من شرق آسيا إلى أوروبا وأمريكا الشمالية، تتسع خريطة الظواهر الجوية المتطرفة خلال صيف 2026، بين أمطار وفيضانات واسعة في الصين، وحرائق غابات مدمرة في كندا، وموجات حر وجفاف قياسية في أوروبا، في مشهد يسلط الضوء مجددًا على تداعيات التغير المناخي وتأثيراته المتشابكة على السكان والنقل والزراعة والموارد الطبيعية.
في الصين، تسبب إعصار “دولفين” في أمطار غزيرة وفيضانات ومخاوف من انهيارات أرضية في مناطق واسعة من شرق البلاد، رغم تراجع قوته بعد وصوله إلى اليابسة في مقاطعة تشجيانغ وتحوله سريعًا إلى عاصفة استوائية.
وأجلت السلطات الصينية أكثر من مليون شخص إلى مناطق آمنة، وسط تحذيرات من استمرار الأحوال الجوية القاسية حتى منتصف الأسبوع مع تحرك العاصفة شمالًا إلى الداخل.
وأفادت قناة “CCTV” الحكومية بأن السلطات أصدرت أعلى مستوى من التحذيرات من الفيضانات المفاجئة في أجزاء من شرق وجنوب تشجيانغ، وحثت السكان على البقاء في منازلهم خلال هطول الأمطار الغزيرة.
وكانت مدينة ونتشو الساحلية في تشجيانغ من أكثر المناطق تضررًا، إذ نقلت السلطات أكثر من 900 ألف شخص إلى مناطق آمنة وفتحت أكثر من 1500 ملجأ للطوارئ.
وفي فوجيان المجاورة، أُجلي نحو 99 ألف شخص من المناطق عالية الخطورة، بينما نقلت السلطات في شنغهاي أكثر من 215 ألف شخص من المناطق المعرضة للخطر.
وسجلت إحدى محطات الطقس في وسط شنغهاي أعلى كمية أمطار خلال 24 ساعة منذ أكثر من 150 عامًا، في مؤشر على شدة الظروف الجوية المصاحبة للإعصار.
وتوقع خبراء الأرصاد الجوية في الصين هطول أمطار تتراوح بين 200 و400 ملم في بعض المناطق خلال الأيام التالية، بحسب ما نقلته صحيفة “الغارديان”.
ولم تتوقف تداعيات الإعصار عند الأضرار المباشرة، إذ أُلغيت أكثر من 1300 رحلة في مطاري شنغهاي الرئيسيين، بالتزامن مع تعليق خدمات للنقل العام والقطارات المحلية.
كما امتدت آثار “دولفين” إلى مناطق أخرى في شرق آسيا. ففي هونغ كونغ، ساهم الإعصار في دفع درجات الحرارة إلى مستوى قياسي بلغ 36.9 درجة مئوية، وهي أعلى درجة حرارة تسجلها المدينة على الإطلاق، مع توقع استمرار الطقس شديد الحرارة حتى الثلاثاء.
وفي تايوان، أوقفت السلطات خدمات العبّارات وألغت أكثر من 180 رحلة جوية بسبب الأمطار الغزيرة والرياح القوية.
وفي اليابان، اجتاح “دولفين” محافظة أوكيناوا الجنوبية، ما أسفر عن إصابة ستة أشخاص وانقطاع الكهرباء عن أكثر من 50 ألف مبنى.
أما في الفلبين، فلم يصل الإعصار إلى اليابسة في شمال البلاد، لكنه عزز قوة الأمطار الموسمية، ما تسبب في فيضانات واسعة في مناطق من جزيرة لوزون الشمالية، بينها مناطق محيطة بالعاصمة مانيلا.
وفي كندا، اتخذت الظواهر المتطرفة شكلًا مختلفًا، إذ توفيت امرأة تبلغ 80 عامًا أثناء محاولتها مغادرة منزلها هربًا من حريق “بالد رينج” في مقاطعة كولومبيا البريطانية غرب البلاد.
وقالت الشرطة الملكية الكندية إن المرأة كانت تحاول مغادرة منزلها برفقة أحد أفراد أسرتها بسبب الحريق عندما فارقت الحياة، مؤكدة عدم تسجيل وفيات أخرى معروفة حتى الآن.
واندلع الحريق بعد ظهر الجمعة بالقرب من بحيرة أوكاناغان في الجزء الجنوبي من المقاطعة، قبل أن ينتشر بسرعة ويؤدي إلى إجلاء أكثر من 20 ألف شخص.
وبحلول مساء الأحد، كانت النيران قد أتت على أكثر من 13 ألف هكتار، بينما ظل الحريق خارج السيطرة، وفق مسؤولي إدارة الحرائق.
وتشهد كندا هذا العام واحدًا من أكثر مواسم الحرائق فتكًا في تاريخها، في وقت ترتفع فيه درجات الحرارة في البلاد بمعدل ضعف معدل بقية العالم، وفق المعلومات الواردة في المادة.
وبحسب أحدث الإحصاءات الرسمية للحكومة الفيدرالية، احترق أكثر من 4 ملايين هكتار منذ بداية العام، مقارنة بنحو 18 مليون هكتار احترقت خلال عام 2023، الذي سجل مستويات قياسية للحرائق.
وفي أوروبا، تظهر الأزمة المناخية في صورة موجات حر متتالية وجفاف شديد وضغوط متزايدة على الزراعة.
وأظهرت بيانات “خدمة كوبرنيكوس للتغير المناخي” أن أوروبا الغربية شهدت خلال يونيو ويوليو الفترة الأكثر حرارة على الإطلاق منذ بدء تسجيل درجات الحرارة، بمتوسط بلغ 21.62 درجة مئوية، متجاوزًا الرقم القياسي المسجل عام 2022 للفترة نفسها.
وقال مرصد كوبرنيكوس إن ذلك يعكس “الاستمرار الاستثنائي للحر” خلال صيف هذا العام، فيما تُعد أوروبا القارة الأسرع احترارًا في العالم.
كما كانت رطوبة التربة في أوروبا الغربية أقل بكثير من مستويات يوليو 2022، الذي شهد آخر موجة جفاف شديدة في المنطقة.
وقالت سامانثا بورجيس، الرائدة الاستراتيجية للمناخ في كوبرنيكوس: “عندما تجف التربة، تفقد قدرتها على توفير التبريد الطبيعي، مما يسمح للحرارة بالتراكم بشكل أسهل”.
وأضافت: “هذا مثال واضح على كيفية قيام تغير المناخ بتكثيف التطرفات الحرارية، حيث يعزز الحر والجفاف كل منهما الآخر بشكل متزايد”.
ولم تقتصر المؤشرات القياسية على اليابسة، إذ بلغ متوسط درجة حرارة سطح البحر عالميًا في يوليو 20.96 درجة مئوية، متجاوزًا الرقم القياسي السابق المسجل عام 2023.
وعلى المستوى العالمي، كان يوليو ثاني أكثر أشهر يوليو حرارة في السجلات، بالتساوي مع عام آخر، بعدما بلغ متوسط درجة حرارة الهواء السطحي 1.47 درجة مئوية فوق مستوى ما قبل الثورة الصناعية، للفترة الممتدة بين 1850 و1900.
ووفق بيانات كوبرنيكوس، سجلت 33 دولة درجات حرارة قياسية لشهر يوليو، فيما شهدت مناطق يناهز إجمالي عدد سكانها 900 مليون نسمة أكثر أشهر يوليو حرارة على الإطلاق في عام 2026، وفق حسابات أجرتها وكالة الصحافة الفرنسية استنادًا إلى بيانات برنامج كوبرنيكوس الأوروبي.
وشملت البيانات قياسات من الأقمار الاصطناعية ومحطات الأرصاد الجوية الأرضية والبحرية والجوية والنماذج المناخية، وهي تغطي الكرة الأرضية ساعة بساعة وتعود إلى عام 1970.
وتنعكس موجات الحر والجفاف الأوروبية أيضًا على الغذاء والزراعة، إذ تواجه المحاصيل الزراعية والثروة الحيوانية ضغوطًا متزايدة، مع توقعات بتراجع إنتاج الذرة في عدد من الدول.
وفي فرنسا، تشير تقديرات حكومية إلى تراجع إنتاج الذرة بنحو 35% خلال عام 2026، ليصل إلى نحو 9 ملايين طن، وهو مستوى لم تشهده البلاد منذ عام 1980.
وقال آرثر بورتييه، مزارع الذرة في مقاطعة واز الفرنسية، إن “تأثير الجفاف لا يقتصر على انخفاض الإنتاج، بل يمتد أيضا إلى المساحات المزروعة في عدد من الدول الأوروبية”.
وأوضح بورتييه أن فرنسا ستكون الأكثر تضررًا من حيث حجم المحصول، بينما تشهد دول أوروبا الشرقية، ولا سيما رومانيا والمجر وبلغاريا، تراجعًا في المساحات المخصصة لزراعة الذرة بسبب استمرار العجز المائي لعدة سنوات.
وأضاف أن “نقص المياه دفع عددا من المزارعين في تلك المناطق إلى تقليص زراعة الذرة، ما يرجح تسجيل تراجع على مستوى القارة الأوروبية، سواء في المساحات المزروعة أو إجمالي الإنتاج”.
ومع تراجع الإنتاج المحلي، تتجه أوروبا إلى زيادة وارداتها من الذرة خلال الفترة المقبلة لتعويض النقص وتلبية احتياجات الأسواق، في وقت يواصل فيه تغير المناخ وموجات الجفاف الضغط على القطاع الزراعي.
وتشير هذه التطورات المتزامنة من الصين إلى أوروبا وكندا إلى اتساع نطاق تأثير الظواهر الجوية المتطرفة، من الفيضانات والأعاصير إلى الحرائق والجفاف وموجات الحر، فيما تؤكد بيانات كوبرنيكوس وتصريحات خبرائه أن ارتفاع الحرارة وتغير المناخ يرتبطان بتزايد شدة بعض هذه الظواهر المتطرفة.
The post من الصين إلى كندا وأوروبا.. ضحايا وإجلاءات واسعة بسبب «الطقس المتطرف» appeared first on عين ليبيا | آخر أخبار ليبيا.
