البيانات السيادية للدولة: هل أصبحت نوعًا جديدًا من المال العام؟

0
11

قراءة في الحماية القانونية والجنائية للذاكرة الرقمية للدولة

لم يعد المال العام في الدولة الحديثة يقتصر على الأراضي والمباني والمنشآت والطرق والمركبات والأموال النقدية، بل أفرز التحول الرقمي نوعًا جديدًا من الأصول لا تقل قيمته عن تلك الأموال، وربما تفوقها في بعض الأحيان، وهو البيانات السيادية للدولة.

فاليوم تحتفظ مؤسسات الدولة بقواعد بيانات ضخمة تضم معلومات السكان، والسجل المدني، والسجل العقاري، والضرائب، والجمارك، والمصارف، والنفط، والاتصالات، والأجهزة الأمنية، والمؤسسات العسكرية، وغيرها من قواعد البيانات التي أصبحت تمثل الذاكرة الرقمية للدولة، والتي تقوم عليها إدارة المرافق العامة وصناعة القرار ورسم السياسات الاقتصادية والأمنية.

ومع تصاعد الهجمات السيبرانية التي تستهدف المؤسسات السيادية، يثور تساؤل قانوني لم يحظ – في تقديري – بما يستحقه من البحث: هل تعد هذه البيانات مجرد معلومات إلكترونية، أم أنها أصبحت أصلًا عامًا جديدًا يستوجب أن يتمتع بالحماية القانونية ذاتها التي يتمتع بها المال العام؟

هذا السؤال لا يكتسب أهميته من التطور التقني فحسب، وإنما من التحول الذي طرأ على طبيعة الدولة نفسها. فالدولة التي كانت تعتمد في إدارة شؤونها على الوثائق الورقية أصبحت تعتمد اليوم على قواعد بيانات رقمية تمثل البنية الأساسية لإدارة المال العام، وتقديم الخدمات، وإدارة الموارد، وحماية الأمن الوطني. ومن ثم، فإن الاعتداء على هذه البيانات أو إتلافها أو الاستيلاء عليها لم يعد مجرد اعتداء على معلومات، وإنما قد يكون اعتداءً على أحد أهم الأصول السيادية التي تقوم عليها الدولة الحديثة.

ومن هنا، فإن إعادة النظر في مفهوم المال العام لم تعد مسألة نظرية، بل أصبحت ضرورة قانونية تفرضها طبيعة العصر الرقمي.

ولا يقتصر الأمر على القيمة الاقتصادية لهذه البيانات، بل يمتد إلى ارتباطها المباشر بمفهوم السيادة الرقمية للدولة. فكما ارتبطت السيادة في صورتها التقليدية بالإقليم والحدود والموارد العامة، أصبحت ترتبط اليوم أيضًا بقدرة الدولة على إدارة بياناتها الوطنية والتحكم فيها وحمايتها من الاختراق أو الاستغلال غير المشروع. ومن ثم، فإن المساس بالبيانات السيادية لا يمثل مجرد اعتداء على نظم معلومات، بل قد يمس أحد مظاهر ممارسة الدولة لسيادتها في البيئة الرقمية

أولًا: هل ما زال مفهوم المال العام قادرًا على استيعاب التحول الرقمي؟

استقر الفقه والقضاء والتشريعات التقليدية على أن المال العام هو كل مال مملوك للدولة أو لأحد الأشخاص الاعتبارية العامة، ومخصص بالفعل أو بمقتضى القانون لتحقيق المنفعة العامة أو لإدارة مرفق عام. وقد انصرف هذا المفهوم تاريخيًا إلى الأموال المادية، كالأراضي والمباني والطرق والمنشآت والمعدات ووسائل النقل، ثم امتد إلى بعض الحقوق المالية ذات القيمة الاقتصادية.

غير أن التحول الرقمي الذي تشهده الدولة الحديثة يفرض إعادة النظر في هذا التصور التقليدي. فلم تعد إدارة المرافق العامة تعتمد في جوهرها على المباني أو الأصول المادية، بقدر اعتمادها على قواعد البيانات والمنظومات الرقمية التي أصبحت تمثل العقل الذي يدير تلك المرافق.

فإذا تعطلت قاعدة بيانات السجل المدني، أو فقدت الدولة السيطرة على بياناتها الضريبية أو المصرفية أو الجمركية أو الصحية، فإن المرفق العام قد يتوقف عن أداء وظيفته، رغم بقاء مبانيه وموظفيه وتجهيزاته على حالها. وهذا يكشف أن القيمة الحقيقية لم تعد كامنة في الوسيط المادي، بل في البيانات التي يحتويها.

ومن هنا يثور التساؤل: إذا كانت الدولة تحمي المبنى لأنه مرفق عام، فهل تقل أهمية البيانات التي تمنح هذا المبنى القدرة على أداء وظيفته؟ أم أن هذه البيانات أصبحت في ذاتها أصلًا عامًا يستحق الحماية القانونية؟

ثانيًا: البيانات السيادية ليست مجرد معلومات… بل أصل عام ذو قيمة مستقلة

قد يذهب البعض إلى أن البيانات ليست سوى معلومات إلكترونية، ومن ثم يصعب اعتبارها مالًا عامًا. غير أن هذا التصور يغفل التحول الجوهري الذي طرأ على مفهوم الثروة في الاقتصاد الرقمي.

فالبيانات اليوم ليست مجرد وسيلة لحفظ المعلومات، وإنما أصبحت موردًا استراتيجيًا له قيمة اقتصادية وسياسية وأمنية مستقلة. بل إن كثيرًا من كبرى الشركات العالمية تُقاس قيمتها السوقية بما تملكه من بيانات أكثر مما تملكه من أصول مادية.

ولا تنبع قيمة البيانات من قابليتها للتداول المالي فحسب، بل من كونها موردًا استراتيجيًا يُمكّن الدولة من التخطيط، واتخاذ القرار، وإدارة الموارد العامة، وهو ما يجعل قيمتها تقاس بآثار استخدامها أو فقدان السيطرة عليها، لا بقيمة الوسيط الإلكتروني الذي تُخزن عليه

وإذا كان ذلك صحيحًا بالنسبة للقطاع الخاص، فإنه يكون أولى بالنسبة للدولة. فقواعد بيانات المصارف المركزية، والسجل المدني، والضرائب، والجمارك، والنفط، والاتصالات، والأجهزة الأمنية والعسكرية، لا تمثل مجرد أرشيف إلكتروني، وإنما تمثل ذاكرة الدولة ووسيلتها في ممارسة وظائفها الدستورية والإدارية.

ولذلك فإن الاعتداء على هذه البيانات لا يقل خطورة عن الاعتداء على المال العام، بل قد يكون أشد أثرًا؛ لأن خسارة مبنى أو مركبة يمكن تعويضها، أما فقدان السيطرة على قاعدة بيانات سيادية أو تسريبها فقد يظل أثره قائمًا لعقود، إذ يمكن نسخها وتداولها وتحليلها إلى ما لا نهاية.

ولهذا، فإن معيار الحماية القانونية يجب ألا يكون ماديًا بحتًا، وإنما وظيفيًا أيضًا. فما كان لازمًا لانتظام المرفق العام واستمرار أداء الدولة لوظائفها، واكتسب قيمة عامة مستقلة، ينبغي أن يخضع للحماية التي يقررها القانون للأموال العامة.

ويقصد بالبيانات السيادية، في مفهوم هذه المقالة، مجموع البيانات والمعلومات الرقمية التي تنتجها الدولة أو تجمعها أو تديرها من خلال سلطاتها أو مؤسساتها العامة، والتي يرتبط فقدان السيطرة عليها أو المساس بسلامتها أو سريتها أو توافرها بتأثير مباشر في ممارسة الدولة لاختصاصاتها الدستورية أو إدارة مرافقها العامة أو حماية أمنها القومي ومصالحها العليا.

ثالثًا: إذا اعتُبرت البيانات السيادية مالًا عامًا… فما النتائج القانونية؟

إن القول بأن البيانات السيادية أصبحت نوعًا من المال العام لا يمثل مجرد توصيف فقهي أو نظري، وإنما تترتب عليه نتائج قانونية عملية بالغة الأهمية.

فالمال العام لا يتميز عن غيره من الأموال بقيمته الاقتصادية فقط، وإنما بالنظام القانوني الخاص الذي يخضع له، وبالحماية المشددة التي يقررها المشرع له باعتباره مخصصًا لتحقيق المصلحة العامة.

ومن ثم، فإن الاعتراف بالبيانات السيادية بوصفها أحد الأموال العامة يعني أن الاعتداء عليها لا ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره مجرد جريمة معلوماتية أو مخالفة تقنية، وإنما باعتباره اعتداءً على أحد عناصر الذمة المالية للدولة وعلى وسيلة من وسائل قيامها بوظائفها الأساسية.

ويترتب على ذلك أن مسؤولية الإدارة عن حماية هذه البيانات لا يمكن أن تظل مسؤولية تقنية محضة، بل تصبح التزامًا قانونيًا يدخل في صميم واجبات المحافظة على المال العام وحسن إدارة المرافق العامة.

ولا تقتصر آثار ذلك على المسؤولية الجنائية عند وقوع الاعتداء، بل تمتد أيضًا إلى المسؤولية الإدارية، إذ يصبح من واجب الجهات العامة تبني سياسات فعالة لإدارة المخاطر السيبرانية، ووضع ضوابط للحوكمة الرقمية، والتحديث المستمر للأنظمة، والتدريب الدوري للعاملين، باعتبار أن الإهمال في هذه التدابير قد يفضي إلى الإضرار بأحد أهم الأصول العامة للدولة.

كما يترتب على ذلك أن الإضرار المتعمد بهذه البيانات، أو تمكين الغير من الوصول إليها دون سند مشروع، أو الإهمال الجسيم الذي يؤدي إلى فقدانها أو تسريبها، ينبغي أن يخضع لنظام قانوني يتناسب مع خطورة المصلحة المعتدى عليها، لا مع الوسيلة التي وقع بها الاعتداء.

فالعبرة ليست بكون محل الاعتداء ملفًا إلكترونيًا أو قاعدة بيانات، وإنما بما تمثله هذه البيانات من قيمة سيادية ووظيفية للدولة.

كما أن حماية هذه البيانات لا تستند إلى الاعتبارات التقنية وحدها، وإنما تجد أساسها في المبادئ الدستورية العامة التي توجب على الدولة حماية المصلحة العامة وضمان انتظام سير المرافق العامة وصون مقومات الأمن الوطني، وهي مبادئ تفرض على السلطات العامة واجبًا قانونيًا في توفير الحماية اللازمة للأصول الرقمية التي أصبحت تمثل أحد مقومات عمل الدولة الحديثة.

رابعًا: هل تكفي النصوص الجنائية الحالية؟

وهنا يبرز سؤال أكثر تعقيدًا.

هل تكفي النصوص الجنائية التقليدية لحماية البيانات السيادية؟

في تقديري، فإن الإجابة ليست بالسهولة التي قد تبدو عليها.

فمعظم التشريعات الجنائية العربية – ومنها التشريع الليبي – وُضعت في زمن كانت فيه الأموال العامة ذات طبيعة مادية في الغالب، وكانت الجرائم التقليدية تدور حول الاختلاس أو الإتلاف أو السرقة أو التزوير أو إفشاء الأسرار.

أما اليوم، فقد أصبح بالإمكان نسخ قاعدة بيانات كاملة دون أن يفقد مالكها النسخة الأصلية، وأصبح بالإمكان إلحاق ضرر بالغ بالدولة دون كسر باب أو إتلاف مستند أو الاستيلاء على شيء مادي.

وهنا يظهر قصور المفاهيم التقليدية.

فالبيانات قد تُنسخ ملايين المرات دون أن “تُسرق” بالمعنى التقليدي للسرقة.

وقد تُحلل وتُستغل وتُباع وتُستخدم في الابتزاز، بينما تبقى النسخة الأصلية في مكانها.

ومن ثم، فإن معيار الحماية الجنائية لم يعد ينبغي أن يقوم على انتقال الحيازة المادية، وإنما على المساس بالسيطرة القانونية على البيانات وبحق الدولة في الانفراد بإدارتها واستغلالها.

وهذا تحول جوهري في فلسفة التجريم ينبغي ان نواكبه.

فالخطر في الجرائم الرقمية لا ينشأ دائمًا من حرمان الدولة من الانتفاع بالبيانات، وإنما قد يتحقق بمجرد فقدانها السيطرة الحصرية عليها، أو تمكين الغير من استغلالها أو تحليلها أو دمجها مع قواعد بيانات أخرى، وهو ما يقتضي إعادة النظر في المفاهيم التقليدية للضرر الجنائي في البيئة الرقمية.

خامسًا: فقدان السيطرة… أخطر من فقدان الحيازة

في الجرائم التقليدية، تستطيع الدولة أن تسترد المال المسروق.

أما في البيئة الرقمية، فإن الأمر يختلف جذريًا.

فإذا خرجت قاعدة بيانات سيادية إلى الفضاء الإلكتروني، فإن استعادتها لا تعني بالضرورة استعادة السيطرة عليها.

إذ يمكن نسخها آلاف المرات خلال دقائق، وتخزينها في عشرات الدول، وإعادة تداولها بصورة يستحيل معها عمليًا محوها نهائيًا.

ومن هنا، فإن الضرر لا يتمثل في فقدان الحيازة، وإنما في فقدان الاحتكار المشروع للمعلومة.

وهذا ما يجعل البيانات تختلف عن معظم الأموال التقليدية.

فالسيطرة القانونية عليها قد تضيع إلى غير رجعة، حتى وإن بقيت النسخة الأصلية محفوظة داخل خوادم الدولة.

ولهذا، فإن الاعتداء على البيانات السيادية يكتسب خصوصية تبرر إعادة النظر في الأدوات القانونية التقليدية التي وضعت لحماية الأموال المادية، لأنها لم تعد كافية لحماية الذاكرة الرقمية للدولة.

سادسًا: هل يستوعب مفهوم المال العام في القانون الليبي البيانات السيادية؟

قد يُثار اعتراض مفاده أن المال العام، وفق المفهوم التقليدي في القانون المدني والقانون الإداري، يفترض وجود شيء مادي أو حق مالي يمكن تقويمه بالنقود، ومن ثم يصعب إدراج البيانات الإلكترونية ضمن هذا المفهوم.

غير أن هذا الاعتراض يستند إلى تصور تاريخي نشأ في وقت كانت فيه الثروة العامة ترتبط أساسًا بالأموال المادية، بينما تغيّرت طبيعة الدولة جذريًا بفعل الثورة الرقمية.

فالوظيفة التي يؤديها المال العام هي التي تبرر الحماية القانونية الخاصة التي يتمتع بها، وليس طبيعته المادية في ذاتها. فالقانون لم يمنح الأموال العامة حماية استثنائية لأنها مبانٍ أو أراضٍ أو معدات، وإنما لأنها خُصصت لتحقيق المنفعة العامة وضمان انتظام سير المرافق العامة.

وإذا كان هذا هو مناط الحماية، فإن البيانات السيادية تبدو أولى بهذه الحماية، لأنها أصبحت شرطًا لازمًا لاستمرار أداء المرافق العامة لوظائفها، بل إن تعطلها قد يؤدي إلى شلل مؤسسات الدولة، رغم بقاء جميع أصولها المادية قائمة.

ومن ثم، فإن معيار المال العام ينبغي أن يُعاد تفسيره في ضوء الوظيفة العامة التي يؤديها المال، لا في ضوء طبيعته المادية.

وبذلك، فإن البيانات التي تنتجها الدولة أو تجمعها أو تديرها لأداء وظائفها السيادية تمثل – في تقديري – أحد صور المال العام غير المادي، لأنها تتمتع بثلاث خصائص مجتمعة:

أنها مملوكة للدولة أو لأحد أشخاص القانون العام.

أنها مخصصة لتحقيق منفعة عامة أو لإدارة مرفق عام.

وأن فقدانها أو الاعتداء عليها ينعكس مباشرة على قدرة الدولة على ممارسة اختصاصاتها.

وهذه الخصائص هي ذاتها التي يقوم عليها النظام القانوني للأموال العامة.

سابعًا: هل نحتاج إلى إعادة تعريف المال العام؟

لعل الحادثة الأخيرة وما سبقها من حوادث سيبرانية تكشف عن أن التشريعات لم تعد تواجه فقط جرائم تقع على الأموال التقليدية، وإنما أصبحت تواجه اعتداءات على أصول رقمية قد تكون قيمتها الاستراتيجية أكبر من قيمة كثير من الممتلكات المادية.

فلو تعرض مبنى إداري للتلف، فإن الدولة تستطيع إعادة بنائه.

ولو سُرقت مركبة حكومية، أمكن استبدالها.

أما إذا فقدت الدولة السيطرة على قاعدة بيانات سيادية، فإن الضرر قد يستمر سنوات طويلة، لأن البيانات يمكن نسخها بلا حدود، وتحليلها، وإعادة استخدامها، ودمجها مع قواعد بيانات أخرى، بما يجعل آثار الاعتداء مستمرة حتى بعد إصلاح الأنظمة التقنية.

وهذا يعني أن معيار القيمة لم يعد يقاس بقيمة الأصل عند إنشائه، وإنما بالأثر الذي يترتب على فقدانه.

ولهذا، فإن الوقت قد يكون مناسبًا لإعادة النظر تشريعيًا في مفهوم المال العام، بحيث يمتد إلى الأصول الرقمية السيادية التي تمثل الذاكرة المؤسسية للدولة، وتُقرر لها حماية قانونية وجنائية تتناسب مع قيمتها الحقيقية.

ثامنًا: نحو نظرية قانونية جديدة للأصول السيادية الرقمية

ولعل التطور الأهم الذي تفرضه الدولة الرقمية هو الانتقال من مفهوم الأموال العامة إلى مفهوم أوسع يمكن تسميته “الأصول السيادية الرقمية”.
فهذا المفهوم لا يقتصر على قواعد البيانات، وإنما يشمل أيضًا:

قواعد البيانات الوطنية.

المنظومات السيادية.

الخوارزميات التي تعتمد عليها الدولة في إدارة المرافق.

مفاتيح التشفير الوطنية.

البنية الرقمية الحيوية.

قواعد بيانات الذكاء الاصطناعي الحكومية.

المستودعات الرقمية للوثائق والسجلات الرسمية.

فهذه جميعها أصبحت تمثل جزءًا من الثروة السيادية للدولة، شأنها شأن احتياطيات النقد الأجنبي أو الموارد الطبيعية.

ولذلك، فإن الحماية القانونية المستقبلية ينبغي ألا تنصرف إلى حماية الأجهزة والخوادم وحدها، وإنما إلى حماية القيمة القانونية والاقتصادية والسيادية للمعلومات التي تحتويها.

فالبيانات السيادية تمثل المحتوى المعلوماتي الذي تنتجه الدولة أو تديره، أما الذاكرة الرقمية للدولة فهي الوصف الوظيفي الذي يعكس الدور الذي تؤديه تلك البيانات في حفظ المعرفة المؤسسية وضمان استمرارية العمل العام، في حين يُعد مفهوم الأصول السيادية الرقمية المفهوم الأوسع، إذ يشمل البيانات والمنظومات والخوارزميات والبنية الرقمية وسائر العناصر التقنية ذات القيمة السيادية.

إن الثورة الرقمية لم تغيّر أدوات الإدارة فحسب، بل غيّرت طبيعة الدولة نفسها. وإذا كان الفقه القانوني قد نجح، عبر عقود طويلة، في بناء نظرية متكاملة للمال العام، فإن التحول الرقمي يفرض عليه اليوم مهمة جديدة، تتمثل في تطوير هذه النظرية لتستوعب الأصول الرقمية السيادية التي أصبحت تمثل الذاكرة المؤسسية للدولة وأحد أهم عناصر قوتها.

وإذا كان الفقه قد ميّز تاريخيًا بين الأموال العامة والأموال الخاصة استنادًا إلى الملكية والتخصيص للمنفعة العامة، فإن الدولة الرقمية قد تفرض معيارًا ثالثًا يتمثل في الوظيفة السيادية للأصل محل الحماية. فليست كل البيانات بيانات سيادية، وإنما تلك التي يترتب على فقدان السيطرة عليها أو المساس بسلامتها تأثير مباشر في قدرة الدولة على ممارسة اختصاصاتها الدستورية أو إدارة مرافقها العامة أو حماية أمنها الوطني.

ومن هنا، فإن حماية البيانات السيادية لم تعد مسألة تقنية يقتصر أمرها على خبراء الأمن السيبراني، بل أصبحت قضية قانونية ودستورية تتعلق بحماية المال العام، وصون المصلحة العامة، وضمان استمرارية المرافق العامة، وتعزيز الأمن القومي.

ولعل الوقت قد حان لكي يبدأ الفقه والتشريع الليبيان في التعامل مع البيانات السيادية بوصفها مالًا عامًا غير مادي أو أصلًا سياديًا رقميًا يستوجب حماية قانونية وجنائية خاصة، تتناسب مع قيمته الاستراتيجية وآثار الاعتداء عليه.

The post البيانات السيادية للدولة: هل أصبحت نوعًا جديدًا من المال العام؟ appeared first on عين ليبيا آخر أخبار ليبيا.