عندما تخرج مؤسسة بحجم المؤسسة الوطنية للنفط لتعزو أزمة البنزين والديزل الخانقة في الشارع إلى حرب أوكرانيا وتوتر الملاحة في مضيق هرمز، فإن المشكلة تتجاوز التبرير الضعيف إلى الاستخفاف الصريح بوعي الناس. هذا الخطاب ليس مجرد بيان صحفي متعثر، بل هو كشف حساب واضح لإدارة تعتمد التضليل لتغطية الفشل الهيكلي وسوء التدبير.
جغرافيا وهمية وتضليل عابر للمحيطات
تستورد البلاد أكثر من 85% من احتياجاتها من الوقود المكرر من مصافي حوض البحر الأبيض المتوسط (في إيطاليا، اليونان، إسبانيا، وتركيا). فكيف لمسار ناقلة تتنقل داخل البحر المتوسط أن يتأثر بإغلاق أو توتر مضيق هرمز الواقع على بعد آلاف الكيلومترات بين الخليج العربي وبحر العرب؟
إن إقحام “هرمز” في بيان رسمي هو إما جهل فاضح بأساسيات حركة التجارة النفطية، أو محاولة لتمرير حجج واهية يفترضون انطلائها على الناس. أما شماعة الحرب الروسية، وعلى الرغم من تأثيرها على الأسعار العالمية، إلا أن الوقود المكرر لم ينقطع يوماً من سوق المتوسط، والناقلات لا تتأخر بسبب ندرة الوقود، بل بسبب تعثر التغطية المالية والتأخر في سداد مستحقات تجار الطاقة.
أين تكمن الحقيقة؟
الحقيقة التي يُراد التغطية عليها تكمن في ثلاثية من سوء الإدارة وغياب الشفافية، تتم حمايتها بدعم حكومي واضح:
الصندوق الأسود لـ “المقايضة”: إدارة صفقات مبادلة النفط الخام بالوقود المكرر بعيداً عن الرقابة والمناقصات الشفافة، مما يحولها إلى بيئة خصبة للتلاعب بالفوارق السعرية والعمولات، وتأخر تفريغ الشحنات لتعثر التسويات المالية.
النزيف المستمر عبر التهريب: استمرار تسريب كميات ضخمة من الوقود المستورد المدعوم إلى الخارج عبر الحدود والبحار، وسط غياب تام للإرادة المؤسسية والأمنية لوقف هذا النزيف الذي يلتهم الميزانيات.
إهمال التكرير المحلي: الإبقاء المتعمد على مصافي النفط الوطنية (كالزاوية ورأس لانوف) بعيدة عن التطوير وتجديد الكفاءة، لضمان استمرار الارتهان الكلي للاستيراد وما يرافقه من مصالح غير مشروعة.
إن الاستمرار في تسويق الشماعات الخارجية يثبت انعدام الحوكمة والنزاهة، ويشرح بوضوح السبب وراء تراجع البلاد في مؤشرات الفساد العالمية. الإدارة التي تستعين بجغرافية مضللة للتغطية على عجزها لا تبني دولة مؤسسات، بل تكريس لواقع يفتقر للشفافية والمحاسبة.
The post التضليل المؤسسي وسقوط معايير الحوكمة في إدارة أزمة الوقود في ليبيا appeared first on عين ليبيا | آخر أخبار ليبيا.
