الحرب على إيران وإرهاصات مشروع الشرق الأوسط الجديد

0
17

تفجرت الحرب بعد سنوات من التهديد، والمفاوضات حول برنامج إيران النووي، إسرائيل المدعومة من الولايات المتحدة تشن حربها على إيران، ويبدو بان هذه الحرب مختلفة عن حرب 12 يوم في يونيو 2025م، وإذا كان الهدف المعلن من هذه الحرب هو منع إيران من امتلاك سلاح نووي، وإنهاء الخطر الذي تشكله على الأمن والاستقرار في المنطقة، فإن الأخطر من أهداف هذه الحرب يتمثل في تهيئة المنطقة لمرحلة جديدة وإعادة رسم خرائط الجغرافيا السياسية بما يؤدي إلى تنفيذ مشروع الشرق الأوسط الجديد، وان تصبح إسرائيل هي القائدة لدول المنطقة، في هذا الوضع الجديد يتم تصنيف دول الشرق الأوسط ما بين صديق أو عدو لإسرائيل، وفي هذا الوضع أيضا سيأتي الدور على دول أخرى في المنطقة، وهنا يتضح جلياً بأن دعم المقاومة في غزة كان صمام أمان لكل دول المنطقة وهو الأمر الذي لم تفهمه دول المنطقة والتزمت الصمت، فماذا ستفعل الآن إزاء هذا التهديد والخطر الوجودي؟، خريطة الشرق الأوسط الجديد تتشكل بالحديد والنار وإسرائيل مدعومة من الولايات المتحدة الأمريكية تقاتل في عدة جبهات.

تاريخياً، في عام 1993م عندما وقعت اتفاقية أوسلو بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية، ظهر للعلن مشروع الشرق الأوسط الجديد، ويعد شيمون بيريز من أشهر الداعين لهذا المشروع وقد ألف كتابه الشهير المنشور في عام 1993م، والذي تحدث فيه عن التكامل بين ثلاثة عناصر متوفرة في الشرق الأوسط وهي: وفرة موارد المياه التركية، وسعة السوق الاستهلاكية المصرية، ومقدرة التكنولوجيا الإسرائيلية، وقال شيمون بيريز: “بأن اتحاد هذه العوامل الثلاثة ممولة بفوائض نفط الخليج العربي تستطيع أن تحقق لإسرائيل الأمن والرخاء”، وأوصى في كتابه بدمقرطة العالم العربي، ونسيان تاريخهم، وإنشاء مجتمع معرفي، وإشراك المرأة في الحكم والقرار، للوصول إلى سوق عربية إسرائيلية مشتركة، يكون الكيان الصهيوني المهيمن عليها، وشمعون بيريز هو أيضا من قال: “لقد جرب العرب قيادة مصر للمنطقة مدة نصف قرن فليجربوا قيادة إسرائيل إذن”، ولا شك بأن نتنياهو اليوم يعي هذا الكلام جيداً ويريد تحقيقه على ارض الواقع.

كما يتضح أيضا من تصريحات بعض المسؤولين في الغرب منذ سنوات بأنه هناك شرق أوسط جديد يلوح في الأفق ، قال رئيس المخابرات الفرنسية برنار باجوليه، وفي مؤتمر للاستخبارات عقدته جامعة جورج واشنطن في 27 أكتوبر عام 2015م قال: “إن الشرق الأوسط الذي نعرفه انتهى إلى غير رجعة ، مؤكداً أن دولاً مثل العراق وسوريا لن تستعيد أبداً حدودها السابقة “، وأضاف باجوليه بقوله: “نحن نرى أن سوريا مقسمة على الأرض، النظام لا يسيطر إلا على جزء صغير من البلد، وهو ثلث مساحة سوريا التي تأسست بعد الحرب العالمية الثانية، الشمال يسيطر عليه الأكراد، ولدينا هذه المنطقة في الوسط التي يسيطر عليها تنظيم داعش، وأكد أن الأمر نفسه ينطبق على العراق”، وقال أيضا: “لا اعتقد أنه هناك إمكانية للعودة إلى الوضع السابق، وأعرب باجوليه عن ثقته بأن المنطقة ستستقر مجدداً في المستقبل، ولكن وفق أية خطوط؟، في الوقت الراهن لست أعلم ولكن في مطلق الأحوال ستكون مختلفة عن تلك التي رسمت بعد الحرب العالمية الثانية”، وأضاف بقوله: “إن الشرق الأوسط المقبل سيكون حتماً مختلفاً عن الشرق الأوسط ما بعد الحرب العالمية الثانية”، وفي نفس المؤتمر بجامعة جورج واشنطن، كانت وجهة نظر مدير المخابرات الأمريكية السي آي أيه جون برينان قريبة من وجهة نظر رئيس المخابرات الفرنسية حيث قال برينان: “عندما أنظر إلى الدمار في سوريا وليبيا والعراق واليمن، يصعب علي أن أتخيل وجود حكومة مركزية في هذه الدول قادرة على ممارسة سيطرة أو سلطة على هذه الحدود التي رسمت بعد الحرب العالمية الثانية”، كما أضاف المسؤول الأميركي بقوله: “إن الحل العسكري مستحيل في أي من هذه الدول، واعتبر أنه من الخطأ الذهاب مباشرة باتجاه البحث عن تسوية نهائية في الوقت الراهن، بل يجب اعتماد إستراتيجية الخطوات الصغيرة عبر السعي أولاً: إلى خفض درجة الحرارة وخفض حدة النزاع وبناء بعض الثقة بين الأطراف الموجودين هناك والراغبين فعلاً بالتوصل إلى تسوية سلمية”.

رالف بيترز وهو ضابط متقاعد من الجيش الأمريكي، هو الأخر وضع مخططاً لإعادة تقسيم الشرق الأوسط في مقال نشر بمجلة القوات المسلحة الأميركية في يونيو عام 2006م، حيث يتحدث بيترز: “عن ما يسميه الظلم الفادح الذي لحق بالأقليات حين تم تقسيم الشرق الأوسط أوائل القرن العشرين، وهو هنا يقصد اتفاقية سايكس بيكو، مشيراً إلى هذه الأقليات بأنها الجماعات أو الشعوب التي خدعت حين تم التقسيم الأول، ويذكر أهمها وهم الأكراد والشيعة العرب، كما يشير إلى مسيحيي الشرق الأوسط، والبهائيين، والإسماعيليين، والنقشبنديين، ويرى بيترز أن ثمة كراهية شديدة بين الجماعات الدينية والإثنية بالمنطقة تجاه بعضها البعض، وأنه لذلك يجب أن يعاد تقسيم الشرق الأوسط انطلاقا من تركيبته السكانية غير المتجانسة، القائمة على الأديان والمذاهب والقوميات والأقليات، حتى يعود السلام إليه”، ولم تكن الصحافة الغربية بعيدة أيضا عن مشروع الشرق الأوسط الجديد، وهي تعبر عن وجهة نظر وتوجهات صانعي القرار في الغرب، فلقد نشرت صحيفة نيويورك تايمز الأميركية في عام 2013م خريطة جديدة تظهر تقسيم 5 دول في الشرق الأوسط إلى 14 دولة، مؤكدة بأن خريطة الشرق الأوسط الحديث الذي يعد المحور السياسي والاقتصادي في النظام الدولي في حالة يرثى لها، والسؤال الذي نفتش له عن إجابات مقنعة ويصعب أن نجدها هو: هل ستظل المنطقة العربية لأجيال قادمة خاضعة لسياسات ترسم من خارج حدودها؟ً، وهل هناك فرصة تاريخية أمامنا نحن العرب لإنقاذ المنطقة العربية من مشروع الشرق الأوسط الجديد؟، لا شك بأنه بعد الذي حدث في المنطقة العربية من زلازل فإن صمود إيران مهم جدا وصمام أمان، ولكي نفهم دوافع الغرب من مشروع الشرق الأوسط الجديد، علينا أن نعي ما قاله بعض المفكرين العرب والذين لم يسمع لهم الساسة والحكام العرب، يقول الكاتب والمفكر المصري عبد الوهاب المسيري: “يمكن القول بكثير من الاطمئنان إن الإستراتيجية الغربية تجاه العالم الإسلامي منذ منتصف القرن التاسع عشر تنطلق من الإيمان بضرورة تقسيم العالم العربي والإسلامي إلى دويلات إثنية ودينية مختلفة، حتى يسهل التحكم فيه، وقد غُرست إسرائيل في قلب هذه المنطقة لتحقيق هذا الهدف، فعالم عربي يتسم بقدر من الترابط وبشكل من أشكال الوحدة، يعني أنه سيشكل ثقلاً إستراتيجياً واقتصادياً وعسكرياً، ويشكل عائقاً أمام الأطماع الاستعمارية الغربية”، ويضيف عبد الوهاب المسيري بقوله: “وفي إطار الوحدة والتماسك تشكل إسرائيل جسما غريبا تلفظه المنطقة، مما يعوق قيامها بدورها الوظيفي كقاعدة للمصالح الغربية، أما في إطار عالم عربي مقسم إلى دويلات إثنية ودينية بحيث تعود المنطقة إلى ما قبل الفتح الإسلامي، أي منطقة مقسمة إلى دويلة فرعونية في مصر وأخرى أشورية بابلية في العراق وثالثة آرامية في سوريا ورابعة فينيقية في لبنان، وعلى القمة تقف دولة عبرية متماسكة مدعومة عسكرياً من الولايات المتحدة في فلسطين، ففي إطار التقسيم تصبح الدولة الصهيونية الاستيطانية، المغروسة غرساً في الجسد العربي دولة طبيعية بل وقائدة، فالتقسيم هو في واقع الأمر عملية تطبيع للدولة الصهيونية التي تعاني من شذوذها البنيوي، باعتبارها جسداً غريباً غرس غرساً بالمنطقة العربية”، ما تقوم به إسرائيل من حرب الآن وقتالها في أكثر من جبهة هو التنفيذ العملي لمشروع الشرق الأوسط الجديد، وإذا انهارت إيران فان الدور قادم على تركيا ومصر ودول الخليج العربي.

The post الحرب على إيران وإرهاصات مشروع الشرق الأوسط الجديد appeared first on عين ليبيا آخر أخبار ليبيا.