النفس الإنسانية.. تشابكاتها وتناقضاتها

0
13

لقد أشكل الإنسان على الإنسان (أبو حيان التوحيدي).

الحربُ كارثةٌ رافقتِ الإنسانَ على مدى الدُّهور. الكوارثُ الطبيعيةُ من زلازلَ وبراكين، وكذلك الأوبئةُ القاتلةُ بكل أنواعها، قتلتِ الملايينَ من البشر، وكذلك المجاعاتُ التي لا تغيب، إلَّا لتعودَ وتحصدَ أرواحَ الفقراء. يجتهد الناسُ لمقاومةِ تلك المصائبِ الطاغية. لكنَّ الكارثةَ الكبرى التي يصنعُها الإنسان بعقلِه ويديه هي الحرب. تختلف الدوافعُ والأدواتُ من زمن إلى آخر، لكنَّ الهدفَ لا يتغير أبداً؛ وهو أن يقتلَ الإنسانُ الإنسانَ. بعد الحربِ العالمية الثانية التي استخدم فيها المتحاربون، آخرَ ما اخترعته البشريةُ من السلاح، تكدَّست ملايينُ الجثتِ تحت جبال الرُّكام. في تلكَ الحربِ الكونيةِ الرَّهيبة، شهدَ العالمُ مجزرةً غير مسبوقة، عندما أُلقيتِ القنبلتانِ النَّوويتان على هيروشيما وناغازاكي اليابانيتين. اهتزَّتِ الضَّمائرُ والعقول واستيقظتِ النفوس، وتنادَى السّياسيونَ والفلاسفةُ والمفكرونَ، لتأسيسِ قواعدِ عالم السلام، وبناء السدود السياسية المانعة لطوفان العنفِ والحروب. لكنَّ الغرائزَ فعلها يجبُّ ما تنتجُه الأمنياتُ والأحلام. ظلَّ القتل والحروب يحدوانِ حركةَ البشر دون توقف. في هذه الأيام تزفُّ وسائلُ الإعلام المختلفة، إلى البشر في كل الدنيا، صورَ القتل والدماءِ والدمار التي تصعقُ النفوسَ والعقول. السياسيون والمحللون والصحافيون، يتحدَّثونَ ويكتبونَ عن تفاصيلِ مجريات المعارك. السؤالُ المزمنُ كانَ ولا يزال؛ لماذا لم يتمكَّنِ البشرُ بعد ارتقاءِ الحضارةِ وقفزة الحداثة وازدهارِ العلم والفلسفة وانتشار العلم والتعليم، من إبداعِ ترياقٍ يجتث نوازعَ العنف والحروب من كينونة الخلق؟ في الحوار الطويل بين جابر بن حيان ومسكويه، في كتاب «الهوامل والشوامل»، طافَ مسكويه في دخائلِ النَّفس البشرية، وحلَّل الدوافعَ والكوابح، وكانت أسئلة جابر بن حيان متدفقة، وفي الختام سكبَ العصارةَ وقال: «لقد أشكل الإنسان على الإنسان».

الفلاسفةُ وعلماءُ النفس والمفكرون، منذ قرونٍ مضت وإلى اليوم، يحفرون فيما خفي في أعماق النَّفسِ البشرية ويدفعها إلى العنف بكل أشكاله. ذهبَ هؤلاءِ إلى أنَّ في داخل كلّ إنسان، هناك أكثر من شخصٍ واحد خفيّ، لا يراه الآخرونَ، وذاك ما يحرّك أفعالَه التي تُولد في ظلامِ حياته.

الطبيبُ الفيلسوف آندريه يونغ كانَ يرى أنَّ الإنسانَ يعيش معظم حياته خلفَ قناع اجتماعي يصنعه هو حتى يقبله النَّاس، وحتى يبدو قويّاً وطبيعيّاً أمام الآخرين، ولكن خلفَ هذا القناع توجد شخصيةٌ أخرى مختلفة. شخصيةٌ مليئةٌ بالخوف والرَّغبات المكبوتة، وأطلقَ يونغ على هذا الجزء من شخصية الإنسان، منطقةَ الظل، الّذي لا يختفي أبداً، والإنسان يخاف ممَّا يوجد بداخله. الرّوائي والمفكر الكبير تيودور ديستوفسكي؛ كانَ يرى شيئاً مرعباً في النفس البشرية، شيئاً لا يحب النَّاسُ الاعترافَ به أبداً، فالإنسانُ لا يبحث عن السعادة دائماً؛ بل أحياناً يبحث عن الألمِ دون أن يشعر، ويرى أنَّ داخل الإنسان رغبةً في تدمير نفسِه، وأعتقد أنَّ أخطرَ معركةٍ يخوضُها الإنسانُ ليست مع العالم، بل مع نفسه؛ لأنَّ الإنسانَ عندما ينكسرُ بصمت، يتحوَّل إلى عدوٍّ يرافقه.

آرثر شوبنهاور كانَ يرى أنَّ أكثرَ شيءٍ يخيف الإنسان ليس الظَّلام؛ بل الجلوس وحيداً مع نفسه، فكان يؤمنُ بأنَّ أغلبَ البشر يهربونَ من الوحدة؛ ليس لأنَّهم يحبّون النَّاس فعلاً، بل لأنَّهم يخافون من أفكارهم عندما يصبح كل شيء صامتاً. كان شوبنهاور يرى أن الوحدة تشبه مرآة ضخمة تكشف للإنسان حقيقتَه دون تجميل، ولهذا لا يحتمل كثيرٌ من النَّاس البقاءَ وحدَهم فترةً طويلة، لأنَّهم يكتشفون أشياءَ في داخلهم لا يريدون رؤيتَها، ويضيف أنَّ الإنسانَ الذي لا يحتمل الوحدةَ لن يعرفَ نفسه أبداً.

توماس هوبز كانَ يؤمن بفكرة مخيفة جداً عن النفس البشرية؛ وهي أنَّ الإنسانَ ليس طيّباً بطبيعته، بل كان يرى أنَّ داخل كل إنسان جانباً مظلماً، قد يظهر في أي لحظةٍ عندما يختفي الأمانُ والخوفُ من العقاب، وكانَ يقول إنَّ البشرَ عندما يعيشون بلا قوانين أو نظام، يتحوَّل العالمُ إلى مكان مرعب، ويصبحُ الإنسانُ عدواً للإنسان. الخوفُ بالنسبة لتوماس هوبز ليس مجردَ شعورٍ عابر؛ بل قوة قادرة على تحويل أكثر الناس هدوءاً، إلى أشخاص قساة وخطيرين، وعندما يشعر الإنسان بأن حياته مهددة، قد يفعل أشياء لم يكن يتخيل يوماً أنه قادر على فعلها؛ فقد يخون ويكذب ويؤذي الآخرين فقط لينجو بنفسه. وهذا ما كان يخيف هوبز أكثر من أي شيء آخر؛ فهو لم يكن يخاف الوحوشَ بقدرِ ما يخاف من الإنسان، وكانَ يرى أنَّ الحضارةَ والقوانين ليستا دليلاً على طيبة البشر؛ بل مجرد قناعٍ يمنع الفوضى المختبئةَ داخل النفوس، ولهذا فإنَّ الحروبَ تكشف دائماً الوجهَ الحقيقيَّ للبشر.

كثيرٌ من المفكرين غيرُ هؤلاءِ الذين وقفتُ عندهم، غاصُوا في أركيولوجيا النَّفسِ البشرية. الخلاصةُ أنَّ الحروبَ التي تتوالد بوتيرةٍ أكثرَ عنفاً، مجرد زلازلَ تكسر القشرةَ الرقيقة، التي تغطي ما يسكنُ في أعماق النَّفسِ البشرية، ولكن يبقَى الأملُ في أن تكبرَ القشرة، لتكوِّنَ الإرادةَ الصلبة لإنسان عصرِ السَّلام الجديد، وتُدفن الحروبَ في قاع النفوس.

The post النفس الإنسانية.. تشابكاتها وتناقضاتها appeared first on عين ليبيا آخر أخبار ليبيا.