين الذي تضمّن اعتراضات حادة على حكم الدائرة الدستورية، طالت مسألة الاختصاص ومنهج إصدار الأحكام، وذهبت—في بعض عباراته—إلى التشكيك في حيادها.

وعلى الرغم من اختلاف مصادر هذه الانتقادات، فإنها تلتقي عند نتيجة واحدة، وهي اتهام الدائرة الدستورية بأنها تمارس دورًا سياسيًا. غير أن هذا الاتهام، في تقديري، يقوم في جانب كبير منه على خلط مفاهيمي بين مستويين مختلفين تمامًا: مستوى الأثر السياسي للحكم الدستوري، ومستوى ممارسة السياسة خارج الإطار القضائي.

فالقاضي الدستوري لا يعمل في فراغ قانوني، بل في صميم توازن السلطات. وهو يتعامل مع نصوص تنظم العلاقة بينها، ما يجعل لأحكامه—بالضرورة—انعكاسات تتجاوز الإطار القانوني إلى المجال العام. فالحكم بعدم دستورية قانون، أو إلغاء نص تشريعي، أو إعادة ترتيب وضع مؤسسي، كلها قرارات تُحدث أثرًا مباشرًا في بنية الدولة. غير أن هذا الأثر لا يعني أن القاضي يمارس السياسة، بل يعني أن القانون الذي يطبّقه ذو طبيعة سياسية في موضوعه، لا في منهجه.

الإشكالية تبدأ حين يتحول هذا الأثر إلى ممارسة، وهو ما يحدث في حالات محددة، من قبيل الانتقائية في نظر القضايا، أو توجيه الأحكام نحو نتائج بعينها، أو تجاهل قضايا ذات أثر عام كبير مقابل التركيز على قضايا أخرى، أو إصدار أحكام دون مراعاة آثارها المؤسسية. عند هذه النقطة، يمكن القول إن القاضي لم يعد فقط منتجًا لأثر سياسي بحكم وظيفته، بل أصبح فاعلًا في المجال السياسي، وهو ما يُعد خروجًا عن مقتضيات دوره القضائي.

غير أن النظر إلى الحالة الليبية يكشف أن الإشكال لا يكمن—في جوهره—في ممارسة صريحة للسياسة، بقدر ما يكمن في كيفية إدارة آثار الأحكام الدستورية. فالأحكام التي تمس بنية السلطة القضائية، إذا لم تُرفق بآليات واضحة لإدارة نتائجها، قد تؤدي إلى فراغ مؤسسي أو إلى انقسام في الهياكل، وهو ما حدث بالفعل، حيث برزت مظاهر متعددة للاختلال، من بينها انقسام المجلس الأعلى للقضاء، وتعدد مراكز القرار القضائي، وتعذر انعقاد المجلس بنصاب مكتمل، فضلًا عن اتساع دائرة التشكيك في شرعية بعض التكليفات القضائية.

وهنا لا يكون الخلل في الحكم ذاته فقط، بل في غياب الترتيب المؤسسي لآثاره. فالأحكام الدستورية، بطبيعتها، لا تقف عند حدود النزاع، بل تمتد لتؤثر في بنية مؤسسات الدولة، وهو ما يفرض ضرورة التعامل معها من خلال مسار تدريجي ومدروس يضمن الحفاظ على استمرارية المرفق العام، ويحول دون إحداث فراغ أو انقسام.

وفي هذا السياق، فإن أخطر ما يلوح في الأفق ليس مجرد اختلاف التقييمات حول الأحكام، بل انتقال هذا الاختلاف إلى مستوى نزع الثقة عن المؤسسة القضائية العليا. فحين تتكرر الاتهامات من أطراف متعددة—سياسية وقضائية ونقابية—فإننا نكون أمام أزمة تتجاوز النصوص إلى أزمة ثقة عميقة، تمس جوهر النظام القانوني.

إن القضاء، في نهاية المطاف، لا يستمد قوته من نصوصه فقط، بل من ثقة المجتمع في حياده واستقلاله. وإذا تآكلت هذه الثقة، فإن أي حكم—مهما بلغت سلامته القانونية—يصبح عرضة للتشكيك، وهو ما يهدد بتحويل القضاء من أداة لحسم النزاع إلى طرف فيه.

ومن هنا، فإن الخروج من هذه الأزمة لا يقتصر على نقد الأحكام أو الدفاع عنها، بل يتطلب إعادة بناء التوازن المؤسسي من داخل المنظومة القضائية ذاتها. وفي هذا الإطار، تبرز المبادرة العلمية التي أطلقتها مدرسة العلوم القانونية بالأكاديمية الليبية للدراسات العليا، باعتبارها مسارًا عمليًا يقوم على تفعيل القواعد القانونية المستقرة، وعلى رأسها مبدأ الأقدمية، بما يضمن إعادة ضبط تشكيل الهياكل القضائية بصورة مؤقتة ومنضبطة.

وتهدف هذه المقاربة، في جوهرها، إلى منع الانقسام المؤسسي، والحفاظ على وحدة المرجعية القضائية، وضمان استمرارية عمل السلطة القضائية دون فراغ أو ازدواج، تمهيدًا لإعادة تنظيمها في إطار قانوني موحد ومستقر.

فالخطر الحقيقي لا يكمن في وجود جدل قانوني، بل في تحوّله إلى مسار يقوّض المرجعية القضائية ذاتها. وإذا لم يُعاد ضبط هذا التوازن، فإننا لا نكون أمام أزمة أحكام، بل أمام أزمة ثقة قد تُفقد القضاء موقعه كمرجعية نهائية للنزاع.

وفي هذا السياق، يظل التأكيد لازمًا على أن حجية الأحكام القضائية—وخاصة الدستورية—تمثل قاعدة آمرة لا تستقيم العدالة بدونها، وأن احترامها لا يتعارض مع حق النقد، بل يفترضه في إطاره العلمي الرصين. غير أن الفارق الجوهري يبقى قائمًا بين نقد الحكم بوصفه اجتهادًا قابلاً للمراجعة، والطعن في شرعية الجهة القضائية بما يفضي إلى إضعافها وتقويض الثقة فيها.

ومن هنا، فإن مسؤولية معالجة هذه اللحظة الدقيقة لا تقع على عاتق الخطاب العام وحده، بل تمتد بالأساس إلى السلطة القضائية نفسها، بما يقتضي تسريع المبادرة إلى إعادة ضبط توازنها الداخلي، ومعالجة آثار الأحكام بما يحفظ وحدة المؤسسة واستمرارية عملها، ويحول دون اتساع دائرة الانقسام.

وعند هذه النقطة، لا يعود السؤال: هل أخطأ القضاء؟

بل يصبح السؤال الأهم:

هل يمتلك القدرة على تصحيح مساره بذاته، وصون مكانته كمرجعية نهائية تحمي فكرة الدولة وتماسكها؟

The post القضاء الدستوري في ليبيا بين الأثر السياسي وضوابط الوظيفة القضائية appeared first on عين ليبيا آخر أخبار ليبيا.